فيلم

فيلم "The Dark Knight".. الجوكر ومنطق الفوضى

لقطة من فيلم The Dark Knight 2008

"أنا لم أرد أن أقتلك! ما الذي سأفعله من دونك؟ أعود لتمزيق أفراد العصابات؟ لا لا. أنت تكملني". "أنت قمامة، أنت تقتل من أجل المال"، "لا تتكلم كواحد منهم، فأنت لست واحدًا منهم، حتى لو أردت ذلك. بالنسبة لهم، أنت مجرد مسخ، مثلي، هم يحتاجونك الآن، ولكن عندما لا يحتاجوك سيطردوك خارجًا كالمجذوم أترى أخلاقهم وقواعدهم؟ مزحة سيئة، تسقط فور ظهور أول علامة للكارثة، إنهم جيدون فقط بقدر ما يسمح لهم العالم أن يكونوا. أنا سأريك عندما تسقط الأوراق هؤلاء البشر المتحضرون سيأكلون بعضهم البعض. أترى؟ أنا لست وحشًا، أنا فقط أسبقهم في السباق".

من الواضح جدًا أن "الجوكر" لا يتحدث سوى عنا نحن الخارجين عن منطق الفوضى، والمنحصرين في منطق القانون والنظام، والعادات والتقاليد. ومن الواضح جدًا، أن القانون والخير المحصور في النص القانوني، والذي يمثله "باتمان" في هذا الفيلم، لم يفهموا جيدًا رجلًا، كـ"الجوكر"، رجل من هؤلاء الرجال "الذين لا يغريهم أي شيء منطقي، كالمال، بل هم فقط يريدون رؤية العالم يحترق"، والسباق الذي يتحدث عنه "الجوكر"، في هذا المقطع، ربما هو سباق البشر جميعًا، نحو الهاوية.

أن "الجوكر" لا يتحدث سوى عنا نحن الخارجين عن منطق الفوضى، والمنحصرين في منطق القانون والنظام، والعادات والتقاليد

على خلاف السردية الأمريكية المعتادة من أفلام "السوبر مان والباتمان البطل الخارق"، يأتي هذا الفيلم بصورة معاكسة ولكنها في ذات الإطار، ولكن ما يجعل لهذا الفيلم خصوصية فريدة عن باقي الأفلام، هو شخصية الجوكر نفسها، في تفردها حتى في منطق الشر المعتاد.

اقرأ/ي أيضًا: أجمل 5 أفلام أنيميشن عن "باتمان"

هناك شر عادي منطقي، شر يتحدث عن نفسه، له منطقه الخاص، قواعده الخاصة، بل وحتى عاداته وتقاليده، رأينا هذا في أفلام عديدة تتحدث عن العصابات والمجرمين...إلخ، أما الشر هنا ممثلًا في "الجوكر"، فهو يخاطبنا بصورة مغرية جدًا.

الجوكر ببساطة "وكيل للفوضى" كما يصف نفسه في أحد مشاهد الفيلم. هو نقيض الشر والخير معًا، يمثل الفوضى المطلقة والمنفلتة من أي عقال قانوني وراثي، منطقي بشري. الفوضى التي هي كما يراها الجوكر، الطبيعة المطلقة للبشرية. وما المميز حولها؟ "أنها عادلة".

في "الجوكر" هناك جنون، رغبة عارمة في الفوضى، ولع بالديناميت والبارود، وكره هائل لعالم الجريمة المنظمة والقانون على حد السواء. لوهلة قد يبدو متناقضًا، ولكن لوهلة أخرى فإنه يبدو منسجمًا مع نفسه جدًا.

في عالم كعالم مدينة "جوثام"، التي تدور أحداث الفيلم فيها، يبدو هذا العالم شديد الشبه بعالمنا اليوم. الجريمة المنظمة ليست في انفصال تام عن بنائنا الاجتماعي والقانوني والسياسي، وإلى حد ما قد يذهب بعض الباحثين اليوم إلى القول إن في بعض دول العالم الجريمة هي مكون أساسي من مكونات التوازن الأمني والاجتماعي في أي مجتمع حديث، وإن الرشوة على سبيل المثال، إحدى أهم مكونات هذا التحالف غير المرئي أو الموثق بشكل قانوني، بين النظام السياسي والأمني، وبين عالم الجريمة المنظمة أو الفساد، ولنقل اختصارًا، فإن الفساد اليوم صفة من صفات أي نظام اجتماعي سياسي.

وما المميز في عالم كهذا العالم؟ ربما ما يمنحه العالم على هذا الشكل لنا نحن المواطنين الصالحين وغير الصالحين في المجتمعات الحديثة، هو "مربعات" حياتنا الصغيرة بالتأكيد، فالإنسان اليوم هو إنسان يعيش في مربعات بشكل دائم، وما دام المجتمع بفساده وبتجاوزاته، وما دام النظام بفساده وبتجاوزاته، يحمي هذه المربعات ويبقي عليها كما هي دون أي تأثير مباشر عنيف، نحن بإمكاننا أن نغض النظر عن كل شيء، مربعنا الصغير، شقتنا، مكتبنا، وحديقة الأطفال، بخير.

الجوكر ببساطة "وكيل للفوضى" كما يصف نفسه في أحد مشاهد الفيلم. هو يمثل الفوضى المطلقة والمنفلتة

في ذلك المشهد الذي يصف الجوكر نفسه بأنه وكيل للفوضى، يقول: "أتعرف ما الذي لاحظته؟ لا أحد يرتعب، عندما تسير الأمور وفقًا للخطة. حتى لو كانت الخطة مروعة، إذا أعلنت غدًا، أن رجل عصابات سيقتل، أو شاحنة جنود ستفجر، لا أحد سيرتعب ولكن، عندما أقول إن عمدة واحد، عمدة واحد صغير سيقتل، عندها يفقد الجميع صوابهم".

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Split": هل يستحق المشاهدة؟

هل هذا بصورة أو بأخرى يشبه عالمنا اليوم؟ إلى حد ما أجل. إننا لو أجرينا استطلاعًا للرأي، عن تلك الأخبار التي تحوز على اهتمامنا الشديد، والتي تدفعنا كما يصف الجوكر إلى "الجنون"، سنجد أنها تتراوح ما بين استخدام السلاح الكيميائي – وهذا موضع جدال – وما بين قتل سفير دولة أجنبية أو حتى رئيس وزراء. غير ذلك، كل شيء طبيعي، وبصيغة أخرى على حد تعبير "الجوكر": "الأمور تسير وفقًا للخطة حتى لو كانت الخطة مروعة". كارتكاب إبادات جماعية، أو مقتل جنود في مكان ما، أو مقتل عدد من الأشخاص في تفجير ما.

العالم حقًا يذهب إلى الهاوية، وهو في سباق محموم. إن كل حرب تنشب اليوم بصورة أو بأخرى، ترفع من درجات ما قد نعده حقًا فعلًا مروعًا وقد يدفعنا إلى الجنون. إن قتل مئة شخص دفعة واحدة، قد لا يعد بذلك العمل الذي قد يدفعنا إلى الجنون. إن الأصفار على شاشة التلفاز أصبح لها فعل سحري، لو قمنا بوضع رقم كهذا الرقم 232، مقابل رقم كهذا الرقم 200، لكان للرقم الأخير، فعل سحري، في إثارة انتباهنا مقابل الرقم الأول. هذا لأن عالمنا الصغير ما زال قائمًا، وهذا لأن عقولنا، وفقا للخطة المعدة، والتي ندركها لاشعوريًا، قد كيفت بصورة أو بأخرى، على تقبل هذه الأرقام.

"الجوكر" هنا يضع حياتنا كلها وكيف نعيشها موضع تساؤل، ويفجر لدى الكثيرين تلك الرغبة الدفينة للفوضى، الفوضى غير المنظمة، الفوضى التي لا تقبل هذه الحلول اليومية، أو الهدن الصغيرة التي نعقدها مع أنفسنا بشكل يومي، لكي لا ننجرف إلى فعل قد يسيء إلينا لاحقًا، أو يكلفنا ليلة في السجن.

والجنون صفة رئيسية من صفات هذه الشخصية الخارجة عن "المنطق"، وليس فقط القانون. الجنون هو أن لا تقبل شيئًا، وأن يكون كل شيء موضع تساؤل وشك، ورفض، وتمرد، واستهزاء. بدءًا بالصغائر: كيف حصل على هذه الندبات، في إحدى المرات يقول: "أتريد أن تعرف كيف حصلت على هذه الندبات؟ أبي كان سكيرًا، وشريرًا، وفي إحدى الليالي، يجن على غير العادة، وفي ذلك الوقت، أمي أحضرت سكينًا من المطبخ لتدافع عن نفسها، وهو لم يعجبه ذلك بتاتًا. إذن، وأنا أشاهد هذا المشهد، يأخذ السكين وهو يضحك ويستدير نحوي: "لم كل هذ الجدية؟"، ويأتي إلي مع السكين: "لم كل هذه الجدية؟ "، ثم يضع النصل في فمي: "دعنا نضع ابتسامة على هذا الوجه"، "لم كل هذه الجدية؟".

أو إذا شئتم، إجابة أخرى: "إذن كان لدي زوجة وكانت جميلة، وكانت تقول لي: إنني قلق أكثر من اللازم، وتقول لي إنه يجب علي أن أبتسم أكثر وكانت تقامر، وتقع في مشاكل كبيرة. وفي أحد الأيام، قطعوا وجهها، ولم يكن لدينا مال للجراحة، وهي لم تستطع تحمل ذلك، وكل ما أردته هو أن أراها تبتسم مرة أخرى، أردتها أن تعرف أنني لا أكترث للندبات. إذن، وضعت الشفرة في فمي وفعلت هذا لنفسي، وأتعرفين ماذا؟ لم تستطع أن تتحمل رؤيتي وغادرت والآن، ها أنا أرى الجانب المضحك من الأمر: الآن أنا دائم الابتسامة".

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "السلحفاة الحمراء" والواقعية السحرية

ماذا يعني أن تكون مختلًا مجنونًا، خارجًا على القانون في عالم يترنح من الفوضى المنظمة؟ ربما الإجابة الفورية هي أن تكون كــ"الجوكر"، ولكن السؤال الأكثر أهمية هو كيف تستطيع أن تحيا في عالم من الفوضى المنظمة بصورة دموية إلى هذا الحد، وتبقى هادئًا وتستطيع النوم بسلام بشكل يومي، وتصحو في فجر اليوم التالي وتعد الفطور وتذهب إلى المدرسة أو العمل أو الجامعة، وتعود مرة أخرى، لتمارس الجنس مع زوجتك، أو تتحدث مع أصدقائك، ثم تنام بسلام مرة أخرى وتعود لتعاود الكرة مرة أخرى؟ أي الفعلين أكثر جنونًا؟ أن تكون مجنونًا، خارجًا عن المنطق أو أن تكون مخدرًا وضمن العادي جدًا؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه الجوكر.

على الجانب الآخر، إن المخرج "كريستوفر نولان" يصور لنا مجتمعًا غارقًا، وكأنه بصيغة أو بأخرى، يستحق هذا الجنون المطبق من قبل "الجوكر"، الذي قام ببضع رصاصات وعلب بنزين بقلب المدينة رأسًا على عقب، يصور لنا مجتمعًا، كذاك الذي تحدثنا عنه من قبل. مجتمع غارق في الفساد، لا أحد يعرف من هو الآخر حقًا، الشرطة في تحالف سري مع المجرمين، المجرمين في تحالف مع بعضهم البعض، ينقلبون على بعض، يقتلون بعضهم بعضًا، لا أحد يثق بأحد، لا أحد يعرف الوجه الحقيقي لأحد. وهنا، يتحدث الجوكر بلهجته المثيرة جدًا، إلى أحد أفراد الشرطة، شارحًا له لماذا يقوم باستخدام السكين في القتل: "الرصاص يسلب المتعة أترى؟ في لحظاتهم الأخيرة، يظهرون لك البشر من هم حقًا، أتريد أن تعرف أي من أصدقائك كان جبانًا؟".

يذهب بعض الباحثين إلى القول إن الجريمة مكون أساسي من مكونات التوازن الأمني والاجتماعي في العالم

قديمًا كتب الفلاسفة أمثال جون لوك، وهوبز وغيرهم، عن فكرة "العقد الاجتماعي"، حيث البشر إما في سلام مطلق، كما عند لوك، ويلجأون للعقد الاجتماعي للحاكم لكي يتجنبوا الخروج من حالة السلام هذه، لافتقارهم إلى النزاهة المطلوبة في تعاملهم مع مشاكلهم الذاتية، وخوفًا من الفوضى. وأما عند هوبز، فالحالة الطبيعية هي حالة شر مطلق، والبشر فيها يهرعون إلى "العقد الاجتماعي"، مستنجدين الأمن والأمان، مقابل تخليهم عن حقهم الذاتي في حماية أنفسهم وممتلكاتهم.

ولكن، ماذا لو كان هذا "العقد الاجتماعي" كحاله الآن عقدًا واهنًا، بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه؟ وماذا لو لم يكن إلا غطاء لعقد من نوع آخر، مغلف بطابع الخير والقداسة الاجتماعية المعطاة لقيم كالسلام والمحبة، وهو في الداخل منه، مجموعة من الأفراد الذين يترصدون بعضهم البعض، وما أن يقلب العالم رأسًا على عقب، حتى يتحولون إلى "الوحش"، الذي كان يتحدث عنه "الجوكر"، وإلى حد ما، يقوم بتمثيله؟

هل الشر حقًا هو الشر الذي نعتقد أنه شر حقًا؟ هل كل معركة نخوضها في حياتنا اليومية، أو حتى في صراعاتنا القومية، هي المعركة الصحيحة؟ هل هناك حاجة لهذه المعركة؟ هل هناك إرادة حرة لدينا تحكم تصرفاتنا وآرائنا تجاه المسائل اليومية وتلك القومية والعالمية؟

هناك شك حول الإجابات بالطبع، أيًا كانت. الإرادة الحرة مثلًا، لا تأتي عن طريق العقلانية، من وجهة نظر الفيلم، بل تأتي عن طريق الجنون المطلق، الفوضى المطلقة، وفي عالم من الفوضى، فقط يمكن للإنسان أن يحيا كما هو حقًا في داخله. وإذا كانت طبيعتنا الجوهرية هي الشر، فلماذا نخبئها إذن، ولماذا ندعي خلاف ذلك؟

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Nocturnal Animals" كائنات ليلية تحبس الأنفاس

ما هو لافت في الفيلم هو تحول الشخصيات وتمسكها بفكرة القناع. الوجه قناع. "الجوكر" لديه قناع، "باتمان" لديه قناع، والفارس الأبيض الذي يعمل من خلال القانون يتحول في النهاية،إلى رجل ذو وجهين. القناع صفة أساسية من صفات الصراع، والشعرة التي تحكم ما بين الخير والشر واهية جدًا، وهي، بالنسبة للجوكر "الجنون". والجنون بالنسبة إليه كـ"الجاذبية". كل ما يحتاجه هو دفعة صغيرة. العقد الاجتماعي الذي يؤسس في نهاية الفيلم، أيضًا عقد قائم على حقيقة مخالفة للحقيقة نفسها، وفي هذه النهاية إشارة إلى ما هو بداية لكل عقد اجتماعي آخر.

هل كل معركة نخوضها في حياتنا اليومية، أو حتى في صراعاتنا القومية، هي المعركة الصحيحة؟

ويبقى السؤال الأخير، لماذا كان "الجوكر" وما زال، يشكل هوسًا لكثيرين حول العالم؟ لم هذه الجاذبية إلى حد الهوس في شخصية مختلة كهذه الشخصية؟

إنها قد تكون الرغبة في الاحتقار. في احتقار كل شيء، كل قيمة، كل سلعة، كل منطق. احتقار المال، القانون، العادات، التقاليد، الموروث، النظام، القيمة المعطاة للحياة نفسها. نحن نعيش، في "مربعاتنا" الصغيرة، ونشعر بالإذلال يوميًا، إلى حد كبير، أو إلى حد صغير، ولكننا نعرف أننا قد شعرنا بالإذلال أمام موظف حكومي ما، أو أمام شرطي، أو أمام أنفسنا، ونعرف ذلك، ونخلفه ورائنا حتى يتراكم في داخلنا كالجبل الصغير الذي نشكل منه أنفسنا، ولا نستطيع التنفيس عن هذا الغضب المكبوت على كل شيء.

"الجوكر" نقيض هذا كله، إنه الجنون في أنقى صوره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم Hidden Figures: أمريكا بلد المتناقضات بامتياز

فيلم "ترامبو": من تاريخ ملاحقة أمريكا للشيوعيين