الإنفلونزا الإسبانية.. حكاية

الإنفلونزا الإسبانية.. حكاية "الوباء الشاحب" الذي عالجه العالم بالنسيان

فتيات في اليابان (1920) يرتدين الكمامات وقاية من الإنفلونزا (Getty)

شاهدت في الأمس فيلم "Dunkirk" لينضم إلى مجموعة الأفلام الحربية التي لا تحصى عن الحربين العالميتين. لا أدري ونحن والعالم الآن في حرب مع فيروس طفيليّ مريع، لم اخترت فيلمًا عن الحرب، يتحدث عن واقعة ربما تبدو جزئية إبّان الحرب العالمية الثانية. في 90 دقيقة قرب قناة المانش، في البلدة الفرنسية التي تجمّع بها أكثر من 400 ألف جندي من قوات الحلفاء ومعظمهم من الإنجليز، حيث تعرضوا لحصار خانق من قبل قوات هتلر، وكانوا فريسة سهلة للقصف الجويّ الألماني. الفيلم لم يحك الكثير عن الحرب نفسها ولا عن مصيرها، لكنّه ينجح بامتياز بأنسنة تلك الحادثة، وحفر مكان لها في ذاكرة المشاهد.  لم يقل الفيلم شيئًا عن النصر، لا حوارات ولا رومانسية ولا أبطال خارقين، مشاهد متقنة من البر والبحر والجوّ، بتكثيف فني وموسيقي مؤثر، عن الخوف والشجاعة والرغبة في الحياة، حيث تصبح النجاة وحسب نصرًا يستحق الاحتفاء به وتخليده سينمائيًا.

الحرب العالمية الثانية حرب لم تنته بعد، سينمائيًا. ثمة أكثر من 1300 فيلم عن هذه الحرب، وأكثر من 50 فيلمًا أنتج عنها من مطلع العام 2010 حتى اليوم

يبدو أن الحرب العالمية الثانية حرب لم تنته بعد، سينمائيًا. ثمة أكثر من 1300 فيلم عن هذه الحرب، وأكثر من 50 فيلمًا أنتج عنها من مطلع العام 2010 حتى اليوم.  في المقابل، هنالك كارثة عالميّة فتكت بالبشر مطلع القرن العشرين، وراح ضحيتها حوالي 100 مليون إنسان، أي أكثر من ضحايا الحرب العالمية الأولى والثانية مجتمعتين، إلا أنه لم يكتب عنها بالقدر ذاته، ولم ينتج حولها الكثير من الأفلام. تلك هي جائحة الإنفلونزا الإسبانية بين العامين 1918-1919.

كان العالم في خريف العام 1918 بالكاد التقط أنفاسه من قتل البشر للبشر، في الحرب العالمية الأولى التي تركّزت في أوروبا وبعض مناطق الشرق الأوسط. قضت آلة الحرب الحديثة حينها على أكثر من 20 مليون إنسان. لكن المقتلة استمرت، بشكل آخر صامت ومسكوت عنه، عبر وباء قضى على خمسة بالمئة من سكّان الأرض تقريبًا، بنسبة وفاة بلغت 2.5%، أي أنها ليست بعيدة عن نسب الوفاة التقديرية بفيروس كورونا الجديد الذي ينشغل به العالم حاليًا.

قصّة الإنفلونزا الإسبانية

في كتابها الفريد عن الإنفلونزا الإسبانية (Pale Rider: The Spanish Flue of 1918 and How it Changes the World)، تسرد "لورا سبيني" (Laura Spinny)، قصة هذا الوباء، الذي حيّر الأطباء لوقت طويل، لكنّه يحيّر المؤرخين حتى اليوم. تشتكي لورا في الكتاب من غياب معرفتنا بحكايا الإنسان الذي واجه تلك الكارثة، وضعف الاهتمام التاريخي العام والفنيّ والسينمائي بإحياء تفاصيل عن تاريخ المرض دفنت مع الجثث المكدّسة لضحاياه.

يبدأ كتاب لورا سبيني بحديث عام عن الأوبئة في العالم القديم، حين لاحظ أبقراط في العام 412 قبل الميلاد انتشار سعلة حادّة بين الناس، وجفاف في الحلق، وآلام في الجسد، وصعوبة في البلع، وضعف في الساقين، وعشى في الليل. كانت هذه "السعلة" أول توثيق مكتوب لما يعتقد بعض المؤرخين بأنها كانت "إنفلونزا". وكان أبقراط أول من استخدم كلمة "epidemic" (بأصلها الإغريقي الذي يعني "على الناس" والمؤلف من مقطعين، epi بمعنى "على"، وdemos، أي الناس/الشعب).

وتلاحظ الكاتبة بعدها أمرًا أساسيًا في تعقب تطور الأوبئة، فتقول: " الحديث عن انتشار المرض [بحيث يشكّل وباء] يفترض أصلًا أن الناس يعيشون بشكل قريب من بعضهم [في مجتمعات مستقرة نسبيًا]." وهي ملاحظة مبدئية هامّة، باعتبار أنّ البشر لم يعيشوا دائمًا متقاربين معًا في مجتمعات مغلقة أو مدن مسوّرة. لقد بدأ الاستقرار والاستيطان مع اكتشاف الزراعة وجمع الماشية في مراعٍ مغلقة، والاعتماد على الأرض والماشية في إعالة المزيد من المواليد وجذب الآخرين للاستيطان والاستقرار. ومع تطور المجتمعات حول الأراضي الزراعية بدأت تظهر الأمراض السارية، مثل الحصبة والجدري والسل والإنفلونزا وتقدّم تفسيرات لظهورها وارتباطها بتربية الماشية والطيور في المجتمعات الجديدة.

ليس معلومًا على وجه التحديد متى تفشّى أول وباء إنفلونزا بين البشر، لكنّه لن يكون قبل أكثر من 12،000 عام، وعلى الأرجح حصل قبل حوالي 5000 عام، بعد إنشاء أول المدن المسورة، حيث الظروف الأمثل أمثل لانتشار المرض، ويمكن بحسب ما ورد في الكتاب أن يكون قد حصل أول مرّة فيما يعرف الآن بالعراق، في الوركاء، أو "أوروك" السامريّة على ضفاف نهر الفرات والتي كانت أكبر مدينة في العالم قبل 5000 عام.

الإنفلونزا اللعينة، ومنذ أن ناصبت الإنسان العداء قبل آلاف السنوات، أدّت دورها الحاسم في تشكيل تاريخ البشر، ويبدو أن فكرة عيش البشر في "قرية واحدة" ترتبط بالخوف من الموت والوباء أكثر من أي ادّعاء آخر، بحسب أبيقور الذي قال يومًا "يمكن للإنسان أن يكون في مأمن من كل شيء سوى الوباء، فأمامه يعيش كل البشر في مدينة لا أسوار لها". فهي التي أجهدت بلاء جيوش روما أثناء حصار سيراقوسة عام 212 قبل الميلاد، كما تفشت بين جيوش شارلمان في القرن التاسع للميلاد، وعرفت باسم "الحمّى الإيطالية". لكن أول وصف موثوق لهذا الوباء في أوروبا كان في القرن السادس عشر، حين قضت الانفلونزا في العام 1557، في الفترة القصيرة التي حكمت بها ماري "الدمويّة" عرش إنجلترا، على أكثر من سدس رعاياها.

ومع نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، بدأت رحلات اكتشاف "العالم الجديد"، وراح الأوروبيون ينقلون أمراضهم إلى مجتمعات ليست لديها مناعة منها، وتعرضت أعداد كبيرة من السكان الأصليين لأشكال مختلفة من الموت، من بينها أوبئة الحصبة والإنفلونزا، والتي صارت تعرف باسم "الأمراض الاستعمارية" (Imperia Diseases)، ما دفع عديد المؤرخين ليعيدوا النظر في دور الأوبئة كفواعل مهمّة في تشكيل تاريخ العالم الحديث. ففي كل صراع حصل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت الأوبئة تحصد من الأرواح أكثر بكثير مما تحصد الحروب والنزاعات، وتأكّد ذلك بعد تفشي الإنفلونزا الإسبانية التي راح ضحيتها أكثر من 100 مليون إنسان حول العالم.

ورغم أن فكرة القضاء على الأوبئة المعدية تبدو طموحًا سخيفًا في نظر العلماء اليوم، إلا أنّ الأمر لم يكن كذلك مطلع القرن العشرين، مع نشوة الإنسان الغربي بكل ما اخترعه وطوّره، وتزايد الثقة بعلم الجراثيم والميكروبات، خصوصًا في منتصف القرن التاسع عشر، بعد اكتشاف العالم الألماني روبرت كوخ أن مرض "السل"، مرض الشعراء والفنانين، لم يكن وراثيًا حسب الاعتقاد السائد وقتها، بل ناجم عن تلوث بكتيري، وما حصل بعدها من زيادة الوعي بشأن النظافة والتعقيم وتنقية مياه الشرب وتطوير اللقاحات.

لكن للفيروسات قصّة أخرى مختلفة عن البكتيريا، إنها السمّ بذاته حسب الأصل اللاتيني للكلمة، وحين اكتشف عالم النبات الروسي، دميتري ايفانوفسكي، هذا الكائن أول مرة عام 1892، لم يكن قد رآه، وإنما تكهّن بوجوده حين اكتشف أثناء دراسته لمرض ما في نباتات التبغ أن المرض ناجم عن عامل معدٍ أصغر من أصغر بكتيريا معروفة للبشر، أصغر من أن ترى بما توفر حينها من أدوات. في ذلك العام نفسه، تفشّت "الإنفلونزا الروسية" في أوروبا، لكنّ فكرة "الفيروس" لم تكن تشغل حيزًا كبيرًا في تفكير العلماء، واستمر الاعتقاد بأن هذه الانفلونزا بكتيرية، ولم يفكّر أحدهم بأنها ناجمة عن فيروس خارج نطاق ملاحظتهم الموضوعية. وحتى العام 1918، حين تفشت الانفلونزا الإسبانية الفتّاكة، لم يكن أحد قد رأى الفيروس بعد ولا طوّر فحصًا لاكتشافه. كان الناس عمومًا ينظرون إلى الأوبئة كما ينظرون إلى الزلازل، باعتبارها "نوازل" سماويّة تقع لحكمة إلهية لا يدركها البشر. في ذلك العام، كانت الحرب الأولى قد أوشكت على الانتهاء. ولم يكن الموت ضيفًا غريبًا على الناس، وربما كانوا لا يخافون منه كما نفعل نحن اليوم. متوسط الأعمار بالكاد يصل الخمسين، ونسبة الأطباء بالنسبة لأعداد السكّان لا تكاد تذكر. فتكت الإنفلونزا الإسبانية بعشرات الملايين من البشر، وكان النسيان سبيلًا للتعافي الجمعيّ بعد مواجهة مريرة لم يعرف الإنسان فيها طرفًا ثانيًا ادّعى النصر.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

وباء كورونا وإعادة التفكير في سياسات الطوارئ

كورونا من منظور أوروبي.. أسئلة الوحدة والتفكك