خطاب الجبير في الأمم المتحدة.. بجاحة التناقضات وسذاجة الادعاءات

خطاب الجبير في الأمم المتحدة.. بجاحة التناقضات وسذاجة الادعاءات

عادل الجبير أثناء إلقاء كلمته في الأمم المتحدة (بريان سميث/ أ.ف.ب)

"أحمل إليكم رسالة دولة جعلت الإنسان أولًا، واتخذت التنمية أسلوبًا مع أصدقائها حول العالم، لإحلال السلام حول العالم"، افتتاحية لم يكن صاحبها مدير منظمة حقوقية أو مبعوث سلام دوليًا، أو حتى عاملًا في مجال الإغاثة وخدمة المجتمع، وإنما هي كلمات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أول أمس السبت.

يدفع حديث الجبير في الأمم المتحدة، إلى التعجب من حجم التناقض بين مزاعمه القولية وبين ما تشهده أرض الواقع

مجمل الكلمة تدفع للتعجب من حجم التناقض بين القول والفعل، بين التصريحات الكلامية وبين ما تعرفه أرض الواقع، بين ما يزعمه الجبير وبين الحقيقة، إذ أي سلام يزعمه الجبير عن دولة تحارب جارة، وتحاصر أُخرى، وتتلاعب بأموال الشعب وتتآمر لتصعيد نجل الملك؟!

بجاحة التناسي وتكرار نفس الحديث

الكلمة التي ألقاها عادل الجبير انتقلت بين عدد من الملفات، كالحرب في اليمن والوضع السوري و"مواجهة التطرف" وأزمة الروهينغا في ميانمار، وكذلك الأزمة الخليجية التي صنعتها الدول المحاصرة لقطر. وفي هذه الأخيرة تحديدًا، وبدون ملل، أعاد عادل الجبير على أسماع العالم ما سبق وقاله مرارًا حول أزمة قطع العلاقات مع قطر، إذا لا جديد يُقال لدى عادل الجبير كممثل عن دول الحصار.

اقرأ/ي أيضًا: أدلة إضافية ضد مملكة الإرهاب.. تدريبات على "غزوة مانهاتن" بأموال السعودية

ومن طريف ما جاء في كلمة عادل الجبير قوله: "بلادي تقف بكل حزم في مواجهة التطرف والإرهاب بكل أشكاله وصوره، وأيًا كان مصدره، وتحاربه دون تردد من جميع جوانبه المالية والفكرية والأمنية"، إذ يبدو أن الجبير قد نسي، أو تناسى، موجة التقارير التي تعزز من الاتهامات الموجهة للسعودية بدعم وتمويل الإرهاب "من جميع جوانبه، المالية والفكرية والأمنية".

ولم يراع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير خلال كلمته، أن هناك منظمات حقوقية دولية، تحدثت حول أزمة حصار قطر، عن الإنسان الخليجي والعائلات التي تسببت قرارات دول الحصار في الإضرار بها، ومن بين تلك المنظمات منظمة العفو الدولية وكذلك منظمة هيومن رايتس ووتش، التي اعتبرت قرار حصار قطر، قد تسبب في "انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان"، مُؤكدةً أنّه "ينتهك الحق في حرية التعبير، ويؤدي إلى تشتت العائلات وتوقف الرعاية الطبية، كما يؤدي إلى انقطاع التعليم".

اليمن شاهد على كذب الجبير

وخلال كلمته تحدث الجبير عن اليمن، فقال: "بعد انقلاب مليشيا الحوثي و(الرئيس المخلوع) علي عبدالله صالح، على الحكومة الشرعية في اليمن، وبدعم من إيران، قررت دول التحالف لدعم الشرعية في اليمن، الاستجابة لدعوة الحكومة الشرعية لإنقاذ الشعب اليمني واستعادة دولته، وفق ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة".

وصحيح أن لانقلاب الحوثي وصالح أثرًا بالغ السوء على اليمنيين وبلادهم، مع كثير من الانتهاكات التي رصدتها المنظمات الحقوقية. لكن في المقابل، تواجد التحالف السعودي، وخاصة من جهة القصف الجوي، يُعد بمثابة حربٍ مفتوحة على المدنيين في اليمن.

تتجلى بجاحة السعودية في الحديث عن المساعدات المقدمة لليمن، في حين أنها هي سبب الدمار الذي تقدم على أساسه هذه المساعدات المزعومة! 

ويكفي أن حالة الحرب المستمرة التي لم تُفض إلى شيء سوى مزيد من الدمار والقتلى، كانت سببًا في تفشي مرض الكوليرا الذي تقول منظمة الصحة العالمية أن أعداد المصابين به في اليمن، وصل لنصف مليون شخص!

اقرأ/ي أيضًا: مبادرة إماراتية وسعودية في اليمن.. صفقة "كارثية" على درب حرب لا نهاية لها 

بجاحة السلطات السعودية ممثلة فيما جاء على لسان وزير خارجيتها، تتجلى في حديث عادل الجبير عن المساعدات الإنسانية التي تقدمها بلاده لليمن، متناسيًا أن بلاده هي سبب الدمار الذي تُقدم على أساسه المساعدات المزعومة!

وعرفت اليمن مجازر راح ضحيتها مدنيون، كانت السعودية وراءها، من بينها على سبيل المثال مجزرة العزاء أو "قصف الصالة الكبرى"، عندما قصفت جويًا قاعة عزاء في صنعاء، في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2016، مودية بحياة أكثر من 200 شخص، وإصابة 500 آخرين.

وعقب هذه المجزرة، انهمرت بيانات التنديد والاستهجان من الأمم المتحدة والدول الكبرى، حتى أن الولايات المتحدة أصدرت بيانًا على لسان نيد برايس، المتحدث باسم مجلس الأمن الوطني الأمريكي، عقب قصف الصالة الكبرى، تقول فيه: "نراجع دعمنا للسعودية".

الروهينغا والسوريون في السعودية

أشار الجبير أيضًا في كلمته إلى أزمة الروهينغا بميانمار، زاعمًا استضافة بلاده لنصف مليون لاجئ روهينغي، علمًا أنّه لا وجود لأي مصدر دولي حول أرقام اللاجئين الروهينغا الذين تزعم السعودية استضافتهم.

لكن على أية حال، فالرقم الذي أخبر به الجبير لا يُعد منطقيًا، إذ وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية، في أيلول/سبتمبر الجاري، فإن بنغلاديش، وهي أكبر المستقبلين للاجئين من الروهينغا لاشتراكها في الحدود مع ميانمار، لديها نحو 409 ألف لاجئ. أي رغم كونها أكبر المستقبلين للروهينغا، يبقى ما لديها من لاجئين أقل من الرقم المزعوم على لسان عادل الجبير، وهو ما يعزز من الشك في مصداقية حديث الجبير، خاصة وأن نصف مليون إنسان هو رقم كبير، وأي حدث يخص هذا الرقم، يستحيل أن يحدث في الخفاء دون ملاحظة المجتمع الدولي. 

ويشبه حديث عادل الجبير، تصريحات سابقة أطلقها مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السعودية في أيلول/سبتمبر 2015، قائلًا إن بلاده استقبلت ما يقارب 2.5 مليون مواطن سوري منذ اندلاع الأزمة في سوريا! وذلك في سياق حديث المسؤول عن "جهود السعودية" بالحقائق والأرقام، بحسب زعمه. وعلى كل فإن الحديث عن وجود 2.5 مليون لاجئ سوري في السعودية منذ اندلاع الأزمة، هو محض ادعاء لا يمت للحقيقة بأي صلة، وليس ثمة أي مصدر عليه سوى ما ادعاه ذلك المسؤول السعودي، تمامًا كالنصف مليون روهينغي الذين زعم عادل الجبير وجودهم في السعودية.

تراوح مجمل خطاب الجبير ما بين التناقض والكذب والسذاجة، كأن يزعم بأن بلاده اسقبلت نصف مليون لاجئ من الروهينغا!

بل إن السعودية في واقع الأمر تعدّ إحدى الدول الرافضة لاستقبال لاجئين سوريين، وإن كانت حتى 2015، تستقبلهم كمقيمين، وقد بدأت استقبالهم بتسهيل بعض إجراءات العمل، قبل أن تُضيقها عليهم، ما اضطر الكثير منهم للرحيل إلى السودان. وهكذا وعلى هذا النحو، كان مجمل خطاب عادل الجبير، مناقضًا للواقع من جهة، غارقًا في الكذب والتبجح فيه من جهة اُخرى، ومن جهة ثالثة فيه سذاجة لا تليق بوزير خارجية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السعودية عملاق تمويل الإرهاب في بريطانيا.. الفضيحة مستمرة

السعودية تَضِيع منّا!