"توني إردمان".. ضد الرأسمالية الأوروبية الجديدة

لقطة من الفيلم

ضمن جميع الأفلام التي تحدث عنها رواد الموقع الاجتماعي "فيسبوك"، والنقاشات الجارية حول فيلم محدد مؤخرًا، لم يلقَ أي من الأعمال نقدًا وسمها بالبرود، وبلادة السيناريو، وطول مدته التي تتجاوز الساعتين والنصف، مثلما لقي فيلم "توني إردمان" للألمانية ماري أدي، نصًا وإخراجًا، وهو من بين الأعمال الأجنبية التي كانت مرشحة لجائزة "غولدن غلوب" وحاليًا نجده حاضرًا في "الأوسكار".

قبل ترشحه للجائزتين الأمريكيتين، نافس "توني إردمان" على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان "كان" السينمائي الأخير، ورغم أنه لم يحصل عليها، تم اختياره من قبل لجنة اتحاد "نقاد الفيلم العالمي" كأفضل فيلم مشارك في المنافسة، وفاز في كانون الأول/ديسمبر الفائت بجائزة أفضل فيلم أوروبي لعام 2016، وهو أول فيلم من إخراج امرأة يفوز بالجائزة.

نافس "توني إردمان" على السعفة الذهبية في مهرجان "كان" الأخير، وتم اختياره من قبل نقاد الفيلم العالمي كأفضل فيلم مشارك بالمنافسة

بعد أن يقرأ من يرغب بمشاهد الفيلم المنشورات التي كتبت عنه، أول ما يتبادر إلى ذهنه سؤال من "توني إردمان"؟ لماذا عليّ أن أحضر فيلمًا مملًا لهذه الدرجة؟ ببساطة "توني إردمان" هو الشخص الذي يقف ضد أوروبا الجديدة، المليئة بالعولمة، بشخصية غير موجودة بالأساس، يتقمصها بيتر سيمونيشيك (الأب/ فينفيريد، توني إردمان)، محاولًا من خلال نكته السخيفة أن يحارب شهوة الرأسمالية الحديثة.

 عندما يلتقي بابنته ساندرا هيللر (إينيس)، ويرى انغماسها في العمل عبر هاتفها الخلوي حتى في أيام العطل، يعرف كيف أن حياتها جدًا رتيبة بسبب طبيعة عملها كمستشارة في إحدى الشركات النفطية. موت كلبه العجوز يجعله يقرر السفر إلى "بوخارست" في رومانيا، لقضاء الإجازة مع ابنته، والتقرب منها بعد أن سرقتها شركات أوروبا العابرة للقارات.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "the dark knight".. الجوكر ومنطق الفوضى

تتفاجأ إينيس بزيارة والدها إليها، وهي مع مسؤوليها في العمل واضعًا أسنانًا مصطنعة، ونظارة شمسية، تبدو مرتبكة بمشاهدته، قبل ذلك الشريط يعرض مشاهد سريعة في الزيارة الأولى تعكس علاقة الأب وابنته من خلال برودها، لكنها تصطدم مع والدها بعد أن يقيم في شقتها، وتجد أن شخصًا آخر اقتحم حياتها، تقول له: "هل عندك أي خطط لحياتك غير النكت السخيفة"، يجيبها "أنا لا أطرح النكت السخيفة"، لترد عليه: "أعرف رجالًا في مثل عمرك (ما يقارب 65 عامًا) لا يزال يملؤهم الطموح".

هذا الحوار الذي يأتي في الدقيقة 48,30 يعتبر نقطة التحول للفيلم، الذي في مشاهده الافتتاحية يقول أحدهم نصيحة عن شاعر غير معروف "كم جميل ألا تفعل شيئًا، وتكون قادرًا على الاسترخاء"، التي تعتبر مفتاح العبور للمشاهد القادمة، ما يليها من ظروف العمل المرهقة في الشركات الأوروبية.

تقول أدي التي يعتبر هذا شريطها الثالث الطويل في مسيرتها الإخراجية في حديث مع صحيفة "الغارديان" البريطانية، "... استوحيت أفكاري من الأجواء المرحة التي تتميز بها عائلتي، والدي هو صاحب نكتة بامتياز، أتذكر أنني أهديته لعبة على شكل طاقم أسنان، وكان يضعه بين الفينة والأخرى لسنوات طويلة"، دون أن تهمل الإشارة إلى أن إنجاز "توني إردمان" تطلب منها خمسة سنوات من العمل.

مرة ثانية يظهر أمامها في أحد المطاعم البرجوازية شخص يضع شعرًا أسود مستعارًا، ويرتدي طقمًا رسميًا، ويضع أسنانًا اصطناعية، يعرف عن نفسه باسم "توني إردمان" مدرب استشاري، وفي لقاء آخر يكون السفير الألماني، لكنه في النهاية ليس إلا والد أينيس، الذي يحاول بشخصياته المتقمصة أن يكسر حياة ابنته المملة، وجديتها المكتسبة من طبيعة عملها.

في "توني إردمان"، لدينا نموذج من الصراع الجاري الآن بين جيلين في أوروبا الحديثة، والوقوف في وجه شركات رأسمال، ضد نظام العمل الذي قتل الحياة الاجتماعية، وحولها للجدية المفرطة، بنمط أكثر تطورًا للرتابة، يروي ما صارت أوروبا عليه اليوم، وما يمكن أن تصبحه غدًا.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "حريق في البحر".. مزيج من الحالات الإنسانية

يمكن القول إن عمر الأب يجعله معاصرًا للمرحلة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، ويبدو أنه جاء من خلفية متأثرة بها، لأن ما يفعله يدل أنه يريد أن يكسر الحياة الروتينية للنمط الرأسمالي الحديث، بجعلها تعرف أكثر معنى الحياة بعيدًا عن العمل، لكنه لم يستطع أن يتأقلم مع حياتها الجديدة، بعد أن كانت وهي صغيرة تضحك على نكاته التي أصبحت لها بسن الـ40 تقريبًا سخيفة، أو حتى أن يبدل في نمط حياتها الجديد.

"توني إردمان" هو نموذج عن الكوميديا السوداء، يمزج بين الحزن والضحك، بمشاهد واقعية. وإذا كنا نرى شخصية الأب المرح، فإن شخصية إينيس مليئة بالقسوة التي اكتسبتها من طبيعة عملها، هناك الكثير من المشاهد تظهر فيها قسوة مفرطة، مثل معاملتها للنادل في مركز التدليك، أو مشهد الجنس في غرفة الفندق، والمشهد الأخير عندما تتوفى جدتها.

بعد أن يقرأ من يرغب بمشاهد الفيلم المنشورات التي كتبت عنه، أول ما يتبادر للذهن: من توني إردمان؟ لماذا أحضر فيلمًا مملًا لهذه الدرجة؟

تعطي أدي للمشهد حقه كاملًا في الشريط، لا تحاول اختزاله، أو تكثيف الحوارات، بل على العكس منحتها الحرية المطلقة، مصورة الانفعالات بكامل التفاصيل مع ثوان يقتلها الصمت، وهو ما صعب العمل على سيمونيشيك، الذي أدى دورًا مذهلًا جعل منه بالفعل أبًا مكروهًا، وهيللر التي اشتغلت مشاهدها بقسوة كبيرة، وضحك قليل، نادرًا ما تجد الابتسامة على وجهها، أو أنها تضحك بحرية مطلقة، رغم كل نكات الأب.

وليس هناك من نهاية للعمل تكون بعودة الابنة إلى ألمانيا، لأنها تحصل على عقد عمل مع شركة أخرى في إحدى البلدان الآسيوية لتستمر بحياتها التي اعتادت عليها. إذ إن الفيلم يقدم صورة مختصرة عن أوروبا الجديدة بنظرة مليئة بأسئلة ليس لها أجوبة لأن الحياة الحديثة تريد ذلك. والألمانية ماري أدي بدورها لا تريد أن تعطي المتفرج النهاية المرجوة دائمًا يحصل في الكوميديا الهوليوودية.

إذا أردت أن تعرف ماذا تعني أوروبا الجديدة.. عليك أن تشاهد "توني إردمان".

اقرأ/ي أيضًا:
فيلم "الجمال العظيم".. عالم يحجبه الحنين
فيلم "Silence": هل يستحق المشاهدة؟