سفيتلانا أليكسييفيتش التي تكتب لتقول:

سفيتلانا أليكسييفيتش التي تكتب لتقول: "أنتم كاذبون"!

سفيتلانا أليكسييفتش في ملصق بمناسبة فوزها بنوبل 2015

من أجل فهم الحقبة السوفييتية كمرحلة زمنية رسمت تاريخ روسيا ودول الاتحاد السوفييتي بين سنة 1918 وحتّى 1991؛ هناك أعمال الصحافية البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش. الكاتبة المولودة سنة 1948 في أوكرانيا، تشتغل أدبيًا على طرح صورة مغايرة عن محيطها وواقعه المأساوي، وتعمل على ابتكار جنسٍ أدبيٍّ جديد، أساسه أصوات الناس، رجالًا وأطفالًا ونساء كانوا أبطال تلك المرحلة التي تمخّضت عن الثورة البلشفية، وشهودًا عليها.

ولع مؤلّفة "صلاة تشرنوبل" البارز بما تختزنه ذاكرة كلّ فرد، سار بها إلى البحث عن حكايات لم يُكتب لها أن تُروى قبلًا

سفيتلانا أليكسييفيتش تُدرك أنّ الوقت لم يكن مناسبًا للكتابة عن الأبطال، وأنّ المرحلة تتطلّب إعادة سرد حكايات الآخرين/ الضحايا، أولئك الذين لم تلحظهم الحركة المتسارعة للتاريخ. إنّها، بشكلٍ ما، وكما دأبت على القول، تحمل على عاتقها مهمّة سرد ما لا يُحسب له حساب في العادة، أي كل ما هو مهمل ومُغفل من مشاعر إنسانية وهواجس بشرية.

اقرأ/ي أيضًا: سفيتلانا أليكسييفيتش: ليس للحرب وجه أنثوي

ولع مؤلّفة "صلاة تشرنوبل" البارز بما تختزنه ذاكرة كلّ فرد، سار بها إلى البحث عن حكايات لم يُكتب لها أن تُروى قبلًا، ودفعها إلى منح الفئات المهمّشة فرصة لم تكن متاحة سابقًا لسرد ما خبروه من بؤسٍ وتيه وإهمال وسوء الحظ في بلادٍ يحمها حزب واحد. والنتيجة أن أخرجت روايات هؤلاء البشر المنسيين من الظل والهامش إلى المتن، كإجابةٍ على سؤالٍ لم ينفكّ يطاردها؛ " لماذا يجب أن يكون شكل الرواية تقليديًا على غرار "الحرب والسلم" مثلًا؟ لقد تغيّر الزمن كثيرًا عن السابق. إذًا، لماذا لا يتغيّر شكل الرواية أيضًا؟". ناهيك عن سؤالٍ آخر مُتمِّم للسؤال الأول: "لماذا يجب أن أخترع قصة أو أبتكر شخصيات؟ لماذا لا يمكن أن يكون هناك أناس حقيقيون يروون قصصهم؟ لماذا لا أكتب رواية فيها أناس حقيقيون؟".

في أعمالها، لا تكتفي سفيتلانا أليكسييفيتش بسرد الأحداث التي وقعت فقط، وإنّما ذهبت نحو الحفر خلفها بحيث تكشف مصير كلّ شخصية من الشخصيات التي قابلتها واستمعت إلى قصّتها. ولأجل أن تضع أيضًا سياقًا عميقًا لكلّ قصّةٍ منها، انطلاقًا من إيمانها بأنّ الفكرة أو الجهد الحقيقي لأجل إنجاز أعمال كهذه، لا يكمن في جمع القصص فقط، لأنّه هناك الملايين منها؛ الفكرة في البحث عن أسلوب مختلف تُروى من خلاله، وتعطيها حقّها قبل أي شيء آخر.

الشهادات والشكل الذي اختارته مؤلّفة "آخر الشهود" لتشييد عمارتها السردية هذه بناءً عليهما، وضع الروس وشعوب الدول الاشتراكية السابقة وجهًا لوجه أمام رزمٍ من الحقائق التي لم يكونوا مستعدّين لمواجهتها. ما معناه أنّ ما أنجزته كان مواجهة شديدة الحساسية والجرأة للماضي السوفييتي الذي حاول البعض أن يجعل من التعامل معه مقتصرًا على التجاهل وتغييب الحقيقة. إنّها، بما تكتبه، تُحاكم الزمن "الأحمر" بدءًا من الحرب العالمية الثانية وحتّى سنوات أفوله وانهياره. الكاتبة القادمة إلى الأدب من خلفية صحافية استقصائية، تعوّل على شكوك وهواجس وخيبات أمل الشخصيات التي روت لها حكايتها في تحليلها لزمنٍ فُرز لهُ نمط معين من البشر، يعيشون على هوامش الحروب والأحلام والأفكار والهزائم الكبيرة، في ظلّ إمساك البروباغندا والتزييف بجميع مفاصله. هكذا، لا يمكن التعامل مع أعمال أليكسييفيتش إلّا باعتبارها وثائق تُزعج العقلية الروسية/ الشيوعية السائدة بعد زوال الاتحاد السوفييتي، وتُلفت الانتباه إلى الجوانب المتجاهلة والمهملة من تاريخ البلاد الحمراء سابقًا.

تُميّز صاحبة "ليس للحرب وجه أنثوي" بين الفن الواقع، وتعتبر أنّ الوثيقة في مكانٍ ما تتجاوز الفن بأشواطٍ كبيرة، مؤمنةً بأنّها، ودائمًا، أرقى من الفن. ولكنّ ذلك لم يدفعها للتخلّي عن الفن لصالح الوثيقة، وإنّما نحو ابتكار جنس أدبيّ جديد يجمع بين الطرفين معًا، وإن ظلّت الوثيقة أشدّ حضورًا باعتبارها لا تكذب أبدًا، عكس الفن الذي تراه كاذبًا بطبيعته ولا يُعبّر إلّا عن وجهة نظرٍ فردية، بينما تكون الوثيقة أكثر صدقًا في التعبير عن الأصوات البشرية.

سفيتلانا أليكسييفيتش بما تكتبه تُحاكم الزمن "الأحمر" بدءًا من الحرب العالمية الثانية وحتّى سنوات أفوله وانهياره

هكذا، تُختزل أعمالها بمقولة واحدة لا تكفّ عن قذفها في وجه السلطات: "أنتم كاذبون"، دون أن يفوتها تقديم ما يثبت صحّة كلامها، ويقف على النقيض من روايات السلطة. "الكتابة في بلادنا التعيسة مصير أكثر من كونها مهنة". تقول الصحافية التي لا تتوقّف في أعمالها عن الاستهزاء بفكرة الوطن التقليدي الذي يستدعي التضحية فقط، دون أن تكون على درايةٍ بأنّها، عملًا وراء آخر، تُعبِّد طريقها نحو "جائزة نوبل للآداب" التي نالتها سنة 2015، مما ضاعف من حقد السلطات الروسية عليها، باعتبار أنّ فوزها كان فوزًا سياسيًا موجّهًا بشكلٍ غير مباشر ضدّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تعتبره مجرّد ضابط "كي. جي. بي" برتبة رئيس.

اقرأ/ي أيضًا: سفيتلانا أليكسيفيتش.. حارسة الذاكرة

الاشتغال على وضع الروس وشعوب الاتّحاد السوفييتي في مواجهة ماضيهم وحقائقه المخفية بدأ من باكورتها "ليس للحرب وجه أنثوي" الصادرة سنة 1985 (نقلها نزار عيون السود إلى العربية سنة 2016، دار ممدوح عدوان). في هذا الكتاب جمعت أليكسييفيتش شهادات روتها نساء شاركن في الحرب العالمية الثانية في صفوف الجيش السوفييتي، لتزيح اللثام عن تجاربهنّ المريرة وحكاياتهنّ القاسية ومصائرهنّ المؤلمة ما بعد انتهاء الحرب. "أريد العثور على الكلمات... كيف يمكنني التعبير عن كلّ شيء؟". تقول إحدى شخصيات أليكسييفيتش. بينما تقول شخصية أخرى: "أتتصورين أن تذهب معي إلى المقاومة امرأة حامل؟"، أو "كان المطلوب أن أكون جنديًا، ولكن كان بودي أن أكون جميلة أيضًا".

عبارات وردت في أحاديث نساءٍ لذن بالصمت طويلًا، بعد أن أوهمتهنّ مجتمعاتهنّ بأنّه من المشين الإفصاح عن تجارب وحكايات تتعارض مع سرديات البطولة السوفييتية. حيث نقرأ بدلًا منها قصصًا عن مجاعاتٍ فتكت بالجنود على الجبهات المشتعلة، أو عن التعذيب غير الطبيعي لأسرى الطرفين المتحاربين، والفرحة الكبيرة لحظة أسر جندي ألماني، والبدء بحفلة تعذيب ضخمة على شرفه، أو عن تردّد إحدى الفتيات في إطلاق النار على جندي من جنود العدو، وشعورهنّ لحظة سقوط زميل/ زميلة لهنّ قتيلًا بالقرب منهنّ.

سنقرأ على مدار ما يزيد عن 500 صفحة شهادات تجعل من فضاء العمل كابوسيًا؛ نساء باتت أكبر مخاوفهنّ الحياة بعد الحرب. نساء منبوذات من مجتمعاتهنّ بعد عودتهنّ من الجبهات. فتيات اختبرن ما لم يحسبن له يومًا حساب: تغيّرات بيولوجية مفزعة في أجسادهنّ، ندوب نفسية وجسدية، انقطاع دورتهنّ الشهرية، عدم إحساسهنّ بأي رغباتٍ أنثوية وتيبّس أجسادهنّ فجأة في سنوات الشباب، في غمرة انشغالهنّ بالقتال، وبفعل الخوف والشعور المستمرّ بأنّ الموت قريب منهنّ.  

تُغلق سفيتلانا أليكسييفيتش صفحة الحرب العالمية الثانية، وتفتح صفحة جديدة لحرب أشعلها هواة الحروب لتحلّ مكان المنتهية. في كتابها "فتيان الزنك" (ممدوح عدوان، 2016/ ترجمة عبد الله حبة)، تؤرّخ الكاتبة البيلاروسية لحرب أفغانستان من خلال الجنود الذين تحوّلوا إلى شهود، علّهم بذلك يفرّغون ما يعتمل في صدورهم وذاكرتهم من مرارات الحرب، وإذ بها تُضاعف من نقمة الآخرين والسلطة عليها.

الكاتبة التي نالت عضوية "نادي نوبل"، وثّقت حكايات جنودٍ عادوا من الجبهات محمّلين بأمراض مزمنة، وهلوسات لا تزول، واضطرابات نفسية تحول بينهم وبين العيش بالشكل الصحيح، دون أن تبارح ذاكرة كلّ فردٍ منهم مشاهد عودة رفاقهم من الحرب داخل توابيت من الزنك. "أنا اعتدت على موت الآخرين، بينما كنت أخشى أن أموت" يقول أحد الجنود مميطًا اللثام عن واقعهم داخل المعسكرات في أفغانستان، حيث تحوّلوا إلى جيشٍ من المعاقين، وتحوّلت المعسكرات نفسها إلى سلسة فضائح دمّرت حياة من عاد سالمًا منها. فها هنا تنتشر الرشاوي الجنسية، وبيع ملابس الجيش مقابل سجائر أمريكية، والمقايضة، والأسواق بين الجنود، والذل، والعنف والقهر والجوع أيضًا.

سفيتلانا أليكسييفيتش: "المصير هو حياة إنسان واحد، أمّا التاريخ، فهو حياتنا جميعًا، وأنا أريد أن أروي التاريخ بشكلٍ لا يضيع فيه عن بصري مصير إنسان واحد"

القسوة إذًا ثمة أساسية في جميع أعمال سفيتلانا أليكسييفيتش، ولكنّ عملها الصادر سنة 1997 بعنوان "صلاة تشرنوبل" (نقله أحمد صلاح الدين إلى العربية، وصدر سنة 2016 عن "مصر العربية/ مكتبة أطياف") هو الأشدّ قسوة بين جميع أعمالها. على مدار أكثر من 400 صفحة، تروي المؤلّفة شهادات لأشخاص كانوا شهودًا على كارثة انفجار مفاعل "تشرنوبل" النووي سنة 1989، والتي كانت سببًا من أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي بعدها بعامين. عدا عن أنّها المسؤولة عن آلاف المصابين بالأمراض السرطانية، والتخلّف العقلي، والاضطرابات النفسية والعصبية والتغيّرات الجينية المفاجئة والمفجعة.

اقرأ/ي أيضًا: "آخر الشهود": لن يكبر أطفال الحرب

"المصير هو حياة إنسان واحد، أمّا التاريخ، فهو حياتنا جميعًا، وأنا أريد أن أروي التاريخ بشكلٍ لا يضيع فيه عن بصري مصير إنسان واحد" تقول الكاتبة التي تحاول أن تضع قارئ أعمالها وجهًا لوجه أمام الشخصية/ الضحية التي تروي قصّتها. بالتالي سنكون على موعدٍ مع بشرٍ أفسدت تشرنوبل حياتهم، وتنكّرت السلطات لمأساتهم هذه، وباتت شهاداتهم هذه نفيًا صريحًا للتاريخ المعلن وكشفٍ عميق لمعاناة بشرٍ وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة ظروفٍ لم يحسبوا لها يومًا حساب؛ نساء فقدن أزواجهنّ، وأخريات فقدن أجنتهنّ بينما ولدت بعضهنّ أطفال مشوّهين، إمّا نفسيًا أو جسديًا. سيدة تلد طفلة دون رحم وفتحة شرج، وبكلية واحدة، ما دفعها إلى مقت الجنس، واعتبار أنّ ممارسة الحب في فضاء ملوّث بالإشعاعات الذرية، لن تكون نتيجته إلّا المزيد من الأجساد المشوّهة، أو أشباه البشر.

يُخبرنا الرواة بأنّ كلّ شخص طالته تلك الإشعاعات قد تحوّل إلى قنبلة بشرية متنقّلة، تنقل العدوى أو وتدمّر الآخرين نفسيًا أو جسديًا. وأنّ الكارثة/الحادثة أفرغت كلّ شيء من معناه، لتصبح المأساة مصيرًا واحدًا لهم جميعًا، دون أن نتجاهل تفاوت درجات الألم بين شخص وآخر: "لم نفهم ما شاهدناه، لكن فلتبقَ شهادتنا تلك. قد يقرؤها أحد ويفهمها في ما بعد، من يأتون بعدنا" يقول أحد الضحايا.

"أول قتيل رأيته هو حصان صريع... وبعده امرأة قتيلة... وقد أثار ذلك دهشتي، فقد كنت أتصور أنّ الرجال فقد يقتلون في الحرب". "التقيت في الشارع مرّة رجلًا شببيهًا بأبي، فتبعته لمسافة طويلة؛ فأنا لم أرَ أبي ميتًا". "حاولت أن أتحدّث عن الموت (...) عن والد صديقتي الذي عاد من الحرب ثمّ مات بعد عدّة أيام. لقد توفي بمرض في القلب، ولم أستطع أن أفهم كيف يمكن أن يموت الإنسان بعد الحرب؟". مقاطع من شهادات يرويها هذه المرّة أشخاص كانوا أطفالًا إبّان الحرب العالمية الثانية، اختارت أليكسييفيتش أن تكون قصصهم موضوع كتابها "آخر الشهود" (ممدوح عدوان، 2016، ترجمة عبد الله حبة)، حيث تروي ما تبقّى من ذاكرتهم من ذاك الزمن، ولا شكّ في أنّ أكثر ما يصمد في ذاكرة الإنسان هو الأحداث الأكثر مأساوية.

أحداث ووقائع تراجيدية اختبروها أطفالًا، دون أن تكون النجاة حينها أمرًا حتميًا، وإنّما مجرّد احتمال فقط. وحين تحوّلت المساحات الواسعة إلى أمتار قليلة وضيّقة تردّ عنهم الوت أو الاعتقال على يد النازيين، دون أن تردّ عنهم الكوارث التي توالت عليهم؛ فقدان أب أو شقيق أو صديق. فقدان المنزل أو النزوح بعيدًا عنه. اختبار الهجرة ومرارتها. الخوف، والجوع، وكذا العنف وحوادث القتل التي لم يكن للألمان علاقة بها. حكايات محرّمة، ابتزاز، سرفة، وكل الأشياء التي تجعل من تلك الفترة فارقة في حياتهم وشكل مسيرها، ونمط عيشها. ما معناه أنّ العمل أقرب إلى صندوق كوارث متتالية.

وثّقت الكاتبة والصحفية البيلاروسية إذًا الأحداث الفارقة في الحقبة السوفييتية. قدّمت كتابًا عن الحرب العالمية الثانية، وأتبعته بكتابٍ آخر عن الموضوع نفسه، ولكن من وجهة نظر مختلفة. وثقّت كارثة انفجار مفاعل تشرنوبل، وأرّخت للغزو السوفييتي على أفغانستان نهاية السبعينيات. في كتابها "زمن مستعمل: نهاية الانسان الأحمر" (ممدوح عدوان، 2018/ ترجمة نزار عيون السود) تذهب أليكسييفيتش باتّجاه السنوات الأخيرة للاتحاد السوفييتي، وتقف في المسافة الفاصلة بين جيلين؛ الأول لا يزال سوفييتيًا يتعامل مع الغرب على أنّه عدو، والثاني تخلّى عن أفكاره الشيوعية وباتت أقصى أحلامه العيش في الغرب.

تجمع المؤلّفة شهادات لفئات مختلفة من الناس، يتشاركون جميعًا مصيرً واحدًا، هو التهميش والانزواء إلى الظل بشكلٍ دفع واحدة من الشهود للاعتراف بأنّها انتظرت طويلًا أحد ما مستعدّ لسماع كلّ ما سترويه له، وقد خذلها التاريخ بحركته المتسارعة. نقرأ شهادات ثانية تحمل الملامح نفسها؛ محاربين قدامى، أمّهات، طلّاب ومسؤولين حزبيين، أشخاص متعصّبين للشيوعية وآخرين ناقمين عليها، اجتمعوا معًا في كتابٍ واحد حينما وحدّت عملية إعادة الهيكلة أو الـ"بيريسترويكا" مصائرهم ليكونوا ضحايا جُدد من ضحايا زمنٍ يقف على حافّة الانهيار، مُثقلًا بتغيّرات دفعت بالمثقّفين إلى بيع مكتباتهم، بعد أن "خيّبت الكتب آمالهم" وبعد أن كان الإنسان السوفييتي "يسافر إلى الأورال، إلى الصحراء، من أجل الأفكار وليس من أجل الدولار" ما يعني نهاية زمنٍ كانت فيه الأفكار رأسمال الإنسان.

تنقل سفيتلانا أليكسييفتش حكايات الفئات المهمّشة إلى المتن، بحيث تشكّل تاريخًا يواجه التاريخ المعلن وينفيه

بعملها هذا تكون الكاتبة البيلاروسية قد أغلقت الحقبة السوفييتية بكلّ مآسيها التي كانت سببًا في انتهائها وآفولها، وبدء حقبة جديدة تحوّل فيها الإنسان السوفييتي فجأة إلى عبدٍ للمال، خارجًا من زمنٍ لم يتوقّف عن هجائه والإساءة إليه أيضًا. "كانت كلمة شيوعي إهانة وشتيمة"، تقول مسؤولة حزبية سابقة، وتضيف: "الآن لا يسمحون لنا بالكلام، يغلقون أفواهنا. لينين قاطع طريق وستالين... نحن جميعًا مجرمون، على الرغم من أن على يديّ لا توجد نقطة واحدة دم، ولكن علينا جميعًا الدمغة، دمغة الشيوعيين". مؤكّدة أنّ الناقمين على الشيوعيين: "لم يتراكضوا من أجل الحرية، بل من أجل الجينز، ومتاجر السوبر ماركت والمولات. باعوا أنفسهم بالعبوات البراقة".

اقرأ/ي أيضًا: سفيتلانا أليكسيفيتش.. الحقيقة بوصفها أمّ الأدب

لا تجب إذًا قراءة أعمال سفيتلانا أليكسييفتش انطلاقًا من حصولها على جائزة نوبل، ودخولها نادي المشاهير، بعد أن كانت شهرتها محلّية. وإنّما انطلاقًا من أصالة أعمالها، والجهد الذي تبذله في نقل حكايات وقصص الفئات المهمّشة إلى المتن، بعيدًا عن الظل بحيث تشكّل تاريخًا يواجه التاريخ المعلن وينفيه، ويتهّم السلطات بالكذب، وتحريف الحقائق، دون أن يتوانى عن تقديم أدلّته وبراهينه. ما يعني أنّ الكاتبة تشتغل على تاريخ مغفل يسعى البعض إلى طمسه، ووجه إنساني للمأساة، أي مأساةٍ كانت.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سفيتلانا أليكسيفيتش.. نوبل للآداب 2015

سرڤانتس.. آلهة الوهم