طابور الثقافة الطويل

طابور الثقافة الطويل

طابور سيارات تريد التزوّد بالوقود من محطة بنزين في بيروت (Getty)

لسنوات خلت بقي أنطونيو غرامشي راهنيًا. وبقيت الجملة الأخيرة بوقعها الأكاديمي الثقيل قابلة للصرف العشوائي في طواحين التفسيرات. فنحن، في العالم العربي، على الأقل، ما زلنا مهتمين بالبحث عن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، أو بين السياسة وبين المجتمع، ولوقت ليس بعيدًا، ربما ما يزال نافذًا، نشعر بأننا ضحية مزج مفاهيمي/ تاريخي، بين الدولة والمجتمع والشعب.

لم نعد "مؤدلجين". لكننا لدينا الصور، ولدينا التمثيلات الجامعة. لدينا الكلام الذي ما زال أسطوريًا

وقد لاحظنًا أخيرًا، منذ فاض ملل بوعزيزي التونسي عن الحد، وأحرق نفسه، وصولًا إلى التظاهرات المتقطعة في بيروت، أن الجماهير لم تعد مؤدلجة، أو على الأقل لم تعد تغويها الأيديولوجيات. وإن كان غرامشي معقدًا، فالأيديولوجيا هي الأخرى كلمة فضفاضة مثل تفسيراتها. لكن إن كان تعريف فرنسوا شاتليه ما زال صالحًا، فإننا نطلق هذا الاسم على كل نظام متماسك إلى هذا الحد أو ذاك من الصور والأفكار والمبادئ الخلقية والتمثيلات الجامعة، وأيضًا من الحركات الجماعية وبنى القرابة وتقنية البقاء أو الانماء ومن التعبيرات التي نصفها اليوم بالفنية ومن الكلام الأسطوري أو الفلسفي ومن تنظيم السُلطات ومن المؤسسات والنصوص والقوى التي تضعها المؤسسات موضع الفعل (الترجمة لأحمد بيضون، في مطالة قديمة أعقبت صدور كتاب شاتليه الشهير عن الأيديولوجيات). وهو نظام في غايته أن يضبط داخل جماعة أو شعب أو أمة أو دولة، علاقات الأفراد بمن ينتمون إليهم وبالغرباء وبالطبيعة وبالخيال وبالرمز وبالآلهة وبالآمال وبالحياة والموت.

اقرأ/ي أيضًا: لعلّ الجواب عند ماسلو

لم نعد "مؤدلجين". لكننا لدينا الصور، ولدينا التمثيلات الجامعة. لدينا الكلام الذي ما زال أسطوريًا، ولدينا الانضباط في جماعة/ جماعات، ولدينا تعريفاتنا للغرباء، وعلاقات انتاج مرنة لفكرة الغريب. هنا، في لبنان مثلًا، صار الفرد يتظاهر لكي يميّز نفسه عن الجماعة، وليس لكي ينتمي إليها، لأن الجماعة لوقت طويل لم تعد حزبًا طليعيًا أو حاكمًا، بل صارت جماعة الساكتين. كل طائفة لكي تكون طائفة يجب أن تكون صامتة. وعندما تتحدث، فإنها لا تفعل ذلك حتى باسم نفسها، بل باسم صورتها عن نفسها. وعندما تسكت فإنها تفعل الشيء نفسه. الطوائف هنا صمت طويل، حتى عندما يصدر صخبًا، وسكوت عن المسببات الأخرى لما يمكننا أن نسميه – على مضض – بدورة الحياة، إذا أردنا أن نكون أنثروبولوجين وأحيانًا تستخدم الإناسة كنعت بغير محله من باب الموضة، على ما هو دارج اليوم، أو عن "علاقات الإنتاج"، إذا أخذنا الحنين لماركسية كلاسيكية، لسيرة الأيديولوجيات، ولسيرة ما كان دارجًا في منتصف القرن الفائت. في قلب هذا المزج، بين المجتمع المدني والدولة والصوت وطابور البنزين والنشيد الوطني اللبناني بصوت راغب علامة، صار الصوت دليلًا خفيًا إلى الخروج من الجماعة. صوت ينكفئ على نفسه، ويبتلع نفسه بنفسه. لكن الأكاديميين لن يحبوا كل هذا. كل هذا يحتاج إلى تدقيق، بما في ذلك تصنيف غرامشي للمجتمع المدني كمجموعة مؤسسات خارج الدولة، يضاف إليها العلاقات الاقتصادية.

لا يمكن قول هذا على نحو أفضل، لكن سائق الأجرة السبعيني، الذي يستوي تحت الشمس في بيروت، في آخر الطابور الذي يتألف من ألفي سيارة ونيف، منذ ساعتين، لكي يملأ سيارته بالوقود، بسعر مضاعف، سيعود ربحه إلى مجموعة محتكرين، معروفين بالأسماء، لا يهتم كثيرًا بكل هذه التعريفات. ولم يعد مهتمًا بالاحتكار، وبالتظاهر، وبالمجتمع المدني، وبطائفته، بل كل ما يفكّر به هو كيف سيملأ سيارته بالوقود، لكي يعود إلى منزله، لأنه ببساطة غير القادر على العودة بالزمن، إلى وقت كانت الحياة ممكنة فيه بلا سيارات. ورغم أنه يقف في طابور البنزين، إلا أنه يقف فعلًا مثل الجميع، في طابور الثقافة. قد تكون إحدى المفارقات، أن هذا هو عنف الدولة الذي يتحدث عنه غرامشي، والذي يتمثل في إحدى درجاته القصوى بالهيمنة على الثقافة. الثقافة بمعناها الأنتروبولوجي الواسع طبعًا، وليس المعنى الدارج. ليس هناك ما هو أعنف من تحويل الثقافة إلى مسخ، أو منتج محصور بشكله الطائفي. ليس عيبًا أن نتحدث قليلًا عن الثقافة في طابور البنزين، فالجميع مثقفون، والجميع يريدون ملء سياراتهم في الوقود في النهاية.

في هذا الطابور الطويل، خلف البنزين وخلف الثقافة، خضعنا تمامًا للهيمنة التي حدثت بتواتر على البنى الثقافية، فتعطّل كل منبه في جسد مجتمعنا

يأخذ هابرماس على الماركسية البنيوية، التي يتبناها موريس غودلييه وآخرون، أنها تكتفي بالتنظير لكسب الوعي بواسطة نظام اجتماعي، وعبر مسائل تدين وجود الوعي، لكي تعلن تجديدًا. ويحسب وارث مدرسة فرانكفورت الأخير، الذي انشغل سيل من الأكاديميين برفضه استلام جائزة الشيخ زايد، أكثر بكثير من الانشغال بأعماله، يدل هذا إلى أهمية البنى الفوقية الثقافية، التي تكتفي بذاتها لكي تلعب دور الناقل، أو المنبه الاجتماعي في جسد المجتمع، الذي يتبعه أي محاولة إدراك من شأنها المساعدة في حل مشاكل القاعدة الاجتماعية/ الاقتصادية التي يقوم عليها المجتمع. ولا يبدو الأمر معقدًا كثيرًا كما توحي لغة الفيلسوف الألماني، الذي يفترض أن الحيوية ضرورية في هذه البنى، لأن هذه الحيوية تسمح بحدوث تطور تلقائي وملموس لقوى الانتاج، وهذا حسب منظّرين كثيرين، على عكس القاعدة الماركسية الكلاسيكية، التي تقول إن "الانسانية لا تطرح على نفسها إلا المسائل التي تستطيع حلّها".

اقرأ/ي أيضًا: دولة المواطن المتعثرة

هل يمكننا تبسيط المسألة؟ هل نحن فعلًا، في هذا الطابور الطويل، خلف البنزين، وخلف الثقافة، خضعنا تمامًا للهيمنة التي حدثت بتواتر، على البنى الثقافية، فتعطّل كل منبه في جسد مجتمعنا، وتاليًا صدقنا أننا أنفسنا مشكلة لا يمكن حلّها، فابتلعنا أصواتنا؟ المشكلة أن الطابور طويل، لدرجة أنه يبدأ بعد. وقد تضاعف الحقيقة شعورنا بالإحباط، ذلك رغم أننا في النهاية لسنا بلا فائدة. هناك فائدة ما من كل هذا الانتظار، وهي بطبيعة الحال ليست سوى التمرين على السأم، عندما نصير ظلالًا لأنظمة الذكاء الاصطناعي. ما تتعلمه في لبنان، في طابور البنزين، أن الثقافة ليست سوى بنى قابلة للترميم والتكسير، وأن السأم شيء يمكن الاعتياد عليه، مثلما اعتاد الفلاسفة لقرون خلت، على تسويغ العدم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النيوليبرالية الجديدة وعمان القديمة

جرائم لا يحاسب عليها القانون