تعلم العربية من الثورة المصرية (2 - 4)

تعلم العربية من الثورة المصرية (2 - 4)

منير فاطمي/ المغرب

هذا هو الجزء الثاني من أربعة أجزاء لمقال مترجم، تم نشره في مجلة "نيويوركر" للصحافي بيتر هيسلر. المقال يتناول تجربة الصحفي في تعلم اللغة العربية خلال خمس سنوات له ولعائلته، واكب خلالها الثورة المصرية، والحالة السياسية والثقافية والاقتصادية لمصر، مرورًا بحكم الإخوان المسلمين وانتهاءً بتولي السيسي لرئاسة مصر.


في جميع أنحاء شمال أفريقيا، اللغة، وليس الدين أو القوة العسكرية، شكلت أقوى رابطة في الإمبراطورية الجديدة. تنبه المواطنون لفائدة التحدث بلسان العرب، الذين نادرًا ما تعلموا لغات أخرى، والذين كانوا أكثر تسامحًا من الحكام السابقين. قال لي فيرستيغ، وهو عراقي هولندي ومؤلف كتاب "اللغة العربية"، مؤخرًا: "بالنسبة إلى سكان المقاطعات في الشرق الأدنى، كان الإمبراطور البيزنطي هو الشخص الذي يقوم بفرض الضرائب واضطهاد الهراطقة". "لم يكن هناك حب يمكن خسرانه بينهم وبين البيزنطيين"، وأضاف: "وكان للعرب على غيرهم ميزة عدم الاهتمام بالإيمان الدقيق للمسيحيين. لم يهمهم ما إذا كانوا نسطوريين أو أريسيين أو أيًا كان- طالما يدفعون ضرائبهم، كان يتركون في سلام".

أصبحت العربيةُ اللغةَ التي اكتشف الغربيون من خلالها الأعمال اليونانية في الطب والعلوم

اقرأ/ي أيضًا: تعلم العربية من الثورة المصرية (1 - 4)

وبسبب هذه الديناميكية، انتشرت اللغة العربية أسرع بكثير من الإسلام، ولعبت اللغة دورًا حاسمًا في المنح الغربية. في أوائل القرن التاسع، شجعت مدرسة المعتزلة في اللاهوت الإسلامي على النقد العقلاني للإيمان وغيره من الموضوعات، كما بحث العرب أعمال الإغريق القدماء. كان من الصعب العثور عليها في الغرب، لأن الرومان، الذين قرأوا اليونانية بسهولة، لم يترجموا معظم الكتب إلى اللاتينية. بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، اختفت القدرة على التحدث باللغة اليونانية بسرعة في أوروبا الغربية، وهكذا ضاعت معرفة الكلاسيكيات لعدة قرون.

حتى في بيزنطة لم تكن هذه الأعمال ذات قيمة عالية. وأفاد العرب أنهم وجدوا الكتب اليونانية في حالة سيئة، من وجهة نظرهم، حيث لم يحترم البيزنطيون تراثهم. كان للمسلمين كلاسيكيات ترجمت إلى طبعات عربية، والتي أصبحت في متناول أوروبا الغربية في أواخر القرن الحادي عشر، بعد أن بدأ المسيحيون استعادة شبه الجزيرة الإيبيرية. وسرعان ما أصبحت العربيةُ اللغةَ التي اكتشف الغربيون من خلالها الأعمال اليونانية في الطب والعلوم والفلسفة. في جامعة باريس، دعا علماء الطب أنفسهم "أرابيزانتيس"، وبعض المصطلحات الحديثة لدينا تم تصفيتها أصلًا من خلال اللغة. كمصطلحات "الشبكية" "والقرنية" التي دخلت الإنجليزية من الترجمات اللاتينية ، هذه الكلمات العربية التي كانت هي نفسها تترجم من النصوص اليونانية.

عندما تمر الأفكار المعقدة عبر عدسات اللغة الكثيرة ، فإن التشوهات  تصبح بدًا لا مفر منه. في نهاية المطاف، اكتشف العلماء الغربيون العلوم الكلاسيكية في بيزنطة، تعلموا اليونانية، وادعوا أن العديد من الترجمات كانت معيبة. وبحلول ذلك الوقت، كان العقلانية في مدرسة المعتزلة قد حلّ محلها تفسيرات أكثر عقائدية للإسلام. ونظر علماء عصر النهضة إلى العرب باعتبارهم مضيعين للنصوص الكلاسيكية، وليس محافظين عليها. كما تغيرت الدوافع لتعلم اللغة العربية، والآن يتعلم الغربيون العربية في المقام الأول لتبشير المسلمين، ومحاولة تحويلهم إلى المسيحية.

الآن يتعلم الغربيون العربية في المقام الأول لتبشير المسلمين، ومحاولة تحويلهم إلى المسيحية

في كثير من الأيام، ليزلي وأنا كنا الطلاب الوحيدين في درس "كلمات". بعد الربيع العربي، كانت هناك موجة من الاهتمام الأجنبي باللغة العربية، وكانت المدرسة مكتظة في السنة الأولى. ولكن بعد ذلك تدهور المناخ السياسي المصري، وألغيت برامج الصرف الأجنبي. بحلول ربيع عام 2013، كان رفعت في كثير من الأحيان مستاءً. وكان قد أسّس برنامج كلمات مع أحد أشقائه، ورفض الإخوان المسلمين، الذين فاز مرشحهم محمد مرسي في أول انتخابات رئاسية ديمقراطية في التاريخ المصري. وبصفته ناصريًا، عزا رفعت ظهور الإسلاموية إلى أنور السادات، الرئيس الذي خلّف ناصر.

اقرأ/ي أيضًا: هل من "صحافة لغة" في العالم العربي؟

"في عهد عبد الناصر، كان عدد قليل جدًا من النساء يرتدين الحجاب". كان رفعت يحمل حنينًا كبيرًا لحقبتي الخمسينات والستينات، ويبدي موافقته على قمع ناصر القاسي للإسلاميين. وفي عهد ناصر، أعدمت الحكومة سيد قطب، وهو عضو في جماعة الإخوان ومنظر للجهاد، حيث ألهمت وفاته أجيالًا من الإسلاميين. بعد وصول السادات إلى السلطة، في عام 1970، حاول اتباع النهج المعاكس، حيث سعى لاستيعاب الإخوان وغيرهم من الإسلاميين. ووفقًا لرفعت، فإن ذلك لم يشجع المصريين إلا على أن يصبحوا أكثر تدينًا. خلال ربيع عام 2013، عندما اشتبك الرئيس مرسي مع العديد من مؤسسات البلاد، وصل رفعت في كثير من الأحيان إلى الصف يحمل قوائم من العبارات المريرة بالنسبة لنا مثل:
أنا لست في مزاج جيد.
لقد وضعني في مزاج سيئ.
ارني الحقيبة الجديدة التي اشتريتها أمس.
هل أنت حقًا غبي أم أنك تجيد التمثيل بأنك غبي؟

رفعت يفضل تصميم مواد جديدة للفصل، لكني كنت أصر على أن ننتهي من "دردشة" أولًا. لقد أحببت دائمًا كتب اللغة - واحدة من بهجات الدراسة كشخص بالغ هو أنه يمكنك تقييم المضامين الخاصة باللغة محل التعلم. في منتصف التسعينيات، عندما بدأت الإصلاحات الاقتصادية في الصين في النمو، كنت قد عملت في مقاطعة سيتشوان، حيث درست كتابًا من إنتاج الحكومة بعنوان "تحدث الصينية عن الصين". في النص، الجملة الأساسية التي ظهرت في الفصل 3 ("هو يعمل بجد في وظيفته") أصبحت أكثر تعقيدًا في الفصل 4 ("الجميع يعملون بجد، ونتيجة لذلك، تضاعف الناتج") ثم وصلت إلى آفاق جديدة من التطور في الفصل 5 ("نحن ندرك أنه فقط من خلال تطوير الإنتاج يمكن أن نرفع مستوى معيشة الشعب "). كان هذا واحدًا من الدروس الصينية الأكثر فائدة: فمن الممكن مواكبة التعقيد المتزايد مع تكرار نفس الأفكار البسيطة مرارًا وتكرارًا. قواعد النحو بمثابة نوع من التوابل، على غرار الطريقة التي يستخدم فيها المطبخ السيتشواني النكهات القوية لخلق وجبات لذيذة لا تحتوي في الواقع إلا على القليل من اللحوم.

وبعد خمسة عشر عامًا، دخلت عالم "دردشة"، الذي كتبه مصطفى مغازي، وهو لغوي مصري في جامعة ويسترن ميشيغان. بعد الصينيين، كتاب المصريين بدا غير ملهم بشكل ملحوظ في مواضيع التنمية. ولم تكن هناك لا حصص إنتاج، ولا خطط اقتصادية، ولا مشاريع للبنية التحتية. لم تظهر كلمة "المصنع" في الكتاب. في الكتاب الناس يقولون أشياء مثل "يا حج، أنا مهندس وبعد خمس سنوات من الدراسة الجامعية، أعمل نادلًا في مطعم". بينما كان الكتاب الصيني آسرًا لقراءه الأجانب، متنجنبًا ذكر أي شيء سلبي عن الصين، لم يكن النص المصري خجولًا من السلوك السيئ. حتى أنه شمل عينة من محادثة عن اتصالات مشبوهة بأرقام خاطئة. من وجهة نظري، كانت آداب استخدام الهاتف واحدة من الأسرار الأبدية للحضارة المصرية. ليزلي وانا قمنا باستقبال مكالمات لا حصر لها من أناس يطلبون غرباء، أو يطلبون أشياء غريبة، أو لا يقولون شيئًا على الإطلاق.

في الغالب، "دردشة" كانت مليئة بالجمل، الحديث والضحك، المشاحنات والمزاح، منها السخية ومنها السخيفة. حيث يمكن للأزواج أن يتصرفوا أسوأ من الأطفال:
علي: ماذا سيكون طعام الغداء اليوم؟
فاطمة: دجاج محشي، بالطريقة التي تحبها.
علي: أنا لا أريد الدجاج. كل يوم، نأكل الدجاج.
فاطمة: حسنًا، ماذا تريد، علي؟
علي: لا أعرف. ولكن لا أريد الدجاج.
فاطمة: غدًا بإذن الله، سأطهو لك ما تريد.

كانت آداب استخدام الهاتف واحدة من الأسرار الأبدية للحضارة المصرية

كما أن الكتاب لم يكن خجولًا من تحديات حياة القاهرة. وعرض التوتر الشرطي مع الجمل كعينة مفتوحة:
لو كنت أعرف فقط من المتصل على الهاتف كل يوم.
لو كنت فقط أرى الطفل الذي يرن جرس الباب ويهرب.
لو كنت أعرف أي من الجيران يستمع إلى الموسيقى الصاخبة طوال الليل.

اقرأ/ي أيضًا: هل اللغة العربية بالمغرب في مهب الريح؟

وكان أحد التمارين بعنوان "أنت عصبي" يتطلب "العمل في أزواج والطلب من شريك الحياة الإجابة عن الأسئلة التالية لمعرفة ما إذا كان لديه/ها شخصية مزاجية أم لا":
لديك موعد مع صديق في الساعة الخامسة. في الساعة السادسة صديقك لا يزال غير موجود. هل تغضب وتترك المكان؟
كنت على شبكة الإنترنت وفي كل مرة يرن الهاتف والرجل نفسه يدعي أنه رقم خاطئ. هل تغضب؟

بالنسبة لرفعت، كان الجواب دائمًا: نعم. كان أكثر شخص عصبي عرفته، على الرغم من أنه من الصعب ترجمة كلمة محددة جدًا في التجربة المصرية. إن اللغة الإنجليزية "السلبية" تفتقر إلى السياق، يبدو من غير العدل وصف شخص ما بصفة "عصبي" دون نقل كل شيء في مصر قد يجعل من الشخص "عصبيًا". ولعله من الأفضل القول إن هذه الكلمة تصف الرجل الذي يدرس اللغة العربية من خلال مطالبة طلابه بترجمة ما يلي: "يبدو أنه لا أحد في هذا البلد يعرف كيف يحتفل بدون ميكروفون وخمسة مكبرات صوت".

بالنسبة لرفعت، كان إعداد المواد الصفية مصيبة بحد ذاته. فقد وصل كل صباح بحماس لدرس جديد حول الفقر، أو الاغتصاب، أو الأطفال الذين تم تجنيدهم في الحلقات الإجرامية. وقام بتصميم رسومات شخصية صغيرة مدمرة بدأت بأحكام مثل "فريد عامل كسول جدًا لا يحتفظ بتعييناته؛ هو دائما متأخر". مرة ، درسنا مقابلة مع زوجة الرئيس سوزان مبارك، قبل الثورة. في المقابلة سألت سوزان عن ما تتناوله على طعام الغداء "في الواقع، أنا لا تناول الغداء، ولكن إذا كنت سأفعل فسأكتفي بأكل وجبة صغيرة من الفاكهة"، وعن العشاء قالت "أنا عادة لا أتناول العشاء على الإطلاق، ولكن إذا حدث ذلك، فسيكون مجرد كوب من عصير الفاكهة". في الوقت الذي انتهينا فيه من هذه المحادثة، كانت عيون رفعت تومض: "سرق هؤلاء الناس ملايين الدولارات، ولكن كل ما تأكله هو الفاكهة!".

يبدو أن الانتحار قد أصبح ظاهرة منتشرة في مصر الآن أكثر منها في أيام عبد ناصر

في صباح أحد أيار/مايو 2013، درسنا الانتحار. وبحلول ذلك الوقت، كانت قد تبلورت الاحتجاجات ضد مرسي في حركة تسمى نفسها "تمرد". وفي الشهر التالي، نظمت "تمرد" احتجاجًا هائلًا أسفر عن انقلاب عسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع. في الصف، قمنا بتجميع قائمة من الكلمات التي تعلمناها فكانت "السم"، "إطلاق النار"، "الإحباط"، "الاكتئاب"، "القمع". أوضح رفعت أن الانتحار لم يكن ظاهرة شائعة في مصر، ولكن الآن يبدو أنه أصبح ظاهرة منتشرة أكثر من أيام عبد ناصر. وادعى أنه من المستحيل فعليًا الانتحار بعد الاستماع إلى أم كلثوم. وعلى أية حال، فإن رفعت لن يفعل ذلك أبدًا حيث كان يقول: "الموت سيأتي على أي حال". وأضاف: "إنه قريب بما فيه الكفاية".

اقرأ/ي أيضًا: مصر "بتتكلم أجنبي".. اللغة تتبع المنتصر

وأضاف أنه من الجبن الانتحار بأول أكسيد الكربون. إذا كان سينتحر فإنه سوف يفعل مثل كليوباترا، سيموت بلدغة من كوبرا، هذه الكلمة هي نفسها في اللغة العربية والإنجليزية، مع الجذور اللاتينية المشتركة. أنهى الصف بتسليمنا سلسلة جديدة من الرسومات، بعنوان "ضحايا النظام":

"عندما كان إبراهيم طالبًا في المدرسة الثانوية يبلغ من العمر 16 عاما كان يسير بشكل جيد في المدرسة وكان يتمتع بثقة كاملة من عائلته وحرية المجيء والذهاب كما يحلو له. صداقته مع المعلم زادت من ثقة عائلته به. وكان إبراهيم فخورًا جدًا بصداقته هذه، حتى أنه عندما طلب منه معلمه المساعدة على سرقة شقة فتاة رفضت الزواج منه، لم يتردّد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عبدالله العلايلي.. من فقه اللغة إلى فقه الدين

الأدب الأفريقي ومسألة اللغة