عهد

عهد "أملو" في رئاسة المكسيك.. اليسار إذ يصالح الواقع

نجح أميلو في الانتخابات بوعود كبيرة للفقراء والمهمشين (Getty)

فاز أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، المعروف بـ"أملو"، في الانتخابات الرئاسية المكسيكية، التي أعلنت نتائجها مطلع شهر تموز/يوليو الجاري. وقد دخل المرشح اليساري، المتمرس سياسيًا وصاحب الرؤى التجديدية العملية، الانتخابات بوعود كبيرة للفقراء والمهمشين في البلاد، لكنه في نفس الوقت غير لهجته في الدعاية الانتخابية عما هو معهود، خاصة تجاه رجال الأعمال والقائمين على القطاعات الاقتصادية الكبرى في البلاد، ما يجعل المرحلة القادمة أكثر غموضًا في المكسيك، التي تمر بأزمات عديدة تحتاج إلى إصلاح سريع. وفي هذا التقرير المترجم عن مجلة "جاكوبين" معلومات مفصلة عن مآلات ما جرى.


لم يكن فوز أندريس مانويل لوبيس أوبرادور الكاسح بالانتخابات العامة المكسيكية التي جرت في الأول من تموز/يوليو بالمفاجأة، لكن فوز حزبه، حزب حركة التجديد الوطني MORENA، وحلفائه في الكونغرس، بالأغلبية الساحقة لم يكن بالأمر المحتوم. ففي انتصار انتخابي ساحق، حصد مانويل أوبرادور، المعروف بـ "أملو"، 53% من الأصوات في الاستفتاء الشعبي. إلا أن الفوز الذي حققه أملو يوم الأحد الأول من تموز/يوليو، يختلف عن النتائج التي حققها عندما ترشح للرئاسة في عامي 2006 و2012، عندما تفوق عليه منافسوه وفازوا بالانتخابات بطريقة مشكوك في أمرها.

لم يكن فوز أندريس مانويل لوبيس أوبرادور الكاسح بالانتخابات العامة المكسيكية التي جرت في الأول من تموز/يوليو بالمفاجأة

تبع أندريس أوبرادور كلٌّ من ريكاردو أنايا بنسبة 23% وخوسيه أنطونيو ميد بنسبة 16%. وخاض أنايا الانتخابات بصفته مُرشَّحًا عن التحالف الذي يقوده حزب الفعل الوطني PAN، أما ميد فهو عضو في الحزب الثوري المؤسساتي PRI، الذي حكم المكسيك لمدة 71 عامًا في ظل نظام شبيه بنظام الحزب الواحد حتى عام 2000، واستمرَّ في الحكم بعد ذلك في فترة رئاسة الرئيس الحالي إنريكه بينيا نييتو (2012 - 2018).

ألقى أندريس أوبرادور بعد منتصف الليل بوقت قصير في الثاني من شهر تموز/يوليو خطاب النصر، الذي أوضح فيه أن الأولوية بالنسبة له هي فقراء البلاد: فقد أعلن أنَّه "من أجل مصلحة الجميع، سنعطي الأولوية لفقراء البلاد". وأشار أندريس أوبرادور في الوقت نفسه إلى أنَّ حكومته سوف تتجنب التصادمات مع النخب الاقتصادية وربما السياسية في البلاد. ومن هذا المنطلق، اشاد أملو بـ "مهنية" الإعلام أثناء الحملة الانتخابية لعام 2018، خلافًا لما قام به الإعلام أثناء الانتخابات الماضية في عامي 2006 و2012 من "تحريض على  شن حرب قذرة". وبالمثل، عبَّر أندريس أوبرادور عن شكره لإنريكه بينيا نييتو من أجل السلوك الديموقراطي الذي أبداه أثناء الدورة الانتخابية، وهو الأمر الذي يغاير ما حدث مع أملو في الحملات الانتخابية التي سبق أن خاضها.

اقرأ/ي أيضًا: رغم تسليم "إل تشابو" والحرب على المخدرات.. المكسيك أرض العصابات الخصبة

يُمكن فهم كلمات أندريس أوبرادور الودية لخصومه في الثاني من شهر تموز/يوليو بطريقتين: فمن جهة، تعكس هذه الكلمات لهجة أكثر لينًا واعتدالًا، لا سيما في الأشهر الأخيرة من الحملة. ومن جهة أخرى، لربما تعكس هذه الكلمات حقيقة أنَّ جماعات النخبة عارضت ترشحه للرئاسة هذه المرة تحديدًا بدرجة أقل، لأنَّهم يعتبرون أنَّه بات يمثِّل تهديدًا أقلَّ من السابق لمصالحهم.

عكست نتائج يوم الأحد كذلك بلوغ الاستياء من حكومة بينيا نييتو أوجه، وكذلك تجاه الوضع السياسي في المكسيك الذي يُمثله الحزب الثوري المؤسساتي وحزب الفعل الوطني. فقد كشفت عدة فضائح عن سلوك بينيا نييتو غير الأخلاقي وقيادته الضعيفة، وشهدت البلاد تصاعدًا في أعمال العنف وعانت من ركود الاقتصاد. إذ وصل الارتفاع في جرائم القتل في الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير وحتى آذار/مارس لعام 2018 إلى الضعف، في حين انخفضت قيمة البيزو المكسيكي بشدة. وفي الوقت نفسه، لا تزال التداعيات الاقتصادية لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) تجتاح المكسيك منذ توقيعها قبل عقدين من الزمن، وهو ما يقلل من فرص العمل المتاحة أمام العمالة المحلية، ويخلق اعتمادًا على استيراد المنتجات عوضًا عن إنتاجها داخل البلاد - وتُعد الذرة إحدى أكثر الأمثلة رمزية عن هذه المنتجات.

تتسم نتائج الانتخابات التشريعية بأهمية خاصة في قدرتها على التنبؤ بالاستراتيجيات التي سيتخذها أملو في إدارة البلاد، ودفعها نحو الأمام. إذ يخشى العديد من النخب من أنَّ وصول أندريس أوبرادور إلى الرئاسة سيفرض تغيرًا ثوريًا في الطبقة الحاكمة. ولذلك حاول أندريس أوبرادور أثناء حملته الانتخابية أن يهدئ هذه المخاوف عن طريق التعهد بالحصول على موافقة الأغلبية في جميع القرارات الكبيرة، كما استبعد أندريس أوبرادور في الوقت نفسه إصدار القوانين بموجب مرسوم رئاسي. وبعد المحاولتين الخاسرتين لترشحه للرئاسة في السابق، وبالنظر إلى أن حزبه حديث التشكيل، لم يبدُ أنه من المرجح أن يسيطر حزب حركة التجديد الوطني على مجلس النواب ومجلس الشيوخ في الكونغرس المكسيكي.

وبحلول الأشهر الأخيرة من الحملة الانتخابية، أشارت موجة الدعم الكبيرة التي حصل عليها ترشح أندريس أوبرادور للرئاسة، إلى أنَّ حزب حركة التجديد الوطني يمتلك فرصة كبيرة في الفوز بأغلبية مقاعد الكونغرس. وكان رد فعل رجال الأعمال هو الذعر، وهو أمر متوقع. ففي شهر أيار/مايو، انخفض مؤشر الأسهم الرئيسي في المكسيك بنسبة 7.6%، وهو ما يمثل أكبر انخفاضٍ شهريٍّ حدث في العشر سنوات الماضية تقريبًا. ومثلما أوضح خورخي ماريسكال، الذي يعمل في قسم إدارة الثروات في بنك UBS السويسري، لهيئة الإذاعة الوطنية NBC، فقد "كان من المتوقع أن يفوز أندريس أوبرادور، لكن كان من المتوقع أيضًا أن تقف في وجهه الأحزاب الأخرى في الكونغرس".

وآخذًا هذه المخاوف بعين الاعتبار، حضر أندريس أوبرادور في 5 حزيران/يونيو اجتماعًا مغلقًا مع كبار رجال الأعمال في محاولة "لتهدئة الأمور". وقد حضر الاجتماع الملياردير جيرمن لاريا، المدير التنفيذي لأكبر شركات التعدين في المكسيك Grupo Mexico، الذي دعا موظفيه للتصويت ضد المرشح "الشعبوي"، زاعمًا أن فوزه يعني أن وظائفهم ستصير في خطر. وانتقد متحدث باسم نقابة تعدين مدينة كانانيا الشهيرة في شمال المكسيك لاريا بسبب "الموقف التهديدي" الذي يتخذه، وطالب اللجنة الوطنية بإجراء تحقيق في دعوى الترهيب والتهديد، وهو ما يعد خرقًا للقانون المكسيكي. أما أندريس أوبرادور فقد وصف الاجتماع بـ"البناء". يُذكر أن القائمة الطويلة للرأسماليين المكسيكيين البارزين المشككين في ديموقراطية أندريس أوبرادور تشمل كارلوس سليم، سابع أغنى رجل في العالم، والذي لم يحضر الاجتماع.

عيَّن أندريس أوبرادور أثناء حملته الانتخابية عددًا من الشخصيات من خارج النظام الرئيسي لحزبه ليعملوا كمستشارين رئيسيين في مجالات محددة لصنع السياسات، ويُعد هذا الفعل جزءًا من الجهود الساعية إلى استرضاء أو تحييد بعض رجال الأعمال، على الأقل في الوقت الحالي. ويبدو أنَّ الأمر قد نجح. فأثناء محاولتهم لتوضيح بعض الجوانب الغامضة في برنامج أندريس أوبرادور، بالأخص في مجال السياسة الاقتصادية، صاغ هؤلاء المتحدثون مواقف أكثر اعتدالًا من المواقف التي اعتنقها أندريس أوبرادور سابقًا.

عكست نتائج يوم الأحد كذلك بلوغ الاستياء من حكومة بينيا نييتو أوجه، وكذلك تجاه الوضع السياسي في المكسيك الذي يُمثله الحزب الثوري المؤسساتي وحزب الفعل الوطني

كان أحد المستشارين الرئيسيين ومنسقي برنامج أندريس أوبرادور الحكومي هو رجل الأعمال الذي يعمل في المجال الصناعي الزراعي ألفونسو رومو، الذي من المقرر أن يشغل منصب رئاسة مجلس الوزراء في حكومة أملو، إلا أنه لم يتسلم السلطة بعد. وجمعت رومو سابقًا علاقات بمؤسسة جماعة أوبوس داي المسيحية الكاثوليكية، بالإضافة إلى أنَّه أيد حكومات الحزب الثوري المؤسساتي وحزب الفعل الوطني. كما أكد مورو على أنَّ أندريس أوبرادور منفتح على الآراء الناقدة لمستشاريه من خارج حزبه، مضيفًا: "جميعنا نتغير، وجميعنا نتعلم". وكان رومو قد أشار بالأخص إلى مسألتين جدليتين: الأولى هي تعهد أملوالسابق بإلغاء خصخصة صناعة النفط، والثانية هي إيقاف بناء مطار ميكسيكو سيتي الذي سيكلف 13 مليار دولار، وهو ما يعتبره أملو إضاعة للموارد.

غير أن المستشارين مثل رومو، تركوا الباب مفتوحًا أمام إمكانية أن يعتمد رئيسهم على الخطوتين اللتين استند عليهما بينيا نييتو في قراراته، بدلًا من إلغائهما. وفي كلتا الحالتين، سوف تدرس الإدارة مليًا العقود القائمة من أجل القضاء على الفساد. ولكن كما قال رومو: "إذا لم يكن هناك دليلٌ على الفساد، فسوف تستمر عملية  تقديم عطاءات تنفيذ المشاريع". وردًا على ذلك، أشار الكاتب اليساري الشهير والمؤيد الشديد لحزب حركة التجديد الوطني، المناضل باكو إغناسيو تايبو الثاني، إلى أنَّ موقف رومو يتعارض مع موقف الحزب من الخصخصة، وتساءل: "باسم من يتحدث رومو"؟

اختار أندريس أوبرادور كذلك ألفونسو دوراسو، الذي عمل سابقًا في حكومتي الحزب الثوري المؤسساتي وحزب الفعل الوطني، ليرأس قطاع أمن المواطنين. وقد اقترح أملو أثناء حملته أن يمنح عفوًا عن أولئك الخارجين عن القانون إذا وعدوا بالابتعاد عن الأعمال الإجرامية في المستقبل. لكن سُرعان ما تراجع دوراسو عن تصريحات أملو، مستبعدًا حدوث عفوٍ عامٍ عن مرتكبي جرائم العنف، وأكَّد للشعب بأنَّ القرارات الكبيرة لن تُتخذ إلا بموافقة الكونغرس وحدوث مناظرة وطنية.

اقرأ/ي أيضًا: ترامب يغير لهجته بخصوص الهجرة إلى أمريكا

وأشار أيضًا إلى أنَّ حكومة أندريس أوبرادور سوف تفي بالتزامات المكسيك الدولية فيما يتعلق بالجرائم، مثل جرائم الخطف. وفي النهاية، وعد دوراسو بأنَّ جميع التدابير التي ستُتخذ في هذا الشأن، سوف تتضمن تشاورًا مع أقارب ضحايا حرب المخدرات. وقد يتعارض ما قدمه دوراسو مع الجهود البديلة الرامية إلى خفض معدلات الجريمة والعنف، فقد أعرب أملو مؤخرًا عن دعمه لمبادرة الأسقف الكاثوليكي للتفاوض مع زعماء عصابات المخدرات في ولاية غيريرو بهدف الحد من العنف.

يُمثل اقتراح العفو الذي قدمه أندريس أوبرادور استجابة منطقية للجهود العسكرية التي فشلت في القضاء على العنف المرتبط بتجارة المخدرات في المكسيك، فقد شنت إدارة الرئيس المكسيكي الأسبق فيليبي كالديرون (2006 – 2012 بحرب المخدرات في البلاد عام 2006، بمساعدة التمويل الأمريكي في البرنامج المعروف باسم "مبادرة ميريدا" التي بدأت في عام 2008. وزادت مبادرة ميريدا التمويل الممنوح إلى القوات المسلحة والشرطة المكسيكية، بالإضافة إلى المعدات العسكرية، وساهمت في انخراط الجيش المكسيكي في العمليات اليومية التي تقوم بها الشرطة عادة.

وقد أدى ذلك إلى زيادة في انتهاكات حقوق الإنسان والعنف الذي تمارسه القوات المسلحة، بالإضافة إلى عصابات المخدرات، الذين تشهد صفوفهم انقسامات، ويتنافسون فيما بينهم على السلطة، والذين نوّعوا من مصادر دخلهم. ودعا أندريس أوبرادور إلى إعادة توجيه جهود الحكومة نحو التركيز بشكل أكبر على الجرائم المحلية، وتقليل الاهتمام بجرائم الاتجار الدولي بالمخدرات. وترتكز حجته الأساسية على أنَّ حالة الحرب الأهلية التي تشهدها مناطق عديدة في البلاد، تستدعي تغيِّرًا جذريًا في الاستراتيجية المتبعة.

يُمكن القول بأن السياسة الخارجية هي المجال الذي يبدو فيه أن القطيعة مع السياسات التي اتخذتها حكومة الرئيس السابق سوف تحدث لا شك. كما أنَّ إكتور فاسكونسيلوس (ابن خوسيه فاسكونسيلوس، أحد الشخصيات البارزة في الثورة المكسيكية) قد أعرب عن تأييده "للتمسك بالمبادئ التاريخية للسياسة الخارجية المكسيكية"، ما يعني أنَّ المكسيك سوف تحافظ على مواصلة علاقاتها بشكل طبيعي مع البلدان التي تحاول واشنطن عزلها. غير أن الحكومة المكسيكية قد تخلَّت خلال العشرين سنة الماضية عن هذه السياسة، وبدأ الأمر في علاقتها مع كوبا، ومؤخرًا فنزويلا. اقترح فاسكونسيلوس أن تعيد المكسيك النظر في مشاركة جنودها في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهو الأمر الذي قام بينيا نييتو بتوسيعه من أجل "تعزيز صورته كمنتصر أمام أبناء وطنه، والرأي العام الدولي"، وفقًا لما ذكره أستاذ العلوم السياسية رافائيل دي لا غارسا تالافيرا.

اقرأ/ي أيضًا: من هتلر إلى داعش.. كيف صنعت المخدرات جنودًا "خارقين"؟

لكن عندما يتعلق الأمر بفنزويلا، وعلى الرغم من تعهد فاسكونسيلوس بعدم انتقاد "الشؤون الداخلية" لتلك الدولة، دعا أندريس أوبرادور إلى الإفراج عن زعيم المعارضة الفنزويلية ليوبولدو لوبيز. ومع ذلك، أثارت السياسة الخارجية التي انتهجها أملو قلق المؤسسة الأمريكية في واشنطن وحلفائها. فقد أعرب الصحفي أندريس أوبنهايمر، كاتب العمود في صحيفة ميامي هيرالد، عن قلقه من أنَّ السياسة الخارجية لأملوسوف تكون بمثابة نكسة على الديموقراطية الفنزويلية، إذ أنًّ مجموعة ليما Lima Group، التي تُعد بمثابة منتدى يدين الحكومة الفنزويلية، سوف تخسر على الأرجح "أحد أكبر أعضائها وأكثرهم نشاطًا".

خفّف أندريس أوبرادور أثناء حملته الرئاسية لعام 2018 من نقده لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا). ففي شهر حزيران/يونيو الماضي، حذا أملو حذو ميد وبينيا نييتو في رفضه لتهديدات ترامب بالتفاوض على عقد معاهدات منفصلة مع كلٍّ من كندا والمكسيك، بالإضافة إلى التعريفات الجمركية التي فرضتها واشنطن على واردات الصلب والألومنيوم. غير أنَّ موقفه من اتفاقية نافتا لا يزال موقفًا حرجًا. فقد صرح أندريس أوبرادور بأنَّه يفضل بقاء نافتا على ما هي عليه، بدلًا من القبول باتفاقية أسوأ. لكن على أية حال، لا يزال أملو مؤيدًا لفكرة أنَّه يتوجب على الحكومة أن تشجع على الإنتاج الوطني للحد من اعتمادها على منتجات الولايات المتحدة. وسوف تشمل القضايا التي ستكون محلَّ تفاوضٍ في مفاوضات اتفاقية نافتا، قضية الهجرة، وبناء الجدار على الحدود المكسيكية-الأمريكية.

يُمكن القول بأن السياسة الخارجية هي المجال الذي يبدو فيه أن القطيعة مع السياسات التي اتخذتها حكومة الرئيس السابق سوف تحدث لا شك في المكسيك

انتقد بعض اليساريين المكسيكيين أندريس أوبرادور وحزبه؛ حزب حركة التجديد الوطني، إضافةً إلى الحزب الحاكم السابق، بسبب التمييع -أو التخلي- عن مواقفهم اليسارية السابقة. فقد وجه الحزب التروتسكي، حزب اليسار الثوري، انتقاداتٍ لحزب حركة التجديد الوطني بسبب تحالفاته مع منظمات وأفراد أقلَّ اعتناقًا للأفكار اليسارية، "ما أدى إلى إخضاع جميع أعمال الحزب لصالح الحملات الانتخابية". وبالرغم من ذلك، يدعو حزب اليسار الثوري أعضاءه للعمل من خلال حزب أملو، وتقديم الدعم الضروري له.

كما أنَّ معظم متشددي حزب حركة التجديد الوطني الذين يعتبرون أنفسهم يساريين، يؤيدون أندريس أوبرادور على الرغم من التحفظات التي لديهم، مثلما كتب في عدد الصيف من مجلة منظمة North American Congress on Latin America لهذه السنة. وكما أخبرني خورخي فيرزا، وهو باحث بارز في الماركسية، "يشعر أعضاء الحزب من اليساريين في الوقت الحالي عمومًا بأنَّ الوقت قد حان ليحكم لوبيس أوبرادور، فهم يشيدون بشجاعته لأنه رفض جهود الحزب الثوري المؤسساتي وحزب الفعل الوطني الساعية إلى تشكيل "إجماع وطني" باعتباره غطاءً لطرح أجندة نيوليبرالية".

أثرت الهيمنة المحافظة في جميع أنحاء العالم، والنكسات التي عانت منها حكومات "المد الوردي" في المنطقة، بلا شك على أملو وأدت إلى التخفيف من لهجته المليئة بالشعارات، وتلطيف مواقفه من أجل أن يصبح مرشحًا صالحًا للاستمرار في المكسيك. لهذا السبب بالتحديد لا يمكن التقليل من انتصار أملو، لأنه يتناقض بشكل ملحوظ مع الاتجاهات التي تأخذها الانتخابات في أماكن أخرى. وعلى الرغم من أنَّ أندريس أوبرادور لن يقوم على الأرجح بإبطال الإصلاحات الاقتصادية التي ظهرت لأقصى حد في ظل إدارة بينيا نييتو، فإن اقتراحاته تشير إلى حدوث تغيرات محتملة بعيدة المدى.

على سبيل المثال، إلغاء العقود المُبرمة مع شركات النفط متعددة الجنسيات (أو شركات البناء التي تعمل في مطار مكسيكو سيتي) التي تعتبر انتهاكًا للتشريعات والمصالح الوطنية، أو تحتوي على عمليات احتيالٍ وتزويرٍ تتعارض مع ما يعتبره المدافعون النيوليبراليون حقوقًا مقدسة لرأس المال الخاص. علاوة على ذلك، يُعد رفض أندريس أوبرادور لتأييد الإدانة الدولية لحكومتي فنزويلا وكوبا، رفضًا للتدخل في شؤون الدول ويقطع شوطًا طويلًا نحو التشكيك في النزعة التدخلية التي تروج لها إدارة ترامب. كما يمثل مقترح العفو العام الذي قدمه ودعمه لخفض أو إنهاء مشاركة المكسيك في مبادرة ميريدا، تأكيدًا على السيادة الوطنية، وهو ما ينأى بالمكسيك عن العملاق الشمالي.

انتقد بعض اليساريين المكسيكيين أندريس أوبرادور وحزبه بسبب التمييع -أو التخلي- عن مواقفهم اليسارية السابقة

وفي حين أنَّ بعض اليساريين يصفون -بنبرة ناقدة- أندريس أوبرادور بأنَّه "ديموقراطي اجتماعي" أو "يساري وسطي"، يعتبر أولئك الذين ينتمون إلى الطيف السياسي المقابل أنَّ برنامجه قد عفا عليه الزمن. فقد انتقد اليساري السابق خورخي كاستانيدا، منسق حملة المرشح الرئاسي ريكاردو أنايا، أندريس أوبرادور لأن "لوبيس أوبرادور يؤمن بمبادئ القومية التي عفا عليها الزمن، وبمذهب مركزية الدولة القديم، وسياسة الحماية الاقتصادية البالية، وتقديم الدعم الحكومي في جميع المجالات، الذي يُعد شيئًا قديمًا". لكن السياق هو ما يهم. فمنذ سقوط الدكتاتوريات اليمينية في أمريكا الجنوبية في الثمانينيات، لم يثبت أي نموذج اقتصادي نجاحه في المنطقة. وفي عالمٍ يعج بالنيولويبراليين واليمينيين، يمثل انتخاب أملوأملًا وفرصًا للتقدميين في المكسيك وغيرها من البلدان.

وفي الوقت نفسه، تواجه الجهود التي يبذلها أندريس أوبرادور لإقناع النخب المسيطرة بأنَّه لا يمثل تهديدًا منهجيًا لمصالحها، بعض القيود. ومثلما رأينا في البرازيل وحكومات المد الوردي الأخرى، سوف يشجع كثير ممن يدعمون الوضع القائم على زعزعة الاستقرار وتغيير النظام حالما تواجه الحكومات اليسارية صعوبات اقتصادية حقيقية، وتآكلًا في الدعم السياسي. أما الرد الفعال الوحيد فهو تعبئة القطاعات الشعبية، التي لن يكون بإمكان الحكومة التي أخلفت وعدها بتحقيق الإصلاحات الشعبية والوطنية أن تعول عليها.

ستسهل أغلبية الأصوات التي حصل عليها أندريس أوبرادور، وائتلافه الذي تقوده حركة التجديد الوطنية في الأول من تموز/يوليو، القيام بإجراءات تهدف إلى التغيير الذي تشتد الحاجة إليه في المكسيك. غير أن الخطاب المؤيد لإنشاء المؤسسة في المكسيك الآن يشير إلى أن النظام الفدرالي قد يتطلب الحصول على أغلبية على مستوى الدولة -وهو ما يفتقد إليه تحالف حزب حركة التجديد الوطني- لكي يتمكن من سنِّ قوانين بعيدة المدى. وسوف تساعد السيطرة على الكونغرس بالتأكيد، إلا أن هذه السيطرة لن تضمن أن يفي أندريس أوبرادور بوعوده، ويُحقق التوقعات التي منحها للمكسيكيين الذي وضعوا ثقتهم فيه يوم 1 تموز/يوليو.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

كيف يتحدى الموظفون الفيدراليون إدارة ترامب؟

نواب كاليفورنيا يحذرون الشركات من ورطة جدار ترامب