فساد أوباما وإجرام السعودية.. جردة حساب

فساد أوباما وإجرام السعودية.. جردة حساب

لا يستهان بحجم الفساد الذي ورثه ترامب عن إدارة أوباما (إيثان ميلر/Getty)

الفصول تأتي وتذهب، لكن الأرجح هو أن الموظفين السابقين في إدارة أوباما لن يكفوا عن محاولة تبييض سجل الرئيس السابق. لذلك، عندما يتقارب ترامب من دكتاتور مصري دموي، يتظاهر أصدقاء أوباما بأن هذا شيء جديد، وليس استمرارًا لسياسة عهد أوباما. وعندما تبدأ إدارة ترامب في حبس الأطفال في أقفاص وفصلهم عن والديهم، يسعى أنصار أوباما للتأكيد للعالم أن هذا النهج الفريد من نوعه خاص بإدارة ترامب، وليس مجرد تطور أكثر قسوة لممارسات عهد أوباما. وعندما يخضع ترامب لطلبات آل سعود، يجب أن يكون ذلك بسبب شرِّه المفرط بحسب من يبررون مصائب أوباما، وليس لأنه سياسة حكومية أمريكية قديمة تسبق حتى أوباما.

لمقاومة ما يفعله ترامب اليوم، وفهم كيفية مواجهة نتائج أفعاله مستقبليًا يتوجب إدراك أن الفساد في واشنطن أكبر بكثير من ترامب وحقبته

هذه المرة، يدور الموضوع حول دعم إدارة أوباما، التي دامت ثماني سنوات، للمملكة العربية السعودية، وخضوع ذلك للفحص مرة أخرى منذ أن اضطلع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بعملية قتل سافرة للصحفي المعارض وكاتب العمود في صحيفة الواشنطن بوست، جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في إسطنبول. وعلى الرغم من تورط السعودية في ما يرقى إلى إبادة جماعية تحدث في اليمن منذ ثلاث سنوات، إلا أن جريمة قتل خاشقجي على ما يبدو صدمت أحاسيس العالم بشدة، ما سيجعلها، على نحوٍ غريب، السبب في إعادة تقييم العلاقات الأمريكية السعودية في واشنطن العاصمة على ما يبدو. لكن ماذا بشأن إرث الإدارة السابقة وتورطها في أتون حرب الرشاوى والدسائس السعودية عبر جماعات الضغط، المقربة من إسرائيل في الغالب. تقدم هذه الوقفة الاسترجاعية لوقائع المال السعودي في واشنطن تحت ظلال باراك أوباما عبر صفحات مجلة جاكوبين اليسارية الأمريكية محاولة إيضاحية لخارطة طريق تورط أوباما لصالح جرائم السعودية.


على مدار الأيام القليلة الماضية، أنكر مسؤولون سابقون في إدارة أوباما بشدة أن يكون الأخير قد دعم السعودية في مساعيها الوحشية. إذ قال مايكل ماكفول، السفير الأمريكي السابق في روسيا "دعونا لا نخدع أنفسنا.. لم يكن أوباما يسترضي العائلة المالكة السعودية"، واستطرد زاعمًا أن أوباما "لم يمارس اللعبة مع السعوديين كما هو معتاد"، وأنه نتيجة لذلك صارت "التوترات من جانب الطرفين أشد حدة". وبعد تعرضه للضغط من كلا الصحفيين آدم جونسون وآرون ميت، تحدى ماكفول جونسون فيما يتعلق بأي منهما مُنع من السفر أكثر من قبل الديكتاتوريين، وأشار إلى دعم أوباما المزعوم للربيع العربي ولرعايته للاتفاق الإيراني، كدليل على هذا النهج العدائي.

كانت صفقة أوباما الأولية للأسلحة مع السعوديين  ببساطة جزءًا من عملية بناء ضغط دولي وإقليمي على إيران

في هذا الصدد كان مكفول مدعومًا من دان شابيرو، سفير أوباما السابق في إسرائيل، والذي قال إن صفقة أوباما الأولية للأسلحة مع السعوديين كانت ببساطة "جزءًا من عملية بناء ضغط دولي وإقليمي على إيران، ودعم قدرة الحلفاء على الدفاع عن أنفسهم"، وبالمثل أشار إلى أن السعوديين أرادوا موقفًا أكثر عدائية تجاه إيران من الذي اتبعه أوباما. وقال رودس، نائب مستشار الأمن القومي في إدارة أوباما الكلام نفسه، ووصف الأمر بأنه "تحريف غريب"، وادعى أن "أي شخص قام بتغطية السياسة الخارجية خلال العقد الماضي.. يعرف كيف أصبحت علاقتهم بأوباما باردة".

اقرأ/ي أيضًا: الإمبريالية وسوق العالم.. الوحش الذي "يداعبنا"

صحيح أن أحدًا لن يتهم أوباما بأنه كان شديد الارتباط المصلحي مع المملكة مثل ترامب حاليًا. لكن رئاسة أوباما كان لها نمط مميز: كان دومًا يستميل السعوديين في إطار سعيه المستمر "للحرب على الإرهاب"، وكانوا هم يغضبون عندما لا يسير وفق خططهم المُفضلة بدقة، مثل شن حربٍ ضد إيران أو اليمن، وكان بدوره يبذل جهدًا كبيرًا لكسب ودهم مُجددًا. إذا كان موظفو أوباما السابقون يحتاجون إلى عملية تذكير لكل هذه الأمور، فمن حسن الحظ أنها موثقا كلها بشكل جيد.
لا أوهام في استفادة أوباما من المال السعودي

عمل أوباما بجهد لكسب ود السعوديين منذ توليه منصبه مباشرة. وفي حين ظل جورج دبليو بوش، الذي كان صديقًا مقربًا من فردٍ من العائلة السعودية المالكة تواصل لاحقًا مع منفذي هجمات 11 أيلول/سبتمبر، حتى قُبيل نهاية فترة رئاسته دون زيارة البلاد، ولم يكن له سوى أربع زيارات رسمية مع قائدها، بينما التقى أوباما مع الملك عبد الله مرتين خلال نصف العام الأول من رئاسته تقريبًا. ولا يشمل هذا سلسلة من الزيارات قام بها كبار المسؤولين إلى السعودية طلبًا للمساعدة، بداية من وزير الخزانة تيم غايتنر وحتى وزير الدفاع روبرت غيتس. قال أحد المسؤولين في البيت الأبيض للصحفي مايكل كراولي أن ذلك كان "استثمارًا".

استاء السعوديون من تخلي أوباما عن الدكتاتور المصري وحليف السعودية حسني مبارك خلال الربيع العربي، على الرغم من أن أوباما دعم مبارك حتى أصبح خيارًا محروقًا

كانت صفقة أوباما التي تبلغ قيمتها 60 مليار دولار جزءا من خطة الإدارة لعزل إيران. لم تحظ الصفقة بقبول كبير، إذ أعربت قائمة من الحزبين تحتوي 198 توقيعًا عن مخاوف بشأن هذه الصفقة، وتساءل تقرير مُقدم من الكونغرس عما إذا كانت هذه المبيعات قد أفادت السياسة الخارجية الأمريكية، لذا مررها أوباما ببساطة من خلال تقديم المقترح أثناء عودة أعضاء الكونغرس إلى ولاياتهم من أجل الانتخابات النصفية. وسوغ المسؤولون الأمر بتطوير قدرات السعوديين على مكافحة الإرهاب. كما ذكرت صحيفة كريسشان ساينس مونيتور أن العلاقات بين البلدين تحولت "180 درجة، بسبب هذه الصفقة". لكن ما لبث الفتور أن أصاب العلاقة بين البلدين في العام التالي. فقد أرادت المملكة أن يفعل أوباما ما هو أكثر من مجرد فرض عقوبات على إيران.

استاء السعوديون أيضًا من تخلي أوباما عن الدكتاتور المصري وحليف السعودية حسني مبارك خلال الربيع العربي، وهي نفس النقطة التي يلجأ إليها حاليًا المسؤولون السابقون في إدارته للدفاع عنه. في الواقع، هناك مغالاة في هذا الأمر: إذ كانت قيادة مبارك وقتها قد صارت غير صالحة للاستمرار، وفي الحقيقة دافعت الإدارة عنه علنًا حتى أصبحت هذه الحقيقة واضحة للجميع. طلب أوباما كذلك من السعوديين ألا يتعاملوا بوحشية مع احتجاجات الربيع العربي في البحرين، وقد تجاهلوا ذلك. يبدو أن صفقة أسلحة قيمتها 60 مليار دولار لن تمنحك الكثير.

لكن أوباما سارع إلى إصلاح الأمور مع القيادة السعودية. مناشدًا الملك عبر الهاتف، بينما قام جو بايدن، نائبه ومستشاره للأمن القومي بعدة رحلات إلى السعودية. وبعد أن شجب سجلات حقوق الإنسان في عدد من الدول المختلفة في الأمم المتحدة، حرص أوباما على إبقاء تعليقاته على البحرين خافتة قدر الإمكان. الأهم من ذلك، أنه قدم لهم مزيدًا من الأسلحة، في صفقة تبلغ قيمتها 30 مليار دولار.

حرص أوباما على إبقاء تعليقاته على السجل القمعي للبحرين خافتة قدر الإمكان سعيًا وراء المال السعودي

على أي حال، لم تسؤ العلاقة الأمريكية السعودية بما يكفي لمنع الولايات المتحدة من تشغيل قاعدة سرية للطائرات دون طيار في السعودية، وهي قاعدة لم يُكشف عن وجودها إلا في 2013، بعد عامين من تشغيلها. وعلى الرغم من معرفة عدد من الصحف بوجودها، إلا أن إدارة أوباما طلبت منهم عدم إذاعة الأمر. أي بعبارة أخرى، تجنبًا لإحراج المملكة، التي كانت قد واجهت بالفعل نقدًا شديدًا على سماحها للقوات الأمريكية بالبقاء في البلاد خلال حرب الخليج الأولى.

اقرأ/ي أيضًا: ملف خاشقجي لم يغلق بعد.. المقاطعة مستمرة ومطالبات بتحقيق أممي

طوال هذا الوقت، أمعن أوباما في تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان التي تقع في البلاد. وقد أوردت منظمة العفو الدولية وجود "موجة جديدة من القمع" في البلاد منذ عام 2011، بما في ذلك اعتقال 160 شخصًا بسبب احتجاجهم على هذا القمع. عندما حُكم على أحد الناشطين بالسجن أربع سنوات و300 جلدة بسبب دعوته إلى إقامة ملكية دستورية، لم يقل أوباما شيئًا. كما قامت الحكومة السعودية بضرب أعناق ثمانية أشخاص في نفس الشهر الذي تعاون هو فيه معهم للقضاء على داعش التي تعتمد ضرب الأعناق أيضًا من بين عقوباتها، من بينهم أربعة أفراد من عائلة واحدة، بتهمة "تعاطي المخدرات". وقع 52 عضوًا في الكونغرس وأكثر من درزينة من المنظمات غير الحكومية، على رسالة تطالب أوباما بالوقوف في وجه السعوديين على مثل هذه الانتهاكات خلال رحلته التالية، التي لم يقم بها بالطبع.

كانت توترات أوباما الشخصية أقل أهمية من نهر المال السعودي، تمامًا مثلما لم يمنع خلافه الشخصي مع بنيامين نتنياهو دعم سلوك الحكومة الإسرائيلية الشائن بشكل عام

في الواقع، ازدادت العلاقة قربًا. فقد التقى أوباما شخصيًا مسؤول الداخلية الذي أدار الحملة القمعية. ووفقًا لصحيفة واشنطن بوست. توسعت وكالة الأمن القومي الأمريكية في عملها مع وزارته، وقدمت الدعم "لأمنهم الداخلي". وفي عام 2014، قام أوباما برحلة طارئة أخرى إلى الرياض بعد أن تذمَّرت المملكة من فُتورِه. بعد مرور أسبوعين دون إرسال مسؤول كبير لحضور مسيرة سلمية نُظمت بعد هجوم باريس الإرهابي، قطع أوباما رحلته إلى الهند للسفر إلى المملكة العربية السعودية، لحضور جنازة الملك عبد الله الذي كان قد توفي للتو، وكال له المديح هو وغيره من كبار المسؤولين.

أعربت إدارة أوباما بين الحين والآخر عن قلقها بشأن بعض حالات انتهاكات السعوديين لحقوق الإنسان في البيانات الصحفية، وأحيانًأ انتقدته. لكنها لم تفعل أكثر من ذلك. لم يقم أوباما بإثارة القضية السابقة عندما زار هو وموكب طويل من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين البلاد في كانون الثاني/يناير 2015. ولم يفعل الكثير تجاه الفظائع الأخرى. حين حصلت المملكة، ويا للعجب، على عضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أخبر وزير خارجيته الصحافة بأنهم "يرحبون بذلك".

اقرأ/ي أيضًا: أوباما والتدخل العسكري.. مسرحية من ثلاثة فصول

وفي الواقع، استمر أوباما في تزويد السعودية بالمساعدات العسكرية والأسلحة، بما في ذلك بيع قنابل ذكية بقيمة مليار دولار، ومحاولة إعاقة مشروع قانون ضحايا هجمات 11 أيلول/سبتمبر الذي يسمح لأسر الضحايا بمقاضاة السعودية على دورها في الهجمات.

أمعن أوباما في تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان التي تقع في السعودية حين أوردت منظمة العفو الدولية وجود "موجة جديدة من القمع" في البلاد منذ عام 2011

كانت الحرب الوحشية التي قادتها السعودية في اليمن بطرق عديدة هي ذروة هذا النهج. وقد قدم أوباما دعمًا ماديًا ثابتًا للحرب منذ بدايتها حتى نهاية فترة رئاسته، حتى مع وجود الأدلة المستمرة والمتزايدة لجرائم الحرب، وانتقاد الكونغرس والعالم. بدون هذا الدعم، كان على السعوديين أن يحزموا حقائبهم ويعودوا إلى ديارهم. فعلت إدارة أوباما هذا صراحةً مع العلم أنه من المحتمل أن تكون متورطة في جرائم الحرب في البلاد.

بلا شك ظلت العلاقة السعودية الأمريكية متوترة في بعض الأحيان. وكان أوباما قد استُقبل "استقبالًا باردًا" من القيادة السعودية في واحدة من رحلاته العديدة إلى البلاد، وسمعنا كيف أنهم لم يتوافقوا. لكن هذه التوترات الشخصية أقل أهمية من نهر المال  السعودي، تمامًا مثلما لم يمنع خلاف أوباما الشخصي مع بنيامين نتنياهو دعم سلوك الحكومة الإسرائيلية الشائن بشكل عام. قد لا يعتقد مايكل مكفول أن السجل الموضح هنا يعدُّ ترضيةً، ولكن إذا لم يكن كذلك، فما هي الترضية؟

استمر أوباما في تزويد السعودية بالمساعدات العسكرية والأسلحة، بما في ذلك بيع قنابل ذكية بقيمة مليار دولار، ومحاولة إعاقة مشروع قانون جاستا وكشف دور السعودية في "غزوة مانهاتن"

المثال السعودي هو جزء من نمط السلوك من قبل الليبراليين البارزين والديمقراطيين في عصر ترامب. من غير المناسب أن يتشارك ترامب، وهو رجل يُعتبر على نطاق واسع  بغيضًا وغير لائق بمقام المكتب البيضاوي، في العديد من المواقف السياسية، ليس فقط مع التيار الرئيس في واشنطن، ولكن على وجه التحديد مع الرئيس المفضل لدى الديموقراطيين في العصر الحديث.

ما أهمية كل هذا؟ ليس، كما يعتقد البعض، لأن اليسار لديه نوع من الكراهية اللاعقلانية والأكيدة لأوباما. وبالتأكيد ليس لأن اليسار  ليس لديه أي تعاطف مع ترامب. إذ لا يتمنى الديمقراطيون ومؤيدوهم شيئاً أكثر من هزيمة ترامب، وأن يتمكن جمهور المصوتين من نفض الغبار عن أيديهم وإعلان أن المهمة قد أنجزت. لن يحبوا شيئًا أكثر من أن يتوقف أغلبية الليبراليين والتقدميين وغيرهم في الدائرة الديمقراطية ويكفوا عن الاهتمام، عالمين أن الولايات المتحدة قد عادت في أيدي إدارة فاعلة وقادرة، وأن لحظة  الأزمة المؤقتة المحفوفة بالمخاطر قد مرت. هذا النوع من التفكير هو الذي سمح للديمقراطيين بتمرير مجموعة من السياسات الشبيهة بقرارات ترامب في الماضي.

لكن مقاومة ترامب تعني أكثر من مجرد مقاومته كفرد. إذا شعرت بالاستياء من رئاسة ترامب، فأنت مستاء منه بسبب السياسات التي ينفذها، والسياسات التي سيستمر أثرها بعد رئاسته، والتي يتقدم بها بعض من أشد خصومه. لكي تقاوم حقًا، عليك أن ترى أن الفساد في واشنطن أكبر بكثير من ترامب.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

استراتيجية أوباما.. لسنا العدو الأول للإرهاب

ماركو روبيو.. أوباما الحزب الجمهوري