دمشق القديمة.. من أثر تاريخي إلى مطعم صاخب

دمشق القديمة.. من أثر تاريخي إلى مطعم صاخب

يُخشى على دمشق القديمة من معركة قد تنسف جزءًا من تاريخها (دفيد بويير/National Geographic)

بالضبط كما كل شيء في هذه البلاد، وهي زيادة عن حزنها المشترك على أحياء مجاورة تهدمت أو تغيرت ملامحها تبدو دمشق القديمة مفجوعة بمصيرها، وبيوتها الآيلة للسقوط بفعل الزمن والإهمال، وإرادة غريبة عنها بتحويلها من إرث وطني وتاريخي إلى مطبخ كبير تفوح منه رائحة الطعام نهاراً، وأصوات فناني الدرجة العاشرة وصرخات المحتفلين ليلاً.

تبدو دمشق القديمة مفجوعة بمصيرها وبيوتها الآيلة للسقوط بفعل الزمن والإهمال وإرادة غريبة عنها بتحويلها من إرث وطني إلى وكر للمسلحين والملاهي الرخيصة

ببساطة هذا حال دمشق القديمة اليوم التي اخترقتها الكافتيريات والعسكر، وشذاذ الآفاق الذين يرون فيها مجرد حجارة هشة وبائدة بينما أهلها لا حول لهم ولا قوة في وجه مدٍ مدجج بالسلاح والقوة وسطوة القرار.

اقرأ/ي أيضًا:  عالم سفلي راقص بدمشق القديمة يثير جدلًا على السوشال ميديا

الترميم على حساب المواطن

تعرضت المدينة القديمة لمزيد من التداعي في بنيتها التحتية في سنوات الحرب نتيجة لقرب المعارك حولها، ولتوقف عمليات الترميم البسيطة التي كانت تجريها محافظة دمشق سابقاً بتدعيمها بالأعمدة المعدنية.

أما اليوم فكل من تضرر منزله نتيجة للظروف الطبيعية من أمطار وانهيارات بفعل الزمن فعليه أن يرمم ما وقع من جدران أو أضرار لحقت بالأسقف، على نفقته الخاصة، وأما دور "مكتب عنبر" - بمثابة بلدية دمشق القديمة - فيقتصر على منح الرخص التي تعهد للمواطنين بأن لا تأخذ زمناً طويلاً.

يروي أحد موظفي مالية دمشق أن بيته الذي يملكه في أحد أحياء المدينة القديمة تعرض للأضرار نتيجة انهيار منزل مجاور بفعل الأحوال الجوية، واستغاث المذكور بالجهات المعنية لكن لم ينجده أحد.

اقرأ/ي أيضًا: عقارات دمشق.. الشقة بمليار ليرة والغلاء وصل العشوائيات

هناك من يشتري دائماً

هذه الأسباب التي أردناها وظروف الحرب التي جعلت خيار الهجرة أحد أهم الحلول أما ساكني دمشق القديمة دفعتهم للقبول بما رفضوه بالأمس، وكان يعتبر بالنسبة لهم خيانة دينية وتاريخية، فالصراع مع التجار الذين يشترون لصالح الإيرانيين وغيرهم من أصحاب رؤوس الأموال صب قبل اندلاع الحرب في صالح الأهالي إلا من رضي بالمال، وخصوصاً في الأماكن المحيطة ببعض الأماكن المقدسة لدى الشيعة (مقام السيدة رقية) على سبيل المثال.

أما في باب توما وباب شرقي وحي الحمراوي، فقد استمات أصحاب رؤوس الأموال من حديثي النعمة وتجار العقارات والأزمات على شراء عقارات دمشق القديمة وتحويلها إلى مطاعم فخمة أو كافتيريات، وهي الظاهرة التي انتشرت حتى قبل سنوات الحرب.

استمات أصحاب رؤوس الأموال من حديثي النعمة وتجار العقارات والأزمات في شراء عقارات دمشق القديمة وتحويلها إلى مطاعم فخمة أو كافتيريات

مواصفات ما قبل 1948

هو أحد الشروط التي تفرضها المحافظة من أجل ترميم العقارات المنهارة أو المتداعية إذ يجب على صاحب المنزل أن يرمم وفق مواصفات المعمار قبل عام 1948 للحفاظ على وحدة مظهر المدينة القديمة، وهذا ما يتطلب مالاً كثيراً، وبالتالي لا مجال أحيانًا سوى البيع أو البقاء على استعداد لسقوط المنزل على رؤوس أصحابه، وهنا تتدخل المحافظة بتقديم العزاء.

وبالفعل انتشرت عشرات المطاعم والكافيهات في قلب المدينة القديمة، وبات على بقية الجوار المتبقين من سكان المدينة تحمل الضجيج والصخب الذي ينتج عن حفلات المجون، وكذلك تحمل أصوات السيارات التي لم يكن يسمح لها بالدخول.

بعض الأهالي ممن قبلوا ببيع بيوتهم من أجل تأمين سكن لأبنائهم اشتروا منازل في مشاريع الضواحي المحيطة بالعاصمة، ولكن أغلبهم خسرها إما لكونها تدمرت بالمعارك المستعرة أو تعرضوا للنصب والاحتيال كما حصل مع المشتركين في مساكن ما يسمى بضاحية الأسد.

مستقبل مظلم

قلة هم المتفائلون بمستقبل دمشق القديمة خصوصاً بعد أن خضعت لإجراءات أمنية مشددة ويُخشى عليها من معركة قد تجعل مستقبلها مظلمًا

قلة هم المتفائلون بمستقبل المدينة القديمة خصوصاً بعد أن خضعت لإجراءات أمنية مشددة، وسيطرت عليها حواجز إيرانية أو تابعة لحزب الله ما شكل ضغطاً على سكانها، وسوء معاملة من عناصر الحواجز.

الأحياء المسيحية في أطراف المدينة القديمة تقع على تماسٍ مباشر مع المناطق التي تشهد معارك ضارية وتصلها قذائف الهاون من طرف المعارضة فتزيد مخاطر تهدمها، والنظام والميليشيات المتواجدة فيها تعتبرها معقلاً لها وخطاً أحمراً لذلك يخشى عليها من أي معركة قادمة بين الطرفين، وهذا ما يجعل من مستقبلها ضبابياً وربما مظلماً.

تضم المدينة القديمة أسواقاً ومحالًا تجارية تعود لحقب تاريخية مختلفة، وعددًا كبيرًا من المساجد الأثرية والمدارس الدينية المتنوعة بالإضافة إلى الكنائس التي كان يؤمها فيما مضى المسلمون والمسيحيون على حد سواء.

 

اقرأ/ي أيضًا:   

الحنين إلى سينما القاع في دمشق

تلك "الأقلية" اللامرئية في دمشق