فيلم

فيلم "الجمال العظيم".. عالم يحجبه الحنين

لقطة من الفيلم

بمجرد أن أتم السيد "جيب جامبرديلا" الخامسة والستين من العمر، حتى أدرك أنه لم يعد هناك مزيد من الوقت يضيعه في أمور لا يرغبها. فحفلات عيد الميلاد والصخب، وحياته الموغلة في الثراء والشهرة، تساهم طوال الوقت في صناعة قناع من القوة والتجبر والحس الساخر واللامبالاة المصطنعة.

لكنه كلما سار في الليل بمفرده، تأمل الشوارع المزدحمة بالقصص العتيقة في أسى، ويتألم داخله طوال الوقت، كلما تمدد على الأريكة بمفرده في غرفته، رأى البحر في السقف، وتدور الأحداث في مخيلته، عن الماضي كيف كان بسيطًا ومشرقًا، وكيف أن شابًا وفتاة على مشارف العشرينيات كان يمكن لقصتهما أن تأخذ مسارات أفضل لو أمكن لهما العودة بالزمن.

الشيخوخة عند "باولو سورنتينو" المخرج الأربعيني، لم تقتصر على الأشخاص فقط، بل صفة يلصقها بالمدن والأماكن العريقة، والتاريخ بأسره

"الجمال العظيم" الذي يبحث عنه "جيب جامبرديلا" ليس إلا هوسًا في عقله هو، فهو ليس لديه حكاية واحدة بمفهوم الحكاية التقليدية، وليس في حياته أية أحداث محددة، إنما العالم في عقله يتداعى في إيقاع غير منضبط، حيث روما متحف ثري للشخصيات، وحيث الشخصيات وصمة عار في جبين الزمن، وحيث الأبنية العتيقة رثاء للتاريخ بأكمله. من خلال عين "جيب" نرى الحياة بكافة تناقضاتها وعبثيتها.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "the dark knight".. الجوكر ومنطق الفوضى

فليس هناك ارتباط بين كل شخوص الفيلم بقضية ما، أو حدث مركزي، غير أن كل الشخوص التي تنتمي للنخبة المثقفة المتوحشة الثراء والنفوذ في روما، يلتقيها "جيب جامبرديلا" مصادفة في طريقه، أو تعترض خطواته بشكل أو بآخر. يبدؤون حياتهم في الليل، وعندما يستيقظ الجميع في الصباح يكونون في طريقهم إلى النوم، هكذا بلا وجهة ولا هدف. كلهم عجائز، أوهمتهم الشيخوخة أن ما فات من العمر كفيل لتفاخرهم بما حققوه في الماضي، ويبرر لهم احتقار الأجيال اللاحقة وعدم الاكتراث للشؤون العامة.

والشيخوخة عند "باولو سورنتينو" المخرج الأربعيني، لم تقتصر على الأشخاص فقط، بل هي صفة يلصقها بالمدن والأماكن العريقة، والتاريخ بأسره. في كل أعماله؛ منذ أول أفلامه الطويلة One Man Up عام 2001، مع ملهمه توني سيرفيللو الذي رافقه حتى فيلم "الجمال العظيم The Great Beauty" عام 2013، في مسيرة حافلة بالجوائز، حتى أوسكار أحسن فيلم أجنبي عام 2014.

لايمكن الجزم إن كان توني ألهم باولو بشخصية "جيب جامبرديلا" أو العكس، لكن المؤكد أن هذين العجوزين الشابين اخترقا معًا منذ بدايتهما سويًا عالم الشيخوخة ومخاوفه، ونجحا في الاقتراب من العجائز وفهم هواجسهم وأسرارهم. وقد صمم باولو سورنتينو من كل ذلك ببراعة عوالمه المميزة وسؤاله الخاص. إنه معذب بسؤال الزمن، مرعوب من أن يمضي به العمر، أن يتحول فجأة من شخص يحتاجه الناس، إلى شخص يحتاج الناس.

ولذلك نجد "جيب" ينكر دائمًا أنه عجوز، ينظر للنساء نظرة مراهق، ويمضي أيامه كشاب ملول، تتلقفه الطرقات طوال اليوم. ولا يكذب عندما يجيب على السؤال: "ما أكثر شيء تفضله في الحياة؟" ويقول: "رائحة بيوت الكبار في السن".

اقرأ/ي أيضًا: ماهرشالا علي.. خاطف "ضوء القمر"

البداية بمشهد يظهر فيه تمثال "غاليباردي" قائد جيش التحرير والاستقلال الذي أجهضت ثورته وهو في الأربعين من عمره، ثم نفيه، ثم عودته وهو في الستين ليكمل ما بدأه، وعندما يصطدم بسور روما العتيق يقول جملته الشهيرة: "روما أو الموت". التي ظهرت لنا مكتوبة أسفل شاهد غاليباردي، في مشهد جنائزي وكأن الشخص البدين الذي يظهر لنا ظهره في زاوية جانبية ينظر للجملة في نظرة ما بين الثمل والاستنكار، وكأنه يتساءل: "أهذه هي الروما التي كان يجب لها أن تبقى؟".

الشعراء، ومغنو الأوبرا، والحدائق، والعجائز وراء الأشجار، والعجائز وراء الجرائد، السجائر الطويلة والسياح من كل مكان يفتشون عن بقايا الماضي. يقف أحدهم بعد جولات شاردة، وراء كاميرته، إصبعه يتسارع على زر الالتقاط، والابتسامة التي على وجهه توحي بالرضا، ولمعان عينيه يوحي باكتشاف شيء جديد، كأنه يحاول أن يثبت الزمن، يخلد الجمال، يتنهد تنهيدة قصيرة وهو يبتسم، يمسح جبينه بظهر يده، ويسقط ميتًا.

البداية وكأنها تقرير بأن روما بقيت في النهاية، لكن السؤال هو كيف بقيت؟ ولماذا؟ وهل ستستمر على هذا النحو؟ وتجوب الكاميرا باستعراض علوي، وكأنها الراوي العليم لاستعراض ما يدور في جنبات روما التي كانت تضج بمظاهر الملك، وحفلاته الخاصة. لقد صار كل هذا تاريخًا مكتومًا تستنطقه الجدران، ويتأمله سياح من هنا وهناك.

"جيب جامبرديلا" الروائي الذي كتب رواية قبل أربعين عامًا ولم يكتب بعدها أبدًا، تحاصره الأسئلة طوال الوقت "لماذا لم تكتب رواية أخرى؟" ويضحك، ويفر من الإجابة كالحرباء، يسخر أحيانًا: "روما تضيع عليك الكثير من الوقت"، إنه يواري عوارًا بداخله، حاجزًا نفسيًا ما جعله يكتفي برؤية العالم من بعيد دون التعمق فيه. أو أن الناس بمظاهرهم الخارجية يبدون أكثر أناقة وجمالًا. بينما اختراقهم يرينا من الأمور ما يزعجنا طوال الوقت حتى إن كنا نعرفه جيدًا، لكننا ننكره لأننا نحب أن نحافظ على الجمال.

فيلم "الجمال العظيم" كله رحلة داخل عقل، داخل الأفكار والهواجس والذكريات، ولذلك اعترى الفيلم الكثير من النقلات السريعة والنوعية

ورغم أن "جيب" كذلك، لكنه لا يتوانى عن النبش طوال الوقت في الذكريات ومصائر الناس وتعرية حياتهم. ربما هو الفضول -فضول الروائي- الذي يقتل صاحبه إن لم يعمل على إشباعه باستمرار.

الكادرات الواسعة هي الفانوس السحري الذي يخرج منه جيب جامبرديلا، متصاغرًا وسط أبنية المدينة العتيقة، مما يوحي بالاغتراب، ويؤكده، ويعمقه. ليس الاغتراب عن المجتمع فقط، بل عن التاريخ بأسره.

ولذلك الليل يغلف معظم مشاهد الفيلم، وفيه يستيقظ المثقفون، وينغمس "جامبرديلا" معهم، مع إهمالهم لقضاياهم، وعدم التزامهم بأدوارهم الاجتماعية أو السياسية، بل عدم التزامهم بأي شيء. فقط يسكرون ويمرحون ويمارسون الجنس. هكذا طوال الوقت.

وربما لو تذكرنا جيدًا شخصية "أنيس زكي" في فيلم "ثرثرة فوق النيل". لوجدنا محفوظ يوجه على لسانه ضربات قاصمة للنخبة المثقفة في مصر وأوساط البرجوازية العليا. فأنيس الزاهد في النساء المتغيب عن الوعي معظم الوقت، يجلس على جسد فرعون من آلاف السنين ويسائله، ويحاكمه: "هو لو مسطول كان سابنا نعمل فيه كده؟"، وهو في الأصل يحاكم التاريخ بأسره.

فتعج الآثار التي تركها لنا الأجداد عبر التاريخ، بالضجيج والصخب ومظاهر السكر والعربدة والغياب عن الوعي والانحلال الأخلاقي، وكل اللامبالاة والنزعة التهكمية الحادة التي لا تعبأ بأحد، والتاريخ لا يغيب عند "باولو سورنتيو" أيضًا في رائعته التي وجه فيها دفقات من الحنين والحب لروما العتيقة.

اقرأ/ي أيضًا: 10 أفلام تستحق المشاهدة من مهرجان صندانس السينمائي

العالم في عقل "جيب جامبرديلا"، الفيلم كله رحلة إلى داخل عقله، داخل الأفكار والهواجس والذكريات، ولذلك اعترى الفيلم الكثير من النقلات السريعة والنوعية، والكثير من الشخصيات والمشاهد التي تظهر فجأة، وتختفي فجأة أيضًا في فوضى رغم نعومتها وسلاستها، قد يراها المُشاهد مقحمةً أو نوعًا من العشوائية. لكن هذه الفوضى ماهي إلا انعكاس لما يعتمل في عقل عجوز ذي خمسة وستين عامًا.

الكادرات الواسعة هي الفانوس السحري الذي يخرج منه فيلم "الجمال العظيم"، متصاغرًا وسط أبنية المدينة العتيقة، مما يوحي بالاغتراب

عندما يستدعي الثروة والسلطة والانحلال الأخلاقي، فإننا نرى هذا الانحلال مجسدًا على الشاشة. وعندما يزهد في المادة أن تكون خلاصًا له، ينظر للمرآة وتلمع خصلات شعره الأبيض تحت وهج الأشعة الصريحة، فتئن عليه جوانبه الروحية. وقد يصدق في الميتافزيقيا والقوى الروحية ولو لحظة، فتظهر لنا القديسة التي أكملت مائة عام، تسأله "لماذا لم تكتب رواية أخرى؟"، ويقول بعد تفكر "إنني أبحث عن الجمال العظيم".

تحدثه عن الحكمة وعن أن حياتها كلها أنفقتها في أكل جذور النباتات: "كلما زاد التصاقك بجذورك وتمسكك بها فلن تتيه أبدًا". ومعنى كهذا لا يناسب "جيب جامبرديلا" على أي حال، ولا يناسب حياته ولا أفكاره التي تثور على أصغر الثوابت والبديهيات، ولكن ربما أراد "سورنتينو" أن يجعل هذا الطريق متاحًا أمام بطله الفيلسوف، ليوحي لنا بمدى الضعف الذي يعتري العجائز عندما يشعرون أنهم يواجهون الموت، وكيف قد يجعلهم ذلك متخبطين، غير واثقين من قراراتهم، قد يعدلون عن شيء رفضوه طوال عشرات السنين، وقد يرفضون شيئًا ما توانوا عن ممارسته حتى التهم المشيب الشباب.

وربما هذا ما أراد إظهاره كجانب من جوانب "جيب جامبرديلا" المهجورة منذ أزمان بعيدة، "إيمان العجائز"، كاكتشاف نلاحظه في نهاية الفيلم كما نلاحظه في نهاية "جامبرديلا".

اقرأ/ي أيضًا:
فيلم "حريق في البحر".. مزيج من الحالات الإنسانية
فيلم "Split": الحياة بـ24 شخصية