ترامب يثير أزمة سد النهضة مجددًا.. هل تلجأ القاهرة إلى الخيار العسكري؟

ترامب يثير أزمة سد النهضة مجددًا.. هل تلجأ القاهرة إلى الخيار العسكري؟

جددت تصريحات ترامب أزمة سد النهضة (Getty)

الترا صوت – فريق التحرير

لا تزال تداعيات تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي حذر فيها من تفجير مصر لسد النهضة الكبير إذا ما استمر الخلاف مع الجانب الإثيوبي حول بعض الشؤون الفنية والقانونية تحظى بتفاعل إقليمي واسع من جهة، لكنها على الجهة الأخرى قد تكون ساهمت بعودة الأطراف الثلاثة المعنيين بأزمة السد إلى طاولة الحوار مجددًا، بعد توقف يزيد عن ثلاثة أشهر.

لا تزال تداعيات تصريحات دونالد ترامب التي حذر فيها من تفجير مصر لسد النهضة الكبير إذا ما استمر الخلاف مع الجانب الإثيوبي، تحظى بتفاعل إقليمي واسع 

وبرزت تصريحات الرئيس الأمريكي عندما أشارت تقارير إعلامية إلى أن ترامب أبلغ رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك خلال اتصال هاتفي بأن الإثيوبيين "توصلوا إلى اتفاق حول السد، لكنهم خرقوا الاتفاق ولا يمكنهم أن يفعلوا ذلك"، قبل أن يضيف ملمحًا إلى أن "الوضع خطير جدًا، وأن مصر لا تستطيع أن تستمر على هذا الحال وسينتهي بهم المطاف إلى تفجير السد".

اقرأ/ي أيضًا: توقف مفاوضات سد النهضة.. طور جديد من الأزمة؟

وتقاطعت تصريحات ترامب مع حديث المسؤولين المصرين الذي عبروا فيه بشكل غير مباشر عن أن احتمال قصف أي سد تشيده أديس أبابا على نهر النيل الأزرق يظل قائمًا، فقد كتب وزير الموارد المائية والري المصري عبر حسابه الرسمي على منصة فيسبوك للتواصل الاجتماعي مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي أوضح "موقف القيادة المصرية من سد النهضة، وعدم قبولها للمطالب الإثيوبية، واستعدادها للتدخل العسكري للحفاظ على أمننا المائي".

في موازاة ذلك، قالت وزارة الموارد المائية والري المصرية إن اجتماعًا على مستوى وزراء الخارجية والموارد المائية والري للدول الثلاث عقد يوم الثلاثاء، برئاسة وزيرة خارجية جنوب إفريقيا، وبمشاركة مراقبين من أعضاء هيئة مكتب الاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، من أجل التباحث حول كيفية إعادة إطلاق المفاوضات حول السد الإثيوبي.

ووفقًا لبيان الوزارة المصرية فإن القاهرة أكدت خلال الاجتماع على أهمية تنفيذ مقررات اجتماعات هيئة مكتب الاتحاد الإفريقي، بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد الإثيوبي، يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث، ويؤمن مصالحها المائية، ومن المتوقع أن يوجه الجانب السوداني الدعوة لعقد اجتماعات تمتد لمدة أسبوع لاستكمال تجميع وتنقيح مسودة الاتفاق، التي كانت الدول الثلاث قد بدأت في إعدادها خلال جولة المفاوضات الأخيرة.

من جانبها جددت السودان تأكيدها على تمسكها بالعملية التفاوضية كوسيلة وحيدة للتوصل لاتفاق بشأن أزمة السد يرضي جميع الأطراف، قبل أن تؤكد تحفظها على مواصلة المفاوضات بنفس المنهج السابق الذي قاد لطريق مسدود في الجولات السابقة، فقد قدم الوفد السوداني الذي حضر الاجتماع مقترحًا بإعطاء دور أكبر للخبراء والمراقبين في عملية التفاوض لتقريب وجهات النظر.

في حين أكد وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس على وجود قضايا فنية وقانونية محددة ما زالت موضع خلاف، ومنها إلزامية الاتفاق الذى سيتم التوصل إليه، وآلية فض النزاعات حول الاتفاق، وعلاقة الاتفاق الذي يمكن التوصل إليه بالاتفاقات الأخرى حول مياه النيل.

وكان المتحدث باسم الرئاسة المصرية بسام راضي قد أشار إلى أن لقاءً جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، يوم الثلاثاء، وذلك بالتزامن مع انعقاد جولة جديدة من المفاوضات بين الأطراف الثلاثة، ووفقًا للراضي فإن اللقاء تخلله استعراض تطورات ملف سد النهضة في ضوء الموقف الحالي للمفاوضات الثلاثية، حيث تم التوافق حول الأهمية القصوى لقضية المياه بالنسبة للشعبين المصري والسوداني باعتبارها مسألة أمن قومي.

وعلى الرغم من أن تصريحات الرئيس الأمريكي أثارت موجة من الانتقادات لدى الجانب الإثيوبي، والتي وصفها وزير الخارجية الإثيوبي خلال لقاء مع السفير الأمريكي لدى إثيوبيا مايكل راينور بأنها "غير مقبولة"، فضلًا عن أنها دعوة صريحة "للتحريض على الحرب بين إثيوبيا ومصر"، فإن محللين قللوا من خطورة تصريحات ترامب معتبرين أنها جاءت كتعبير عن غضبه من اعتذار إثيوبيا عن المضي قدمًا في المباحثات التي كانت قد دعت إليها واشنطن برعاية وزارة الخزانة الأمريكية، والبنك الدولي منتصف العام الجاري.

فقد أشار الكاتب السوداني عصام الدين محمد صالح إلى أن النقطة الأهم في تصريحات ترامب المرتبطة بـ"تفجير السد" تكمن في إعلان انحيازه بشكل مباشر للجانب المصري في نزاعه مع الجانب الإثيوبي بشأن سد النهضة، واستند محمد صالح في حديثه لقرار ترامب بحجب مساعدات مالية عن أديس أبابا تقدر بـ130 مليون دولار، قبل أن يقوم بتحميل الجانب الإثيوبي مسؤولية أي هجوم مصري على السد.

في حين انتقد كبير مستشاري المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية جو بايدن للشؤون الخارجية أنتوني بلينكن تصريحات ترامب، معبرًا عن ذلك بقوله "الكلمات مهمة بصورة كبيرة خاصة عندما تخرج على لسان الرئيس الأمريكي"، قبل أن يضيف موضحًا أن"ما قاله ترامب من أن مصر قد تدمر سد النهضة تعد كلمات متهورة وتقوض دور الولايات المتحدة في المفاوضات حول سد النهضة بين مصر وإثيوبيا".

ويتوافق انتقاد بلينكن مع تصريح الأستاذ بجامعة الدفاع الوطني التابعة لوزارة الدفاع (البنتاغون) ديفيد دي روش الذي اعتبر أن الرئيس ترامب "ليس معروفًا بضبطه لملاحظاته أو لما لا يجب أن يتطرق إليه"، وتابع مؤكدًا على أنه قد تم إطلاع ترامب "على أن مهاجمة مصر للسد هو أمر ممكن، وهو غالبًا ما يتحدث بشكل غير معتدل وينتقل مباشرة إلى أسوأ سيناريو يطلع عليه".

وفي معرض قراءتها سواء لتصريحات ترامب أو لإمكانية تفجير الجانب المصري للسد في نهاية الأمر، استبعدت وكالة الأناضول التركية في تقرير تحليلي إمكانية لجوء الجانب المصري لهذا الخيار، مرجعة ذلك لثلاثة أسباب، يأتي في مقدمتها مواجهة المقاتلات المصرية لعائق المسافة التي تفصلها عن السد، حيث أقرب مسافة يمكن أن تقطعها لقصف السد جويًا لا تقل عن 1500 كلم من أقرب قاعدة جوية مصرية.

وأضافت الوكالة التركية بأنه إلى جانب بعد المسافة، تبرز نقطة ثانية تتمثل بامتلاك الجيش الإثيوبي لمنظومة الدفاع الجوي الروسية من طراز بانتسير آس، والتي حصلت عليها في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، مرجحةً أن يكون الجيش الإثيوبي قام بتنصيبها قرب السد في أيار/مايو الماضي، وتابعت مشيرة إلى أن النقطة الثالثة في هذا الخصوص تتمثل بعدم امتلاك المقاتلات المصرية القدرة التدميرية للقنابل التي ستطلقها على السد العملاق الذي يبلغ علوه 170 مترًا وطوله يتجاوز 1800 مترًا،حيث تحتاج مصر إلى قنابل تعادل قوتها القنبلة النووية لتدمير هذه الكتلة الإسمنتية الهائلة.

أما فيما يخص الجانب السوداني، فقد استبعدت الوكالة التركية أن تسمح الخرطوم باستخدام أجوائها الجوية من قبل المقاتلات المصرية لقصف السد، مرجعة ذلك لاعتبارات كثيرة أهمها أن السودان ستكون أول المتضررين من انهيار السد، الذي يبلغ خزانه عند الملئ أكثر من 65 مليار متر مكعب، وهي كمية تعادل التدفق السنوي لمياه النيل في السودان ومصر، وبإمكانها إغراق مدن بأكملها شرقي السودان.

وختمت الوكالة التركية تقريرها التحليلي مشيرة إلى أن الجانب المصري قد يلجأ عوضًا عن القصف الجوي إلى عمليات نوعية أخرى لتفجير السد أو تعطيله، غير أن هذه التوقعات تبقى معقدة وصعبة، وتأثيرها قد يكون محدودًا على وقف المشروع، لذلك فإن الخيار العسكري لا يزال مستبعدًا من الجانب المصري إلا في حال حصلت على دعم عسكري من الولايات المتحدة الأمريكية أو دولة عظمى، وهنا تكمن أهمية تصريحات ترامب.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة سد النهضة.. دليلٌ على فشل الدبلوماسية المصرية

وإلى جانب ذلك يبرز بشكل واضح موقف الصين وروسيا الرافض لتنفيذ القاهرة أي عمل عدائي ضد أديس أبابا، وفقًا لما نقل موقع صحيفة العربي الجديد الإلكتروني على لسان مصادر مصرية خاصة، أضافت مشيرةً إلى أن بكين وموسكو تطالب القاهرة ببذل جهد أكبر مع إثيوبيا بدلًا من تصعيد الصراع في المنطقة، يضاف إليها تحذيرات الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزامن من إقدام القاهرة على أي عمل عدائي، أو تصعيد الأزمة بعيدًا عن المسارات التفاوضية والحلول السياسية.

 يبرز بشكل واضح موقف الصين وروسيا الرافض لتنفيذ القاهرة أي عمل عدائي ضد أديس أبابا

وكان بيان صحافي صادر عن مكتب رئيس الوزاء الإثيوبي آبي أحمد قد أكد التزام أديس أبابا الثابت بالتعاون حول النيل "بناء على أساس الثقة المتبادلة ومبادئ الاستعمال العادل والمعقول للنهر"، لافتًا إلى أن "التهديدات ومحاولات التعدي على سيادة إثيوبيا خاطئة وغير بناءة، وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي"، مشددًا على أن أديس أبابا "لن ترضخ لأي عدوان، ولن تعترف بأي حق يعتمد على اتفاقيات استعمارية".