الإمبريالية وسوق العالم.. الوحش الذي

الإمبريالية وسوق العالم.. الوحش الذي "يداعبنا"

بيل كلينتون مع جورج دبليو بوش في قاعدة عسكرية في هاييتي (Getty)

بالتفكير في ما تعنيه الإمبريالية وعلاقتها بالسوق والاقتصاد العالمي اليوم، لا يبرز أي شيء أكثر من التفكير في الولايات المتحدة الأمريكية. هذا بالتأكيد في ضوء ما سبق وعنته الإمبريالية منذ القرن الـ19 تباعًا، وطول ارتباطها بإرث الإمبراطورية البريطانية.

لماذا تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية المشهد الإمبريالي؟ ليس من المستعجل القول أن بنى مؤسسية بعينها، إلى جانب وزن عسكري ودبلوماسي رديف للرأسمالية الأمريكية منحها موقعًا متصدرًا في قيادة رأسماليات راسخة أعرق وأكثر اختبارًا للسوق الدولي مما لدى الولايات المتحدة.

دون عملية ديناميكية ضد استعمارية وضد إمبريالية فاهمة للعولمة القائمة والعولمة التي يحتاجها العالم، سيبقى الرفض إما ترفًا أكاديميًا أو تعبيرًا عن يأس ممارساتي

إلا أن اللافت في التجربة الإمبريالية الأمريكية اليوم، أنها تحتل الموقع المتصدر للاقتصاديات الرأسمالية الراكنة إلى معطيات ومزايا طابعها الإمبريالي، لكن بفارق أساسي عما ميز الحالة البريطانية منذ 1815 حتى ما بعد الحرب العالمية الأولى. إذ أن لواشنطن كل هذا الموقع المتصدر، دون أن يكون لها امتداد جغرافي بالمعنى الإمبراطوري الكلاسيكي. أي وفق نمط الإمبريالية اللاجغرافية المتمركزة على طبيعة إمبريالية الأبواب المفتوحة بدل الأرض/الجغرافيا المفتوحة/المستعمرة.

اقرأ/ي أيضًا: الإمبريالية.. تاريخ مظلم ومتجدد

في جزء من فهم غزو العراق يتضح الكثير عن طبيعة الاستراتيجية الأمريكية التي صيغت بعد دزينة من الحروب والتدخلات العسكرية في دول آسيوية ولاتينية. إذ رأى العقل الاقتصادي المحرك للحرب أن ما يمكن تحقيقه بتكريس الهيمنة العسكرية المباشرة واستدامة الاحتلال، يمكن له أن يتحقق أيضًا عبر الزج بفواعل رأسماليين آخرين، يمشون وراء العلم الأمريكي في هذه الغزوة النفطية "الآمنة"، رحلة صيف إلى الصحراء مدفوعة التكاليف.  

بادعاء إمبريالية لا تقوم على الجغرافية، لكنها تربح السوق، تكمن ثلاث مفارقات أساسية وغير خفية. أولها يتشكل في القناعة الأمريكية أن نمط هيمنتها على السوق العالمي لا جغرافيًا يحقق عبر نظام السوق الليبرالي المفتوح ما يمكن للرساميل المتمركزة في الولايات المتحدة، أو تلك الضرورية لها، من ربحية بتكلفة أقل من لعب الدور الكلاسيكي. ثانيها، أن واشنطن مجبرة على تأمين مصالح أسواق أخرى، كالاتحاد الأوروبي واليابان، للحفاظ على سير مصالحها. بينما ثالثها، أن المؤسسات "الدولية" العاملة من خلال نافذة المصالح الأمريكية، بريتون وود مثالًا، غير محايدة ما بين مصالح السوق الأمريكي وغيره من الأسواق "الشريكة". خاصة لدى وضع قواعد اللعب المؤسسية طويلة الأمد، في أكثر لحظات تاريخ الهيمنة الأمريكية "زهوًا"، بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب الباردة.

تحديثات إمبريالية.. ليست كل الرأسمالية سواء

لا يمكن القفز عن طبيعة المعمار المالي المتضارب للسوق العالمي، أو إغفال التوقف عند القول بأن السياسات المالية الأمريكية تفرض قواعدها على السوق العالمي بما فيها من مال وقوة عمل ومنتجات وموارد، وانعكاسات اجتماعية لكل هذه مجتمعة مستفيدة من حالات عدم الاستقرار، وعدم اليقين الاقتصادي، أكثر من استفادتها من معدلات الثبات والنمو. يمكن سوق ما يفسر طابع الهيمنة المالية هذه عبر استحضار تجربتين أمريكيتين وقعتا خلال النصف الثاني من القرن العشرين:

عرفت أسواق المال عام 1979 ما اصطلح عليه "صدمة فولكر"، إذ قام رئيس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، باول فولكر في تشرين الأول/ أكتوبر 1979، برفع معدلات الفائدة على تداول الدولار الأمريكي وفق مشروعه المسمى نظام دولار ووال ستريت، الذي أخضع بموجبه تعاملات السوق الأمريكي والأسواق العالمية لمصفوفة الدولار يحمي الدولار، محررًا الدولار من تأمينه بالذهب. ما استتبع موجة عارمة من التضخم عرفتها الأسواق الأوروبية والآسيوية.  

تحت إدارة كلينتون في 1994-95 شهدت المكسيك أزمة مالية استدعت دفع بيل كلينتون بمجموعة الـ7 الصناعية بالتدخل في السوق المكسيكي. لكن هذا التدخل الذي جرته واشنطن نحو المكسيك لم يسفر عن شيء بقدر تكريس حقوق استثمار وتدخل لرساميل أمريكية أو مقرها في الولايات المتحدة في السوق المكسيكي، ما استدعى توترات ألمانية - بريطانية من جهة مع إدارة كلينتون من جهة مقابلة.

في حقبة كلينتون أيضًا، جاء الرد الأمريكي على الأزمة المالية في أسواق شرق آسيا 1997-98 بأن منعت اليابان من التدخل وعطلت مشروعها لتشكيل صندوق نقد وإقراض آسيوي للتدخل في مثل هذه الأزمات. ودفعت إدارة كلينتون باتجاه احتكار صندوق النقد الدولي للتعاطي مع مثل هذه الأزمات. إضافة لتحقيقها ضربة مربكة لقواعد الرأسمالية الحميمة/Crony Capitalism. محولة نموذج شرق آسيا الاقتصادي من خصوصية مالية طموحة إلى تبعية نسبية وقسرية لقواعد الخزينة الأمريكية وصندوق النقد الدولي.

يمكن القول، خاصة باستطلاع دور كلينتون في نسف قاعدة جايمس بايكر فيما يتعلق بالحد من توسع حلف شمال الأطلسي أوروبيًا، أن إدارة كلينتون أسست أكثر من أي إدارة أمريكية أخرى لإمبريالية "ناجعة" لا يكون قوامها الجغرافيا بالضرورة. وهو ما قدمت إدارة جورج دبليو بوش إسهامات عملية بشأنه، في كل من أفغانستان والعراق، وحتى إدارة كلينتون نفسها بشأن تلاعبها بملف الصراع العربي الإسرائيلي في المنطقة الأغنى نفطيًا في العالم بتكلفة لا تذكر، تسدد نفطيًا أو عبر صفقات التسليح، لتبقى ورقة رابحة في يد واشنطن منذ الخمسينات حتى اليوم، ابتزاز العرب بأسطورة الضغط على إسرائيل، والتي تحولت أخيرًا إلى ابتزاز بعض العرب، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، بمن يمكنه شراء تذكرة مباراة التطبيع النهائي مع إسرائيل.

 وداعًا للمؤسسين.. أهلًا بالـ"Cowboys"

تشترك كل من إمبريالية لندن وتلك التي لواشنطن في اعتمادهما على وإيمانها باستراتيجية التجارة الحرة والأسواق المفتوحة. كما تعتمدان بذات المقدار على الهيمنة على الأسواق المالية العالمية وآليات التدخل واللعب في الفوائد، هذا كان مذبح التقاء رونالد ريغان ومارغريت تاتشر ونسختهما من الثورة النيوليبرالية المضادة. كما تعتمد كل من بريطانيا والولايات المتحدة على القدرات البحرية والجوية عابرة المحيطات لدى كليهما. ولهذا فإن الموانئ والقواعد الجوية تهم في هذا المضمار، والتي لطالما اقتنعت بريطانيا بتأمينهما وتغطية تكاليفها باستعمار الجغرافية المحيطة، في حين أن الولايات المتحدة ركزت على القواعد بعينها دون الالتفات إلى الجغرافية بما يتعدى شكل الاستعمار الاستشاري، نسخة فرانكلين روزفلت وجورج سي مارشال، في حالات توفر الجغرافية الأوسع من قواعدها وموانئها على موارد أحفورية أو مزايا جيواستراتيجية، كتلك التي كانت لعدة أقاليم آسيوية، كمبوديا لاوس وفيتنام، أثناء الحرب الباردة، أو الحرب الكورية، أو عاصفة الصحراء مثلًا.

أسست إدارة كلينتون أكثر من أي إدارة أمريكية أخرى لإمبريالية "ناجعة" لا يكون قوامها الجغرافيا بالضرورة. وهو ما قدمت إدارة جورج دبليو بوش إسهامات عملية بشأنه

لكن الولايات المتحدة غيرت بدورها كثير من قواعد لعبة الهيمنة على الاقتصاديات والأسواق العالمية، بل وأنتجت نسختها الخاصة مراكمة على الإرث البريطاني بتحويرات عدة، هي ابنة الضرورة، ضرورتها الخاصة، والظروف الموضوعية للاقتصاد الأمريكي أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: إرث أمريكا "البيضاء".. ترامب المخلص لرسالة البلطجة الإمبريالية

في الجذر الاقتصادي الأصلي فإن لكل من الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد البريطاني قواعد متباينة، ففي حين ترتكز عملية الإنتاج البريطانية على شبكة لامركزية عابرة للقوميات من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، يرتكز الاقتصاد الأمريكي على شبكات بيروقراطية هائلة من الإنتاج الواسع الذي استقر طويلًا ضمن الحدود الأمريكية. من هنا يمكن تفسير لعب الرئيس الأمريكي، الذي اكتسح شعبويًا بالتفاخر أن لديه من الذكاء ما أنجحه في التهرب الضريبي، على إعادة أمركة الإنتاج، وجلب الشركات وخطوط الإنتاج إلى "البيت".

كذلك الحال في الأسبقية البريطانية والخبرة الطويلة في مسألة الإنتاج عابر القومية قليل التكلفة، الهند والصين منذ مطلع القرن التاسع عشر مثلًا. بينما الجهد الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية يستهدف الموارد خارج حدوده أكثر من أي شيء آخر. أما المثير في شكل التعاطي مع المؤسسات الدولية، فهنا تبرز الأفضلية للهيمنة الأمريكية على تلك التي لدى بريطانيا، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، إذ تحوز الأراضي الأمريكية على المقرات المركزية لمؤسسات بيرتون وود، صندوق النقد والبنك الدولي، الأمم المتحدة، حلف شمال الأطلسي. كما تستحوذ الولايات المتحدة على الحصة الأكبر بين ممولي هذه المؤسسات، ما يعطيها موقع صدارة وأفضلية، حتى في عملية صنع القرار "الديمقراطي" في هذه البنى!

 وأخيرًا يمكن التمييز بين التجربتين أيضًا، بأن بريطانيا التي تمتعت بالأفضلية المالية على الأسواق الرأسمالية واقتصادياتها، على الأقل يمكن القول بأفضلية مطلقة بين 1870 حتى 1914، قامت الولايات المتحدة بتجريد بريطانيا هذا الامتياز بعد الحرب العالمية الأولى بتحولها إلى أكبر مقرض دولي، وهو ما تعزز نهاية السبعينات مع "صدمة فولكر" سابقة الذكر وتحرير الدولار.

أخطاء معتادة على مائدة العولمة

كثيرة هي النصوص، أكاديمية وغير أكاديمية، التي تتطرق للعولمة في أكثر من جانب، تنظيري وممارساتي. لكن ما يلفت النظر بين معظم هذه الكتابات، خاصة النقدية منها أو التي تدعي إنجاز نقد أو تفكيك للعولمة بنسختها المعاصرة تقع في مغالطتين:

1- غالبًا ما يتم الخلط بين المبيعات/التجارة العالمية والعولمة. بينما في حقيقة الأمر معظم مبيعات كبريات الاقتصاديات تتم في نطاقها الوطني أو ضمنه. إنما يكون جانب المبيعات الأخطر والذي يقفز عنه كثيرًا متعلقًا بالموارد، شفط الموارد وليس ضخ السلع. هنا مقامرة العولمة الكبرى ومخاطرها. إذ يبقى ارتكاز الإنتاج وتوزيعه ضمن الأسواق المحلية والإقليمية في معظمه، بالتالي تكون العودة لضرورة التفريق في تعاطي الأسواق المعولمة مع السلع في مقابل الموارد.
2- يخلط كثيرًا بين تصدر الولايات المتحدة للإمبريالية العالمية خلال العقود الأخيرة، والادعاء بقيادتها مسألة العولمة برمتها. هنا وجب التفريق، إذ بشأن العولمة يشهد العالم حالة عدم استقرار وتحكم بالعملية الإنتاجية والتوليد المالي لدى قطب واحد، فالاقتصاديات الأكثر إسهامًا في السوق العالمي وعمليات التمويل تتوزع بين شرق آسيا وغرب أوروبا وشمال أمريكا ضمن مستويات تنافسية لا تطالها المغالبة لصالح الولايات المتحدة.         

وهذا بدوره ما يقود إلى التطرق لإشكالية توزيع الطاقة الاقتصادية العالمية، وضرورة إعادة النظر بشكل توزيعها وآلياته. فالعالم ليس مسطحًا اقتصاديًا كما أحب هنري كيسنجر وتوماس فريدمان رؤيته. إذَا مسألة عدالة التوزيع ليست شأنًا يختص بالاقتصاديات المحلية، فغياب "العدالة الاقتصادية"، وهي الحق الذي تغفله أغلب الديمقراطيات المعاصرة، سمة دولية أكثر منها محلية، تتوزع عدم العدالة هذه على مستوى السوق المحلي بذات قدر رسوخها في معطيات السوق الدولي المعولم، وتمس أكثر ما تمس مسألة الوصول إلى الموارد، من يصل إليها، وكيف يوظفها، ومقابل ماذا؟.

المقاومة الممكنة.. الجبهات الضرورية

لم يهدف أي مما قدم أعلاه إلى رسم صورة كثيرة التعقيد أو التشاؤم لحالة الأسواق العالمية المهيمن عليها إمبرياليًا، بدواع تنوعت طوال القرن الـ20 وصولُا لنسخ البروباغندا "الوادعة" للعالم المعولم الحر والمفتوح. كما لم يهدف أيضًا لنفي ممكنات مقاومة كل هذا العته، وهندسة بدائل معقولة وفاعلة لما هو عليه عالم الإمبريالية والسوق العالمي اليوم.

بالعودة لنضالات تفكيك الاستعمار الكثيرة والمتراكمة في آسيا وأفريقيا، يمكن القول بضرورة تداخل الجبهات أمام الإمبريالية التي تهيمن داخل حدودها وخارجها بتكتيكات متنوعة واستراتيجية واحدة

لكن الحل لن يكون سحريًا ولا استشفائيًا بأي حالة من الأحوال. وبالعودة لنضالات تفكيك الاستعمار الكثيرة والمتراكمة في آسيا وأفريقيا، يمكن القول بضرورة تداخل الجبهات أمام الإمبريالية التي تهيمن داخل حدودها وخارجها بتكتيكات متنوعة واستراتيجية واحدة. فكما لا يمكن للفيت كونغ إنكار حركة مناهضة الحرب ورفض التجنيد في الضغط للانسحاب من فيتنام، لا تتمكن جبهة التحرير الجزائرية من التنكر لمن تظاهروا في باريس على مدار آخر عقد من استعمار الجزائر. كذلك الحال مع غزو العراق وحركة الرفض الشعبية الواسعة للحرب، التي انطلقت في عواصم قرار الحرب، كما يمكن سحب القول عينه على تجربة التضامن مع المسألة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، التي يقع تحريرها من قبضة الـNGO's ضمن أولويات أي استفادة ممكنة من حالة التضامن.  

يقف العالم أمام إمبريالية حديثة ومتنوعة بإرث غني من التجارب والدروس، لذلك فإن آخر ما عليه التمسك به صنمية الحلول والتفسير. ودون عملية ديناميكية ضد استعمارية وضد إمبريالية فاهمة للعولمة القائمة والعولمة التي يحتاجها العالم، مع ربط أي نقاش بالمستويات المحلية والضرورات والظروف والأنماط الاقتصادية الإقليمية والحديث عن تكتلات بديلة سيبقى الرفض إما ترفًا أكاديميًا أو تعبيرًا عن يأس ممارساتي.

   

اقرأ/ي أيضًا:

مستقبل الديمقراطية والرأسمالية.. بربرية التضليل

هل هذا عصر انتفاض الغرب ضد العولمة؟