ultracheck
  1. قول

جمهور بديل

27 فبراير 2024
غرافيتي لـ كيث هارينج/ الولايات المتحدة
غطفان غنوم غطفان غنوم

من المحرج بالنسبة لأي فنان مخلص لفنه، على اختلاف مجالات الفن، أن يخرج للعلن طالبًا المعونة أو طارقًا باب المساعدة، عندما يجد نفسه محاصرًا ويكتشف بأن فرص عمله آخذة بالتلاشي، بناء على اعتناقه وجهة نظر معينة سياسية كانت أو اجتماعية قد لا ترضي جهة متحكمة في سوق العمل.

يعود ذلك الإحراج لأمرين مهمين ورئيسيين من وجهة نظري، أولهما أن طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الفنان وجمهوره تتمحور في كون هذا الفنان قدوة ومثالًا يحتذى به، وهذا يفرض عليه قيودًا تكبل سلوكه الشخصي وتحدد له خطوطًا لا يستطيع الانزياح عنها، وفقًا للأعراف الاجتماعية السائدة، ووفقًا للمنتظر منه والمتوقع.

يفترض الجمهور عادة بأن على الفنان أن يحابي رغباته، وأن يتماشى في فنه كما تقضي العادات والسلوكيات النمطية، في حين أن الفن الصادق والجاد حتى لو كان ذا طابع ترفيهي يفترض العكس تمامًا، أن يكون ناقدًا ولاذعًا لمواطن الرداءة والتردي في المجتمع، سواء اختار أسلوب الصدام العنيف أو التعبير الناعم والموارب.

يقع الخلاف حينما لا يميز الجمهور بين أحقية الفنان في ممارسة حياته الطبيعية كإنسان عادي، وبين طبيعته كفنان.

وغالبًا ما تحسم المسألة لصالح الناس، فيلتزم الفنان بسلوك معين بحيث يحافظ على هيبته.

ثانيهما، أن خروج الفنان محتجًا وصارخًا، سيضعه في قفص الاتهام والاتهام المتبادل، وهذا ما سيجعله مضغة سائغة وخاصة لو كان صاحب مواقف مناهضة لجهات سياسية ذات نفوذ.

منذ أن امتلك الفن صوتًا وحاز مخالب حادة، وصار عاملًا مؤثرًا في التغيرات السياسية والاجتماعية، ومحرضًا للأصوات المناوئة للاستبداد والقمع، صار الفنان مهددًا وتحت طائلة الملاحقة

يمارس التكريس الإعلامي أيضًا دورًا سلبيًا حينما يركز على طبيعة الأخبار الفضائحية ويترك جوهر الموضوع، وهذا مفهوم بطبيعة الحال في ظل انحسار دور النقاد الفنيين الصادقين والصحفيين الشجعان، وتراجع دور الصحافة كسلطة رابعة.

منذ أن امتلك الفن صوتًا وحاز مخالب حادة، وصار عاملًا مؤثرًا في التغيرات السياسية والاجتماعية، ومحرضًا للأصوات المناوئة للاستبداد والقمع، صار الفنان مهددًا وتحت طائلة الملاحقة، حتى لو اختلفت أساليب السلطات وتنوعت طرائقها في تحجيم دور ذلك الفنان، أو تحديده في أطر مناسبة للتوجهات السياسية بحيث لا يضر بمصالحها.

الإغراءات والرشاوى وفتح المسالك المغلقة وتسهيل عبورها أصبحت طريقة شائعة للإيقاع بفنانين يمتلكون مواهب واضحة، ثم يصبح قبول الرشاوى والعروض سيفًا مسلطًا على رقاب المتورطين، ووثيقة إدانة قد تستخدم في حال لزومها فيما لو فكر ذلك المتورط يوما برفع رأسه مجددًا.

يترافق كل ذلك مع التلويح بعصا غليظة في حال لم يستجب ذلك الفنان للتوجهات المفروضة عليه أمنيًا.

تلك العصا الغليظة تضرب ذات اليمين وذات الشمال، فقد تقع الضربة على حياة الفنان الاجتماعية فتعد له التهم الجاهزة كأن تجهز له فضيحة أخلاقية، وقد تقع الضربة على حياته المهنية فيفصل من نقابة فنية أو يطرد من وظيفة أو تلغى معه عقود مبرمة، يرافق تلك الضربات تنظيف لآثار الجريمة، فيمنع سجل الفنان من العرض، ومن التداول العام، ويركز الإعلام على موضوع الفضيحة دون غيره.

التاريخ والسير الفنية حافلة بالأمثلة القديمة والحديثة عما يتعرض له الفنانون من عقبات ومصاعب ومصائب كي يستمروا في عملهم، وعما يقاسيه الفنان الملتزم بقضايا أمته ومجتمعه من محن كي يحافظ على لقمة عيشه.

هكذا وبدون سابق إنذار يختفي من المشهد العام فنان كان قد شغل الدنيا بصيته، وبعد البحث تجد بأن بات مغضوبًا عليه.

وبنفس الطريقة يبرز بين يوم وليلة شخص ما ليصبح شاغلًا للدنيا والناس في كل منبر رغم ضحالة ما يقدمه من قيمة فنية وفكرية للناس. ثم يتم التركيز على كل ما يخص هذا الشخص وتكبير مزاياه الصغيرة أصلًا، ومحاولة إعطائها قيمة إضافية ليست موجودة فيها بغية تكريسه كنموذج بديل.

تلعب هنا مسألة التكريمات والمهرجانات والجوائز دورها الفعال والسلبي، مستغلة البهرجة الإعلامية وفضول الجمهور وانخفاض الذائقة الفنية العامة وتدهور المستوى الثقافي العام.

يقولون، ذاكرة الجمهور قصيرة، وهذا ينطوي على جانب محق نوعًا ما، فالناس تعاني وتركض لاهثة لتوفير حياة كريمة، ولا يمتلكون عادة رفاهية الانغماس في القضايا التي تأخذ طابعًا عامًا.

وكعود على بدء نقول: سيكون مؤلمًا جدًًا بالنسبة للفنان أن يبث أحزانه بعد أن تمارس عليه كل أنواع الضغوط، وتتجاهل وجوده وسائل الإعلام وتتقلص فرص عمله، أو فرص عرض أعماله، ومع تقلص تلك الفرص لا بد وأن ننتبه إلى أن ذلك سيؤثر بشكل تراكمي مستقبلًا على سوية الوعي العام بالنسبة للجمهور، لأن الفن الصادق والناقد لا بد وأن يكون كما الإعلام الجاد والبديل جزءًا من السردية الثورية التي تصب في مصلحة الشعوب وترفد قيم العدالة والمساواة.

هذا وقت نحن أحوج ما نكون فيه كجماهير لمساندة الأصوات الفنية الصادقة ودعمها بدلًا من قمعها وتسخيفها، على الأقل معنويًا.

كلمات مفتاحية
ولاية النيل الأزرق

النيل الأزرق.. نهر اشتهر بالتمرد وولاية سودانية أنهكتها الحروب

لفتت ولاية النيل الأزرق، الواقعة في الجنوب الشرقي للسودان، أنظار الدول المنخرطة في بحث حلول للأزمة السودانية، والمنظمات الدولية المعنية بالشأن الإنساني، في الشهور الأخيرة، بعد موجات النزوح الكبيرة التي شهدتها الولاية

صورة تعبيرية

"شبح رأس المال يطارد واشنطن".. هل نعيش الطور الأخير من الرأسمالية الأميركية؟

تؤكد المؤشرات الحالية أن النظام الرأسمالي دخل في دوامة الانحدار الجيوسياسي وتفكك الهيمنة، وتحديدًا فيما يخص سلاحه الأبرز، الدولار، ومنظومة البترودولار

البابا ليو 14

الترامبية في مواجهة العالمية الكاثوليكية: كيف تُوظَّف السلطة الدينية سياسيًا؟

تصاعد الجدل بين بابا الفاتيكان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سياق يعكس مستوى متزايدًا من الاستقطاب السياسي والتعبئة القومية في العالم

فوق رأسي سحابة
أدب

"فوق رأسي سحابة": حين يصبح الألم لغةً عالمية

تقدّم الكاتبة دعاء إبراهيم نصًا نفسيًا قاسيًا وعميقًا يلاحق أسرار النفس البشرية عبر رحلة إنسانية محطاتها الاساسية تبدأ بمصر ومنها إلى اليابان

كأس العالم 2026
رياضة

موجات الحر والمونديال يربكان التقويم الدراسي في المكسيك

تراجعت الحكومة المكسيكية عن قرار أثار جدلًا واسعًا بإنهاء العام الدراسي قبل موعده المعتاد بنحو ستة أسابيع، بعدما واجهت الخطة انتقادات حادة من الأهالي والنقابات التعليمية

أنتا
أعمال

من 600 حذاء إلى إمبراطورية رياضية.. قصة صعود "أنتا" الصينية

أصبحت شركته "أنتا" الصينية تنافس عمالقة الملابس الرياضية العالميين مثل نايكي وأديداس، فكيف حدث ذلك؟

صورة تعبيرية
مجتمع

فيروس "هانتا" يربك العالم.. منظمة الصحة تحذر من موجة إصابات جديدة

حذّرت منظمة الصحة العالمية من احتمال ظهور المزيد من الإصابات بفيروس "هانتا"، بعد تحوّل سفينة الرحلات البحرية "إم في هونديوس" إلى بؤرة تفشٍ دولية