مصر

مصر "بتتكلم أجنبي".. اللغة تتبع المنتصر

ترتفع مصاريف المدارس الأجنبية لتصل إلى الدفع بالجنيه الاسترليني (خالد دسوقي/أ.ف.ب)

يسوق الانتصار اللغة عمياء إلى حيث يريد فيفرض عليها شروطه وثقافته وشروط قبوله وحيثياته ومن ثم يملي شروطه على العالم. لذلك من الطبيعي للأسف في بلد عربي مثل مصر أن تجد اللافتات وأسماء المحلات والمكتبات باللغة الأجنبية، ثم تجد رفضًا مجتمعيًا معلنًا لاستخدام اللغة العربية في أي مما سبق. ما الذي يهمنا من تعلم اللغة؟ وهل يجب أن نتقنها وكأننا أهل البلد؟ هل يجب أن نتخفى من لكنتنا التي تفضح هوياتنا؟ وماهي الاختيارات المتاحة في هذا الشأن؟

يتم في المدارس الأجنبية ترتيب مقابلة مع أولياء أمور الطالب للتأكد من مستواهم الاجتماعي ومدى ملائمته للمدرسة وإن لم يفصح عن ذلك صراحة

النظرة العامة إلى اللغة الأجنبية.. "التابوهات"

ترتبط اللغة الأجنبية في المدارس العربية بالوجاهة أكثر منها بالمادة العلمية. على سبيل المثال، انتشرت المدارس الأجنبية في مصر لأغراض دينية وتبشيرية ثم اتخذت منحى علماني فيما بعد مع الاحتفاظ بتدريس المحتوى الديني حسب الطائفة.

تدفع أحيانًا مصاريف المدارس الأجنبية في مصر بالعملة الصعبة، ويتم خلال مقابلة مع أولياء أمور الطالب التأكد من مستواهم الاجتماعي ومدى ملائمته للمدرسة وإن لم تفصح المدرسة عن ذلك صراحة، إذ إن السبب المعلن لتلك المقابلة هو اختبار التلميذ "المسكين" ذي الأربع سنوات، للتأكد من كونه يجيد العد والأرقام والحروف والألوان والتعريف بنفسه باللغة الأجنبية!

ترتفع مصاريف تلك المدارس لتصل إلى الدفع بالجنيه الاسترليني، إذ هناك مدارس تصل مصاريفها إلى تسعة آلاف جنيه استرليني. والمقولة الأشهر إنه كلما زادت المصاريف كان مستوى التعليم أفضل. والحال ليس أفضل بالنسبة للجامعات. في مصر، يوجد عدد كبير من الجامعات الأجنبية ومنها الجامعة الكندية والجامعة الألمانية والجامعة البريطانية، ويدرس المنهج باللغة الأجنبية في معظم تفاصيله والحجة المعلنة هي تأهيل الطالب لسوق العمل داخل وخارج مصر.

خارج أسوار المدارس والجامعات

خارج أسوار الجامعة والمدرسة ومحاضن الأطفال، هناك المراكز الثقافية التي تلقى إقبالًا ضخمًا يفسره الواقع الاقتصادي والسياسي المهزوم، ترتفع أسعار دورات اللغات الأجنبية، والمعايير المصاحبة لتدريسها بالتالي ويبقى الإقبال في تزايد مستمر رغم كل شيء.

يركز التدريس في جُل هذه المراكز على التواصل، الذي تركز عليه نظريات تدريس اللغة الحديثة، ويسمى بالمنهج التواصلي الذي يضع التواصل كنواة للتدريس، ويجعل الطالب أساس العملية التدريسية، ويهمش إلى حد كبير دور المدرس، ويركز على النشاطات المشتركة، واللعب والأدوات وكل ذلك يجذب الطالب إلى تعلم اللغة الأجنبية، بينما تفتقد اللغة العربية إلى مقاربات خلاقة في طرق تدريسها، التي اعتمدت أغلب الوقت على المنهج التقليدي الذي يركز على النحو والتحفيظ والقراءة المباشرة كما في طريقة الكتاتيب القديمة.

تفتقد اللغة العربية إلى مقاربات خلاقة في طرق تدريسها، التي اعتمدت أغلب الوقت على المنهج التقليدي الذي يركز على النحو والتحفيظ

القواميس كذلك من الأدوات الدالة على الاهتمام بتطوير تدريس اللغة، فبينما يأبى القائمون على قواميس اللغة العربية قراءة الواقع وتقديم حلول عملية تجعل اللغة قريبة من "الجديد"، راسلت الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية صاحب سلسلة المحلات الشهيرة "ميشلان" لإطارات السيارات المعروفة لتستأذنه في إدراج كلمة ميشلان رسميًا في قاموس اللغة الإسبانية لشيوع استخدامها بين الإسبان، لوصف الشخص البدين صاحب الترهلات في جسمه كله. وقد وافق الرجل وقبل دخول التاريخ.

مكانة اللغة الأجنبية كما يفترض لها أن تكون

سنكون مرتاحين أكثر لو تعاملنا مع اللغة الأجنبية كما يتعامل الفرنسي مع اللغة الإنجليزية مثلًا: "أنا غريب وهذه لغة غريبة لن أخفي لكنتي ولن أنطق مثل أهل البلد لكن نطقي سليم وتراكيبي منطقية وسليمة أيضًا". كل الأجانب الذين قابلتهم في مدرسة المترجمين في توليدو بإسبانيا، كانوا يتعاملون مع اللغة الأجنبية بسلاسة ومرونة لن تجدها عند بعض العرب، الذين يتعامل أغلبهم معها بشغف يتسم في بعض الأحيان بالدونية والتخاذل. المشكلة لها جذور نفسية عميقة، ترتبط غالبًا بالبيئة والمنشأ والقدرة على التلاؤم دون ضغط.

الحلول الأقرب للدارسين تبدأ بالحلول النفسية، ولا تنتهي فقط عند حدود قراءة التعليم الأجنبي من منظور مؤامراتي على الدين أو الهوية، ففي مقابل كل هذا التطوير والعلم الذي يحتويه وعاء اللغة الأجنبية نجد وعاء العربية فارغًا من التطوير والإبداع والإقبال عليه.. لأن اللغة تتبع المنتصر. 

اقرأ/ي أيضًا:

السودان.. اغتراب طلبة المدارس الأجنبية

عن تجربة المدارس المختلطة بين الجزائر وفرنسا