فيلم

فيلم "حريق في البحر".. مزيج من الحالات الإنسانية

لقطة من الفيلم

عادة ما تكون بعض الأفلام الوثائقية -التي تهتم برصد قضية ما- عبارة عن مجموعة من الأحداث والمواقف التي تم رصدها على هيئة تقارير مجمعة، غلب عليها الطابع الصحفي، حيث نجد الراوي الخاص بالفيلم يعلق على ما يشاهده الجمهور بصوت فاتر أشبه بفحيح الثعبان، كما يظهر بين الوقت والآخر بعض الشخصيات التي تتحدث إلى الكاميرا وجهًا لوجه، وذلك اقتناعًا من صناع تلك الأفلام بأن الفيلم الوثائقي يجب أن يغلب عليه طابع من الحيادية، وإن كان ذلك الأمر أصبح في يومنا هذا وهمًا كبيرًا يصعب -أو يستحيل- تحقيقه، وذلك لأن العالم كله أصبح يسير في اتجاهات وأفكار وأيديولوجيات محددة لا يمكن إخفاؤها، وكأن الفيلم الوثائقي كتب عليه أن يصبح مادة مجمعة ومركبة بشكل جيد -حرفيًا- دون النظر إلى الجزء الأهم في صناعة أي فيلم وهو أن يغلب عليه الطابع "الإنساني الممتع".

عادة ما تكون الأفلام الوثائقية عبارة عن مجموعة من الأحداث والمواقف التي تم رصدها على هيئة تقارير مجمعة غلب عليها الطابع الصحفي

ولكن على عكس المعتاد، في هذه المرة يقدم لنا المخرج الإيطالي جيانفرانكو روزي، فيلمه السادس في مسيرته السينمائية "حريق في البحر"، والذي لم يكن له بطل حقيقي سوى جزيرة لامبيدوسا، تلك الجزيرة الصقلية التي نزح إليها في العشرين عامًا السابقين ما لا يزيد على ربعمائة ألف مهاجر من جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط، وهذا ما جعل الحكومة الإيطالية تنشئ واحدًا من أكبر الملاجئ الخاصة بالمهاجرين غير الشرعيين على مستوى العالم، على متن تلك الجزيرة.

اقرأ/ي أيضًا: "A Monster Calls" وفانتازيا الحكايات غير التقليدية

وعلى رغم قضية الهجرة غير الشرعية عن طريق سواحل البحر المتوسط، من ناحية قارة أفريقيا وبالتحديد من ليبيا -سواء هربًا من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل "داعش" في سوريا و"بوكو حرام" و"القاعدة" في أفريقيا، أو هربًا من الملاحقات السياسية والعرقية، أو حتى بحثًا عن حياة آدمية- أصبح أمرًا في غاية السخونة والغموض، الذي يمكن أن يصنع فيلمًا وثائقيًا يذاع صيته على مدى واسع، بسبب المشاهد الدامية التي يمكن رصدها، إلا أن روزي أخرج فيلمًا ليس بالوثائقي بمفهومه المعتاد، ولكنه ليس أيضًا بالفيلم الروائي الذي يعتمد على نص مكتوب، وإنما هو فيلم يغلب عليه طابع "سينما الواقع"، حيث يرصد حياة مجموعة متنوعة من البشر الذين يعيشوا على تلك الجزيرة، من خلال أفعالهم اليومية المعتادة، فالتنوع هنا يأتي على الجانب العمري أو العرقي من خلال الشخصيات على حد سواء.

فالفيلم يرصد ستة خطوط، يغلب عليها الطابع الدرامي، لمجموعة من الشخصيات مثل الطفل صامويل الذي يطمح أن يصبح صيادًا مثل باقي أفراد الجزيرة، لكنه يعاني من أمراض، وشخصية الطبيب الذي يعالج ويتفحص حالات اللاجئين والهاربين عبر البحر، والعمة ماريا التي تعيش في حالة من الـ"نوستالجيا" مع جهاز الراديو الخاص بها، ومعد الإذاعة المحلية، الذي يصنع جوًا عامًا بأغانيه التي يبثها عبر الأثير، بالإضافة إلى اللاجئين الذين أتوا من كل صوب وحدب، سواء أصحاء أو مرضى أو موتى محمولين في أكياس، وأيضًا شخصية الصياد الذي يستسيقظ مبكرًا ليذهب إلى البحر ليعيش حياته الثانية. وغيرهم من الشخصيات الفرعية التي تعيش على متن تلك الجزيرة في سلام تام، ذلك الأمر الذي يجعلنا نكتشف في نهاية الفيلم بأنها شبكة متداخلة من العلاقات الإنسانية التي لا يمكن فصلها بأي طريقة.

وعلى الرغم من عرض الفيلم للأهوال التي يتعرض لها اللاجئون الذين لم يجدوا سوى البحر رغم قسوته، ليحنوا عليهم من كوارث بلادهم، إلا أنه يركز على الجانب الأكثر إنسانية في حياتهم، سواء عن طريق أغنياتهم التي يتغنون بها لتعبر عن مآسيهم، أو عن طريق مباريات الكرة التي ينظمونها للترويح عن أنفسهم، أو حتى من خلال صلاواتهم ومناجاتهم إلى الله. فمثلًا أظهر الفيلم مشاعر الطبيب الذي يعالج المرضى من اللاجئين، ويحصي أيضًا جثث الموتى منهم، إلا أنه يقول على رغم تعوده تلك المشاهد، إلا أن قلبه يتمزق حيالها كل مرة يشاهدها فيها.

اقرأ/ي أيضًا: نسخة جديدة من فيلم "سكارفيس" يخرجها الأخوان كوين

الاختيار الذكي لاسم الفيلم "Fuocoammare" أو "حريق في البحر"، يحيل المتلقي إلى مستويات متعددة من التفسير والنظر إلى الفيلم، فحريق في البحر هي أغنية إيطالية تغني للبحر الهائج كي يهدأ، والتي طلبت "العمة ماريا" من المعد الخاص بالراديو ليذيعها، من أجل ابنها الذي يعيش في البحار، ذلك الأمر الذي يذكر "جدة صامويل" بأيام الحرب العالمية الثانية، والتي كان البحر حينها في حالة هياج دائم، ما يعيد إلى الأذهان صور الدماء التي تخضبت على شواطئ تلك الجزيرة، من المحاربين أو المهاجرين غير الشرعيين.

اعتمد فيلم حريق في البحر على استخدام هادئ للكاميرا، من خلال "كادرات" واسعة وحركات وزوايا بانورامية يغلب عليها الطابع الروائي

واعتمد الفيلم في شكله العام على استخدام هادئ للكاميرا، من خلال "كادرات" واسعة وحركات وزوايا بانورامية يغلب عليها الطابع الروائي، كما اعتمد من خلال أسلوب السرد على مجموعة من الخطوط التي تتنقل طوال أحداث الفيلم بشكل ديناميكي موزون، يجعل المتلقي في حالة من أخذ النفس على رغم فظاعة بعض المشاهد، كما أنه خلق حالة من التوازن في الحكايات بشكل كبير، وعلى رغم أهمية القضية الأكثر سخونة في الفيلم -قضية اللاجئين السوريين والأفارقة- إلا أن المخرج أعطى سكان الجزيرة الأصليين قدرًا من الاهتمام، ما يؤكد على الفكرة الأولى، بأن البطل الأساسي للفيلم هو الجزيرة بكل من عليها من بشر، سواء سكان أصليون أو لاجئون.

قد يكون الفيلم في ربعه الأول يغلب عليه طابع التشتت في عرض القصص، وذلك بسبب تعدد الحكايات وتنوعها، إلا أن ذلك أعطى للمتلقي حالة من الثراء في الشخصيات من حيث الأفعال والدوافع في الأجزاء الأخرى المتبقية من الفيلم، وهو ما جعل الفيلم يصعب تصنيفه ضمن الوثائقيات بشكلها التقليدي، وإنما هو خلطة إيطالية برائحة البحر المليء بالحكايات.

وحصل الفيلم على عدد من الجوائز الدولية، أهمها جائزة "الدب الذهبى" لمهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الـ66، كما أنه مرشح لجائزة أفضل "فيلم وثائقى" في جوائز الأكاديمية الأمريكية للسينما "الأوسكار" في دورتها الـ89.

اقرأ/ي أيضًا:
فيلم "مانشستر على البحر": ما نفقده ولا نعود بعده
أفضل الأفلام لمشاهدتها في شهر التاريخ الأسود