قانون السير في لبنان.. طرائد الأمن والقضاء

قانون السير في لبنان.. طرائد الأمن والقضاء

تذهب أموال الجباية في لبنان إلى صناديق خاصة بالقضاة (رمزي حيدر/أ.ف.ب)

يحار اللبنانيون بقوانينهم وأحوالها. لربما من الأجدى إلصاق الفوضى بأنها سمة البلد الطاغية. فلا حريات يمكن التغني بها، ولا انضباط يمكن ملاحظته. لبنان المقسم، أفقيًا وعاموديًا، لا تشي حكوماته إلا بتكرار الفساد بسيناريوهات مختلفة. لباس المنطق العام، أن تكون الدولة مهترئة ومفككة، تشبه نسيج المجتمع وتركيبته الطائفية المعمدة بتقسيم المغانم والتنازع عليها. فهو جماعات تحاول التنازع بلطف، بعد حرب أهلية أطاحت بكل أحلام الدولة "المدمقرطة" في شرق البحر المتوسط الذي لا يعوزه المزيد مما يطيح به.

ينظر إلى الشرطي في لبنان على أنه القابض على بيضة من ذهب

يطول الحديث عن "أشباح" قوانين في لبنان، خصوصًا في ظل تمدد النزعة الطائفية والفساد "المشرّع" بدءًا من البرلمان، وصولًا إلى المؤسسات الفاعلة والناظمة لتطبيقها، إذا ما تم تطبيقها في الأصل. وهي بمعظمها قوانين نفعية تمرر مصالح الطبقة السياسية وتسلط نصل سكّينها على الفقراء وغير المحسوبين على أحد. فمن ليس له أحد في لبنان، ذبح واقفًا.

أقرأ/ي أيضًا: من أحلام جنوب لبنان.. دراجة نارية

 لتعود "نغمة" التشكي من القوانين المجحفة على خلفية البدء بتطبيق قانون السير الجديد، حيث تغيب أي استراتيجيّة حول بنوده وكيفية تطبيقه وتفعيل شروطه ومفاعيلها.

فالقانون لم يكن رادعًا. على الرغم من كلفته العالية، إلا أنه بدا أقرب إلى آلية مستجدة للسرقة والاستنفاع وقناة غير مرئية للرشى بين قوى الأمن الداخلي. فالمولج بتطبيق القانون هي القوى الأمنية التي لا يخفى على أحدٍ في لبنان، تورط أفرادها من رأس الهرم إلى قاعدته بالفساد، منذ تأسيسها إلى اليوم. فالشرطي، بمعناه المحلي، هو القابض على بيضة الذهب، كما يقال شعبيًا، وكأن اللبناني أمام جمهورية حاتم وزمرته من أمناء الشرطة وفق التعبير المصري المثقل بالألم والنقد في آن معًا.

تغيب عن قانون السير في لبنان أي استراتيجيّة حمائية للسير والسائرين، على الرغم من تشدده في كلف الغرامات

والحال أن قانون السير اللبناني في حيثيته ليس سوى آلية صورية للترزق المعلن من جيوب المواطنين. فالبند الوحيد الذي يبدو أنه ناظم التوقيت والتطبيق هو بند الغرامات، وعدا كل هذا فلا خطة أو بدائل أو طرق مفيدة فيه. والمواطن دومًا ما يسأل عن حال الطرقات، فكيف يمكن أن يغير السائقون سلوكياتهم المرورية في ظروف تعيسة وعلى طرقات أقل ما يقال عنها مهترئة وبائسة تعرض حياتهم وحيوات المارة للخطر.

أقرأ/ي أيضًا: إخلاء أبنية بيروت القديمة.. من يطمس هوية المدينة؟

ووفق الأرقام المعلومة من مصادرها الرسمية فإن معدل جباية الغرامات يناهز حدود ألف غرامة تسطّر يوميًا، غالبًا ما تطال مخالفات من نوع القيادة دون دفع رسوم الميكانيك، المعطل أغلب أسابيع العام، والتوقف في الأماكن الممنوعة وغيرها من الاستحداثات التي لا مجال أمام المواطن السائق لاستيفائها، غالبًا لتعطيلها من طرف الدولة وهي التي فرضتها. كما تصبّ النسبة الأكبر من عائداتها في صناديق خاصّة للقضاة وقوى الأمن الداخلي، بدلًا من الاستفادة منها لصيانة الطرقات وتطوير معايير السلامة المروريّة.

 إضافة الى أن ارتفاع قيمة الغرامات يجعل الوفاء بها أمرًا غير قابلٍ للتحقيق، كونها تطال جميع الشرائح في المجتمع، بما فيها الفقيرة، وتوسع مروحة الرشوة أو تفتح الباب أمام التغاضي عن تطبيقها، خصوصًا عندما تتعلّق بسلامة الفرد، ومثال على ذلك مخالفة عدم وضع حزام الأمان التي تندرج ضمن الفئة الثالثة وتتراوح غراماتها بين 350 و450 ألف ليرة، وسجّل في أقل من عامين نحو 14 ألف محضر، والمخالفات المتعلّقة بسلامة الأطفال مثل وضعهم في كرسي الأطفال المخصص ونقلهم عبر الدرّاجات الناريّة، والتي تندرج ضمن الخانة نفسها، ونادرًا ما يحال إلى تطبيقها.

أقرأ/ي أيضًا:

السكن في بيروت.. طوبى للتشرد!

لبنان.. حملات افتراضية ضد استملاك شاطئ بيروت