تلك

تلك "الأقلية" اللامرئية في دمشق

قيس سلمان/ سوريا

"ما أكثرنا"! كنا معًا نشم روائحَ بعضِنا ونجدُنا. صدفُ القدرِ جعلت لقاءاتنا محتّمةً واستمرارها مفروغاً منه، بلا مواعدة ولا أرقام هواتف، فلنا بطبيعة الحال أماكنُ اللقاء ذاتها، حيث نشرب أو نمشي، أو نتغنى بشوارع حجريةٍ توحي بأزلية الرقص وقدرتنا عليه في شوارع "الشام القديمة". هربنا من كل المدن إلى دمشق لا لأنها تشبهنا، ولكن لأن ما حولنا خارجَها شديدُ الاختلاف.

معظم المدن موسومةٌ بطابعها، أما دمشق فلها طابعنا نحن

معظم المدن موسومةٌ بطابعها أما دمشق فلها طابعنا نحن، أو هكذا ظننا. دمشقنا باب توما، ساروجة، جرمانا، وما يشبهها، هناك حيث يأتي الغرباء أمثالنا. ولأن من طبيعة الوهم أن يكبر، صار لنا لاحقًا يقين ترافقه ابتسامة الواثق المفتخر: "الشعب السوري غير"، ونسينا أننا مجردَ أنفسنا.

ها نحن في عمق الصورةِ المتخيلة عن هناك، المرمية الآنَ في ركنِ الذاكرة المُتجاهَلِ، نرانا لشدة امتلائنا بذواتنا وقد قصرت أنظارُنا عن رؤية الآخرين. لقد كنا انتقائيين في توصيفِ "الجموع"، ساذجين في ذرّ أحاسيسنا حولهم ليتمثلوها، ويبتسموا بخجل العارف لقدر نفسه أمام هالاتنا، نحن الجميلين بشفافيتنا ودماثة مفرداتنا مع أولئك الأقل حظًا. كنّا شرهين في ابتلاعهم، حتى صار وجودُهم يقوم على آلية هضمنا لهم. كنا مغرورين حد الاعتقاد أننا أكثر منّا، وأن القلة هناك في الأحياء الأخرى، يحسدوننا لأننا هنا وهم يريدون هذا الهنا، وما انتبهنا إلى لامرئيتنا.

نحنُ المحظوظون المختارون، فرصتنا تتمثل فقط في مصادفاتِ وجودِنا، شلتنا، بيئتنا وحظوظِ آبائنا، انتماءاتِ مدرّسينا الحزبيّة واللاحزبية، محطات الراديو في بيوتنا، قراءاتنا وموسيقانا، ومن ثمّ امتياز إحساسنا المختلف بالأشياء. مكتسبٌ هو أم فطريّ؟ لا أعلم. هو في الحاليتن يشوّه إدراك العدالة الإنسانية، فما العدالة في أن تنجو أنت أو أنا لأنّ صوت الجاز،مثلًا، أحبُّ إليكَ من الدّلعونا؟

كأيّ أقلية لدينا سمات نعليها ونهتمُّ بتصعيدها في مواجهةِ الآخر لنعلن تميّزنا. التقديرُ العالي للذات، سعة المعرفةِ أو البلاغةُ في ادّعاءِ ذلك، التواطؤُ مع جماليّاتِ التراثِ البسيط، فلا بأس بالدبكة لنتماهى مع الجذور، ونقبل بالطبع التنوعَ والخروج عن المألوف طالما هو في مألوفنا الواسع، وفي قاموسِ تصنيفاتنا؛ مثقف غير مدّعٍ/ مدعٍ، فنان فطري/ أكاديمي، متطاير مشعث، ساخر بلكنة "زيادية"، صامت بعمق، ساخر بسلاطة، وقح بثقة، مثيرة حتمًا، جميلة جريئة، لا تقليدية، مع رشة مما سبق.

لدينا دوماً "قبل وبعد"، قبل الحداثة وبعد الحداثة، قبل الأسد وبعده، قبل هيفا وبعدها، قبل الإسلام السياسي وبعده... لا نحب الكلمات الرنانة فهي موضة قديمة.

ملولونَ نحنُ، باحثون تواقون عن حبٍ منتعشٍ بالبدايات. علاقاتنا شائكة، قائمة على اكتشافنا الفريد للآخر/ الأُخرى المدهش دومًا. غالبًا ما نبدو كمن لا يبالي بمظهره الخارجي، فالجينز اعتباطي والشعر غير مسرح، والرمادي بدرجاته محبّذٌ جدًا، وصار المكياجُ مرغوبًا في الإطار الثقافي العام بعد أن كان مستهجنًا. لدينا شخصياتُنا المقدسة أدبيًا، من درويش ومظفر النواب، إلى "بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس".

التنويعات الموسيقية أوسع وأقل قداسة لقلة العارفين وصعوبة التفوق في الجدل حولها. لكن، لا بدّ من "الشيخ إمام" دومًا، بغض النظر عن اليسار واليمين، فالعيون تدمع في حضرته، وزياد الرحباني طبعًا، ولكن في مرحلة ما قبل الثورة، أما ما بعدها فمختلفٌ فيه.

الأغلبية الصامدة واللاصامدة هي الباقون هناك، المغلوبون على أمرهم، الذين ستُكتَبُ لهم القصائدُ يومًا، وترفع لهم الرايات

صنفْ نفسَك، هل أنت أقلية؟ مع أو ضد لا يهم، إسماعيلي، علوي، درزي، سني، ملحد، لا يهم. تراقب حركاتك تدرس كلامك وتعتز بموسيقاك وتلبس الرمادي أو تضع الشال. تريد الثورة وترفض الأسلمة والسلاح. تريد السلاح طالما لا تتشبه بعدوك وتعرف عدوك حتمًا. تحب الفلافل وللطعام لديك متعة الجنس. تحب الأفلام الأوروبية وتحتقر هوليود.

ثمَّ ظهرتْ أعراضُ فصامنا فجأةً، بعد أن تورّمتِ الذاتُ العليا مع بدايات الثورة، واشتعلتِ الأفئدة بالحب والوطن والأكاليل. بدأت أرنبة الأنف بالارتفاع شيئًا فشيئًا، وضاقت العيون وازدادت حدة الحدقات ومال الرأس قليلًا بثقل المعرفةِ والاستبصار. تضررت الأسماع بفراغِ صبرٍ، فلا طائل من الإصغاء، هو وقت الكلام والكلام.

في التشخيص الأول، ظهرت حالةٌ معنّدةٌ من عمى الألوان تجعل المصاب يشعر بالغثيان أمام الرمادي بعد أن كان لونًا فخريًا. انتفخت أوداجُ البعض في غمرة التحليل السياسي للأوضاع، واسترخت جفون آخرين ثقةً بنتائج استبصارهم، والتهبت الحلوق لكثرة الهمس أو الزعيق. تشققت الكواحل من التقافز بين المنصات القيادية المحتملة على الأرض وعلى الهواء، ومن أعراض هذا الفصام فينا، ككتلة خلناها متجانسة، أن بدأ الأعضاء بكيل الاتهامات لبعضهم البعض. تداعت الشلة الدمشقية الجميلة، نحن الوادعين الراقين تراشقنا الاتهامات والتخوينات على المنابر الزرقاء، والرمادية المطبوعة، والصفراء الخسيسة، وتم دعس ادعاءات النصر لكل الأطراف.

بعدها جاء انقسامنا النهائي، وطردتنا دمشق التي ادعينا أننا نعرف مصلحتها أكثر منها. تقيّأتنا. أثبت "الآخرون" أنهم لا يطمحون للتشبهه بنا أو لعلهم عاجزون عن ذلك. أثبتوا كم كنا لامرئيين لهم، وخذلونا فيا لخسارتهم، بينما تكاثرت الدعوات لاستقبالنا من الجهات الليبرالية التي تتعشم فينا خيرًا، وأنهكتنا الندوات واللقاءات والتصريحات، وورشات العمل المدني وبناء السلم الأهلي، ومن ثم السفارات والمطارات والقطارات.. وبحسب التطور الطبيعي الحتمي نتيجة "كثرتنا"، تقافز أقلنا حظنا على "البلمات" ومزوري الوثائق.

بقي هناك من بقي، وبات "هناك" المكان الأقدس، حيث غادرنا وتركنا هباءنا وترابًا مشبعًا بالحمرة، وشبابًا لم ينخدع بحكايات اليسار ورومانسيات الثورات وأحلام الزعامات. بعضهم جمهور "باب الحارة"، أو من مريدي "النابلسي"، أو حتى من جيل ما بعد "هيفا". إنهم أتباع غير ما اتبعنا، أولاد صدفة الموت، قد ينجو بعضهم أو يموت على إحدى الضفتين، وقد يبيع آخرون ما تبقى من أجسادهم ليغادروا أو يسبحوا إلى أمان أوروبا.

الأغلبية الصامدة واللاصامدة هي الباقون هناك، المغلوبون على أمرهم، الذين ستُكتَبُ لهم القصائدُ يومًا، وترفع لهم الرايات. هم الأقلُّ حظًا، الأحياءُ/ القتلى الذين لم يتمتعوا لحظةً حتى بادعاء الشجاعة، الأغلبية التي تقول بعد السؤال عن حالها "بحياتي ما شفت يوم حلو". هم المنكوبون في يومياتهم، المسلوبة منهم جناتهم دون حتى قضمة تفاحة، فالشجر كله قُطّع. هم الخاسرون، ورثة الأرض، وهم من سيصالحون بعد حينٍ ولو كرهنا.

أما نحن، من ربحنا اللعنة، أصحاب المواقف الثابتة وحملة القضايا العظيمة من منظورٍ واحد، الضيقون حد اللافعل، من منا واجه بعضه ونقيضه وشبيهه ووهمه واعترف؟ إن لم نفعل، يالحظ الكون، إذ سنغدو قريباً الأقلية الآيلة للانقراض.