سرڤانتس.. آلهة الوهم

سرڤانتس.. آلهة الوهم

تمثال لدون كيخوته وسانشو في مدريد (Getty)

يطرح سرڤانتس في روايته فكرة مهمة لا يبدو تجاوزها معقولًا، وأعني فكرة الإيمان والوهم، أو بالأصح فكرة الإيمان بالوهم، وأحد أهم هذه الأوهام التي ساعدت على استمرار الدون في الحياة - المغامرات، هو السيدة التي سيطرت على أفكاره، دلثينا.

يطرح سرفانتس في روايته فكرة مهمة لا يبدو تجاوزها معقولًا، وهي فكرة الإيمان بالوهم

إن تحليل أول نص في الرواية عن دلثينا، سيكشف شيئًا من غرابة هذا الإيمان "إذ يقال إنها كانت فتاة فلاحة مليحة الوجه تسكن في قرية مجاورة لقريته، وكان يتعشّقها حينًا من الزمن، وإن كانت هي لم تعرف عن هذا الأمر شيئًا ولم يكن يعنيها في قليل أو كثير".

اقرأ/ي أيضًا: كان ياما كان.. كان هناك سرڤانتس

المعلومات الموجودة عن دلثينا في النص السابق، تخبر القرّاء أنها شخصية موجودة، يعرفها الدون، ويعشقها. وهي لا تعرفه ولا تهتم لمعرفته أساسًا. لكن سرڤانتس يُضللنا بوضع كلمة "يُقال" التي ستعطي نوعًا من الشك في حقيقة وجودها. حيث يبدو الراوي الذي يُصر على تكرار جملة "ستسمعون تاريخًا حقيقيًا" غير متأكد تمامًا من وجود هذه الشخصية. وفي هذه الحال ستكون المعلومة المهمة التي نحصل عليها هي أن دلثينا "حالة شك" بين الوجود واللاوجود.

لكن سرڤانتس يُدخلنا في متاهته مرّة اخرى، لأنه يورد حديثًا لسنشو بنثا عن دلثينا "إني أعرفها جيدًا، وأستطيع أن أقول أنها تحسن إلقاء العمود كأقوى شباب القرية، أوه إنها بنت صلبة ببنية مستوية، صدرها أشعر، قادرة على أن تنتزع لحية أي فارس جوال يتخذها سيدة له".

هل تتوقف المتاهة هنا؟ بالطبع لا. فالرواية تُخبرنا أن شخصية سنشو تكذب - في مواقف متعددة - لتُجاري دون كيخوته في كثير من الأحيان.

في الحقيقة، أمامنا ثلاث صور لدلثينا، فهي بعين سرڤانتس أو الراوي "يقال انها فتاة فلاحة مليحة" غير مؤكدة الوجود - موقف لا أدري، وبعين دون كيخوته صورة مثاليّة "السيدة العظيمة والأميرة" وأخيرًا بعين سنشو بنثا ستكون صورة واقعية بل وأحيانًا منحطّة "بصدر أشعر وفيها مجون ودلال". وبطبيعة الحال لا يُمكننا أن نكتشف أي دلثينا هي الحقيقية، فكل "عين" تراها بشكل مختلف. لكنها وبرغم ذلك، فإنها تمتلك كل الحضور الطاغي المُتمثّل في غيابها وضبابية صورتها. وهذه المواقف الثلاث السابقة "لا أدرية، إيمان مثالي، واقعية مُجرّدة" هي التي تُمثّل وجهة نظر البشر بشأن الإيمان.

الآن. سأستعرض حوارًا - باختصار - لدون كيخوته مع سنشو بنثا بشأن السيدة دلثينا، وستتوضح تمامًا طريقة تفكير الشخصيتين.

[- كل هذا لا يُضايقني، استمر في حديثك، حين اقتربت منها، ماذا كانت تعمل ملكة الجمال هذه؟ لقد وجدتها من غير شك تُسلك الدرر في عقد، أو تُطرّز بخيط من الذهب كلمات غرامية لأسيرها الفارس.

- أجاب سنشو: لقد وجدتها تغربل قدحين من القمح في الحواش.

- فقال دون كيخوته: إن حبات القمح لما مستها أناملها تحولت إلى حبّات من اللؤلؤ، لكن هل لاحظت إذا كان من القمح الأبيض الخالص، أو من الغليظ الأسمر؟

- فأجاب سنشو: كان من الشعير الأبيض.

- دعنا من هذا، حين سلمتها رسالتي، هل قبّلتها؟ هل وضعَتها على رأسها، هل قامت بمراسم جديرة بمثل هذه الرسالة، بالجملة ماذا فعلت؟

- فأجاب سنشو: في اللحظة التي تهيأتُ فيها لتسليمها الرسالة كانت في حمية العمل، تهزً في الغربال مقدارًا كبيرًا من القمح، وهناك قالت لي: يا ولدي، ضع هذه الرسالة على هذه الأريكة، فلن أقرأها قبل أن أفرغ من غربلة هذا القمح كلّه]

تتكرر في النص السابق، صورتي دلثينا، المثالّية المقدّسة والواقعية المنحطّة، فدون كيخوته وسنشو بنثا - الذي لم يوصل الرسالة أساسًا - يتكلمان عن دلثينا إنطلاقًا من نظرتهما الشخصية، ويتناقشان في شيء نحن القرّاء غير متأكدين من وجوده، لكن كل واحد منهما يعكس نظرته عليه.

إن سرڤانتس بوضعه كلمة "يقال" عن وجود دلثينا، يسخر تمامًا من نظرة الإيمان والخيال المثالية والرومانسية التي يحملها الدون، ويسخر ايضًا من نظرة التفكير المنطقي التي ينطق بها سنشو عديم الخيال. لكنه حتى يجعل هذه الأمر ممكنًا وجب عليه أن يجعل بطلي روايته يعيشان بحكمة خاصة بالفيلسوف سينيكا "في استطاعتك أن تتحمل المحن في نفس مرحة، فكل شيء إلى زوال".

سينيكا: "في استطاعتك أن تتحمل المحن في نفس مرحة، فكل شيء إلى زوال"

إن هذه الروح المرحة، الساخرة، لم تتوقف في سخريتها عند هذا الحد، ففي مقطع آخر من الرواية يكتب سرڤانتس "وكانت صيحات دون كيخوته عالية جدًا بحيث سمعها أصحاب العربة، فحكموا على نيته من قراره، فقرروا قرارهم: نزل الموت أولًا من العربة، تلاه الإمبراطور ثم السائق الشيطان، ثم الملاك والملكة، والإله كوبيدون، وكلهم جمعوا حجارة وعصيًا واصطفوا للمعركة مستعدين لاستقبال دون كيخوته بوابل من الحصى والحجارة".

اقرأ/ي أيضًا: عبد الرحمن بدوي.. سيرة تحتاج إلى عشرة أعمار

في هذا المقطع الجميل، يرسم سرڤانتس بحرفة، المعركة بين السخرية متمثلة بدون كيخوته الذي يقول عن نفسه "منذ نعومة أظفاري كنت أحب المساخر وكانت الملهاة هوايتي المفضلة" وبين الموت، والسلطة "الإمبراطور والملكة" والشيطان "الشر"، والملاك "الخير" وكوبيدون "الحب". فكلهم - كشخصيات مسرحية - ينزلون من العربة لرميه بالحجارة، ولا أحد منهم يرضى بالسخرية التي هي بحسب شيشرون - كما يروي سرڤانتس - "مرآة الحياة الإنسانية" بكل احتمالاتها وحقيقتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجزائر.. قمامة حول مغارة ثيربانتس

هل كان دون كيشوت جزائريًا؟