تهريب الأجساد الثقيلة من

تهريب الأجساد الثقيلة من "الاعتقال الكبير"

طرد الموريسكيين لـ فينسنتي موستر

لئن قسمت النظرة الأوروبية منذ قرون الفقراء، كما يقول ميشال فوكو إلى "الفقراء الأصحاء" و"الفقراء المرضى"، فالاختلاف بين "الفقير المعافى" و"الفقير المريض"، ليس اختلافًا في درجة البؤس، بل اختلاف في طبيعة البئيس، فالفقير الذي يستطيع العمل يعد عنصرًا إيجابيًا في المجتمع حتى وإن لم "يستثمر"، فإنها لم تدرس الطرف الآخر من البشر وهم الأقلية الأغنياء الذين تحولوا اليوم في غالبيتهم إلى عاطلين، لكنهم يتمددون على أسرة محشوة أموالًا وسبائك ذهب وبنادق ومسدسات.

صحيح أن التجارة الدولية تعطلت بشكل لافت في هذه الأيام بسبب ما أحدثه فيروس كورونا، هذا ما هو مثبت للجميع ولا يحتاج لتأكيد ولا لأدلة، بما في ذلك تجارة النفط، غير أنه، في المقابل، هناك أنواع تجارة أخرى موازية نشطت وهي ممنوعة بالقانون أو بتطور المدنية، كان البشر قد اعتقد أنه تخلص منها أو من بعضها إلى الأبد منذ قرون.

ينقسم البشر في أزمنة الأوبئة إلى أجساد سليمة وأخرى مصابة، الأجساد المصابة صارت موصومة بالعار

عادت هذه التجارة لتتشكل من جديد في تمظهرات جديدة لتذكرنا بأن الأزمات (حروب أم أوبئة أو ضعف الدولة) تعيد إنتاج نفس سلوكات الانسان الوحشي والغريزي، ومن هذه السلوكات الخارجة عن القانون؛ التهريب؛ تهريب الأجساد.

اقرأ/ي أيضًا: الاستثمار في الجوع وخطر التوحش

الأجساد الموبوءة والملعونة 

ينقسم البشر في أزمنة الأوبئة إلى أجساد سليمة وأخرى مصابة. الأجساد المصابة صارت موصومة بالعار. كانت في القرون الوسطى تطرد من المدينة وتغلق عليها الأسوار وتوصد في وجوهها البوابات، حتى جاء زمن الرقابة التي فككها ميشال فوكو متحدثًا عن السلطة فبنيت لها السجون والمشافي ومراكز العزل: الكارانتينا. لكن تلك الأجساد الموصومة أيضًا تنقسم إلى قسمين أجساد فقيرة وأجساد أصحاب المال، والثروة تلك هي الأجساد التي ستعمل على إفساد نقاء الفضاء بتلويث الفضاءات النقية. 

التهريب ومحاكم التفتيش 

عرف البحر الأبيض المتوسط، أثناء محاكم التفتيش بعد سقوط غرناطة، ظاهرة تهريب البشر، فكان مجموعة من اللصوص والمهربين يقدمون خدماتهم للمطرودين الذين رفضوا التنصر ووجدوا أنفسهم بين مطرقة محاكم التفتيش التي تطاردهم وسندان وأطماع المهربين وقطاع الطرق الذين يعرضون عليهم تهريبهم إلى شمال أفريقيا مقابل ممتلكاتهم. وكذلك الأمر مع اليهود في الحرب العالمية الثانية وهم يرضخون لابتزاز المهربين.

إن هذه "الأجساد المهزومة" كما يسميها الفيلسوف الفرنسي دافيد لو بروتون، إما بفعل الشيخوخة أو المرض أو الإعاقة، أو حتى التعب تصبح في مرمى الاتهام. يحاول المجتمع إخفاءها أو إبعادها بشتى الأشكال، فالبشر يختزلون في النهاية في وجودهم الفيزيقي وتتراجع هوياتهم الأخرى الثقافية والعلمية والعرقية والدينية وتفقد أهميتها. فقط يحددون عبر مقياس جديد؛ سليم أم عليل وحسب الجواب يتحدد مصيرهم، ويعاد تعريف تلك الأجساد تحت مسميات جديدة في الفضاء الاجتماعي: أجساد مطمئنة وأخرى أجساد مشبوهة وأجساد مسالمة وأخرى خطرة.

المال الفاسد والأجساد الملوثة

تحاول تلك الأجساد المشبوهة أن تستجير بالمال لحماية نفسها كتوفير حاجياتها والبقاء في البيوت، غير أن بعضها فاته ذلك الترف وأصبح وصولها إلى أماكن آمنة، منها بيوتها، أمرًا صعبًا فلاذوا أيضًا بالثروة لتحقيق مطالبهم التي تخرق النظام العام. فنشطت الأسواق السوداء لتهريب المصابين من الكارنتينات إلى بيوتهم، كما حصل مع رجل الأعمال التونسي مراد الخشين وزوجته من الحجر الصحي الإجباري بطريقة وصفت بالهوليودية والمافيوزية، فجسد الثري المريض لا يرضى بالعيش في حجر مع الأجساد الفقيرة المريضة.

تحاول تلك الأجساد المشبوهة أن تستجير بالمال لحماية نفسها كتوفير حاجياتها والبقاء في البيوت

كما رصدت الوحدات الأمنية والصحافة التونسية تهريب البعض الآخر، المنتمين لطبقة اجتماعية أقل ثراء من المناطق التي سميت بالموبوءة إلى المناطق الآمنة، كالذي حصل في جربة التي قامت شبكة تهريب نقل بعض سكانها المصابين، بمقابل، إلى ولايات أخرى آمنة بعد أن صنفت جزيرة جربة منطقة موبوءة.

اقرأ/ي أيضًا: "الموت الأسود" في أعمال كتاب ومؤرخي الشرق

من المفارقات العجيبة أنه في تونس مثلًا، تكشف الإحصائيات أن المحافظات التي مازالت نظيفة ولم يقتحمها الفايروس هي المناطق الأكثر فقرًا وتهميشًا، والتي يرفض رجال الأعمال والمستثمرين المشاركة في تنميتها، وبعث المؤسسات والمصانع بها. وكأن تلك المناطق المنسية تنتقم لنفسها من عقود التهميش والازدراء التي عاشتها. وأصبح حلم رجال الأعمال التونسيين المصابين اليوم أن يجدوا طريقًا للعيش في تلك المحميات الصحية، ولو بالاستعانة باللصوص والمهربين. فالأمان في ولاية سليانة المنعوتة بـ"الزيروـ ويت" (08)، وفي ولاية جندوبة واحدة مما سمي في السنوات البورقيبية، وضمن ثقافة التفرقة الجهوية، بالـ كا جي بي (kjb)، وتعني الكاف، جندوبة، باجة؛ الشمال الغربي التونسي المظلوم في كل الأنظمة السياسية، وليس في المنتجعات السياحية المتلاصقة في المناطق الأكثر حظًا في التنمية. وهو ما يأهل هذه القصص المتداولة إلى أن تكون مشاريع روايات بوليسية، وربما ينتعش بها أدب التحري العربي المحتشم في المستقبل بما وفرته هذه القصص من حبكات خيالية ابتدعها المهربون واللصوص ورجال الأعمال والمال.

أدب التهريب

قارب الأدب العربي والعالمي، والرواية تحديدًا، مناخات التهريب من زوايا مختلفة، فالرواية الإسرائيلية كما تابعها معين بسيسو تناولته لتثبت في الذاكرة العالمية معاناة اليهود في أوروبا وملاحقتهم من الفاشية والنازية، وتكسب مشاعر الاحساس بالذنب، كما تناولته الرواية العراقية والسورية والكردية في نقل بشاعة "داعش"، عبر وصف تهريب الأزيديات والمسيحيات المستهدفات من الإرهابيين، بينما تناول الروائي الأريتري حجي جابر في رواية "رغوة سوداء" موضوع التهريب في بحثه عن حلم يهود الفلاشا بالوطن الحلم والأرض الموعودة : إسرائيل ومعاناة الأفريقي في البحث عن عالم أفضل حتى في الجحيم، وكيف لم يجن من وراء ذلك إلا جحيمًا آخر في الأرض الموعودة، بينما تناوله الروائيون المغاربة للحديث عن الهجرة السرية إلى أوروبا كما هو الأمر في رواية "جهاد ناعم" للتونسي محمد عيسى المؤدب، أو من أفريقيا السوداء إلى شمال أفريقيا كما نجد عند رواية "كاماراد" للجزائري الحاج أحمد الصديق، ورواية "تيتانيكات أفريقية" للأريتري أبو بكر حامد كهال. وظهرت أعمال أخرى سورية وعراقية كثيرة تصف عمليات تهريب الأجساد السورية والعراقية إلى أوروبا عبر تركيا واليونان، وكيف يتعامل معهم قراصنة الطريق وملوك الثنايا: المهربون.

تبقى رواية إرنست همنجواي "يملكون ولا يملكون" الرواية العالمية الأعمق التي نقلت لنا عالم تجارة تهريب الأجساد

تبقى رواية إرنست همنجواي "يملكون ولا يملكون" الرواية العالمية الأعمق التي نقلت لنا عالم تجارة تهريب الأجساد، حيث يصف لنا الكاتب السقوط التدريجي للصياد الكوبي في تهريب الصينيين من كوبا إلى أمريكا، عبر زورق الصيد بعد أن كان يشترط على الوسطاء أن ينقل فقط أشياء لا تتكلم، أي لا تتقن أي لغة عند الاستنطاق في حالة القبض عليه بعد القيام بمهمته. "اسمعوني، لا يهمني من الرئيس هنا، ولكني لا أنقل أي شيء يقدر على النطق إلى الولايات المتحدة".

اقرأ/ي أيضًا: العزل في زمن كورونا وبحث الديمقراطية عن جمهور

ويقبل في النهاية بتهريب الصينيين. ويصف همنجواي فظاعة التعامل مع الجسد الصيني المهرب في توصيات الصياد صاحب المركب لعماله: "اسمع، سنذهب إلى باكورانا لنقل اثني عشر صينيًا. خذ عجلة القيادة حين أقول لك وأفعل ما آمرك به. سنأخذ الصينيين الإثني عشر ونحبسهم في الأسفل هناك إلى الأمام. تقدم الآن واربط البويب من الخارج".

ويعود في مقطع آخر إلى التوصيات: إذا حاول أي صيني الخروج من القمرة أو الدخول من البويب، عندما نكون قد انطلقنا في طريقنا، فخذ المسدس اضربه بالرصاص وهو يخرج. هل تعرف كيف تستخدم المسدس؟".

هي نفس سلوكيات المهربين الذين ينقلون اليوم السورين خارج الأرض السورية المحترقة بالقصف الدولي والوطني.

انخرطت السينما العربية والعالمية في معالجة هذه التيمة، ولعل أطرف معالجة فنية لعملية تهريب الأجساد مثّلها فيلم للمخرج والشاعر الفلسطيني خالد سليمان الناصري، ورفيقاه وأنتونيو آوغوليارو وغابريله دل غراندا. فيلم "أنا مع العروسة" حوّل معاناة اللاجئين إلى كوميديا سوداء عبر اختلاق حفل زواج لتهريب خمسة لاجئين.

قدّم الناصري صورة إنسانية من صور معاناة مجموعة من الفارين من الحرب وتمردهم السلمي على القوانين الجائرة للهجرة في أوروبا، تلك القوانين التي تُرفع بشكل راديكالي في وجه اللاجئين الهاربين من الموت في شبه حجر قطري لا يغادرونه.

إن الناصري في ذلك الفيلم يمتص غضب حتى مؤسسة الرقابة الأوروبية نفسها التي وضعت تلك القوانين، عندما يلعب معها في حس شعري ودونكيشوتي ساخر لعبة العبور العاطفي، فقد استبدل الناصري إكسسوارات الفارس النبيل في رواية دون كيخوته، والتي تشير في وجه من وجوهها إلى عدم نيته في إراقة الدماء بقدر ما تشي برغبته في استعادة قيم الفروسية في أشكال أخرى، بلباس العروسين، كما استبدل الناصري في حركة ذكية استعارة الوجه الحزين في دون كيخوته بالوجه السعيد الفرح وجه العروس.

أطرف معالجة فنية لعملية تهريب الأجساد مثّلها فيلم للمخرج والشاعر الفلسطيني خالد سليمان الناصري، ورفيقاه وأنتونيو آوغوليارو وغابريله دل غراندا

ولم يكتف الناصري، وبقية الفريق الإيطالي، بمعالجة الموضوع في السينما، بل جعلوا السينما نفسها تستغل نشاط التهريب نفسه لتنتج نفسها، ولتهرب اللاجئين لذلك ليس الفيلم مجرد تخييل وفن، بل هو فعل وممارسة في الواقع بإعادة النظر في التهريب كمهرب أخير لإنتاج المعنى والإنسانية عندما تتوحش المؤسسة، وتتصلب وتشيح بوجه للأيادي المستغيثة وراء الأسلاك الشائكة والبوابات.

اقرأ/ي أيضًا: الإنفلونزا الإسبانية.. حكاية "الوباء الشاحب" الذي عالجه العالم بالنسيان

استطاع فريق الفيلم عبر حيلة العرس إيصال خمسة لاجئين فلسطينيين وسوريين من ميلانو في إيطاليا إلى ستوكهولم في السويد، عبر فرنسا ولوكسمبورغ وألمانيا والدانمارك. كل ذلك تم في الفيلم وتم في الواقع بالتوازي، فالمتخيل ينتج داخل العمل الواقعي حتى إن الإخراج كان ثلاثيًا في ما يشبه قارب عصابة فعلية.

تبقى هذه الأجساد التي تناولتها الرواية العربية والعالمية والسينما، باستثناء تهريب اليهود في بداية الاحتلال الاسرائيلي لفلسطيني تنفيذًا لوعد بلفور، في أغلبها أجساد مصابة لكنها أجساد طيبة وحسنة النية ولا تحمل أي خطر على الآخرين، بينما تلك الأجساد الهاربة من الحجر الصحي اليوم بقوة المال أجساد شيطانية، تصنع ذلك الجحيم للآخر حسب عبارة جان بول ساتر، لذلك لم يتردد وزير الداخلية التونسي في اتهامها بالقتل غير المتعمد ومحاكمتها وفقًا لتلك التهمة. ولكن هذه هل السلطة قادرة، فعلًا، على التحكم في هذه الأجساد التي تطلق مع الموت الأوراق النقدية؟ ألم تصرح مسؤولة في وزارة الصحة أن بعض الشخصيات المهمة أخفت أنها أتت من مناطق موبوءة؟ وكيف أخفت ذلك لولا وجود تواطؤ بين هذه الشخصيات والمؤسسات المسؤولة.

وهل ستكتفي تلك الأجساد البغيضة بالرشوة طريقًا للنجاة أم ستستعمل وسائل أخرى منها السلاح؟

مهنة القتل

يتوقع غلاة المتشائمين أنه، إذا تواصل الأمر، فسيرفع السلاح لتأمين دخول المناطق الآمنة والاستيلاء عليها، وسيرفع السلاح في وجه السلطة وفي وجه الأهالي لأن هؤلاء الخارجين على النظام سيواصلون الخروج، وقد تسعى تلك الكائنات الجريحة لاحتلال الجزر البعيدة والمناطق المانعة عبر قوة السلاح وعبر الاستنجاد بالقتلة المأجورين والقراصنة ويكون العالم العاطل في مواجهة مهنة واحدة هي "مهنة القتل"، تلك المهنة المبشرة بواقع جديد سيخرجنا من حالة "الاعتقال الكبير" إلى حالة الخوف الكبير.

 

هوامش:

  •  الاعتقال الكبير: عبارة استعملها ميشال فوكو لوصف الاجراءات الأوروبية لضبط المرضى والمجانين في العصر الكلاسيكي
  •  مهنة القتل: عنوان رواية نوربرت جشتراين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أزمة الخطاب الإعلامي المرئي في زمن الكورونا

كورونا.. غرابة الاستجابة ودلالتها