بليغ حمدي.. أكبر من النسيان

بليغ حمدي.. أكبر من النسيان

وردة مع بليغ

يأبى بليغ حمدي أن يُنسى أو أن يأتي ذكره عابرًا وسط أسماء مثيلة لباقي عظماء الفن المصري في القرن العشرين. لا يزال يمتلك تلك المقدرة على التسلل في أوصال وشجون محبيه وكأنه لم يغادر أبدًا منذ 25 عامًا، مثلما تبقى موسيقاه محتفظة بطزاجتها وعفويتها وقلبها الشاب النابض بحياة عصية على التقدّم في العمر.

تتميز ألحان بليغ حمدي بأنها شديدة المصرية من بين أبناء جيله أكثر من كونها شرقية بوجه عام

يمكن  دون تحيز تقسيم موسيقيي مصر كل في واد وبليغ في واد آخر، لا لشيء سوى أن ألحانه شديدة المصرية من بين أبناء جيله أكثر من كونها شرقية بوجه عام، ولأنه المؤرخ بموسيقاه لتلك الفترة التي عاشها ربما دون أن يدري وقتها ودون أن يلاحظ معاصروه أهمية منجزه الموسيقي وتنوعه غزارته. شهد بليغ حمدي عصرًا موسيقيًا زاهرًا يحتشد بأفذاذ علامات، لدرجة أن أي موهوب حقيقي كان لا بد أن يبدو بينهم، على موهبته، من أنصاف الموهوبين وربما أقل. فمن ذا الذي يستطيع أن يجد لنفسه مكانًا بين محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ومحمد فوزي ومحمد القصبجي وزكريا أحمد، وكل منهم مدرسة خاصة قائمة بذاتها؟ ناهيك عن رياض السنباطي وهو وحدة قمة شاهقة، أما محمود الشريف وأحمد صدقي فحدث ولا حرج.

اقرأ/ي أيضًا: بليغ حمدي بطلًا روائيًا

كان ظهور بليغ حمدي في أفق التلحين المصري مفاجئًا بكل معنى الكلمة، فسوق الغناء مشبعة بحشد هائل من الملحنين المتميزين. لكن من حسن الحظ أن الأفكار الأصيلة تظل إلى الأبد تُنسب لأصحابها. وأصالة الملحن تظهر في الحال دون أن يحجبها أي حاجب، فبمجرد تصاعد النغم واتجاهه يتضح في الحال إذا ما كان أصيلًا أو مستعارًا، غثّا أو سمينًا، صادقًا أو ملفقًا. فبليغ حمدي غمر البلاد بألحانه، وليس من مطرب أو مطربة عربية في عصره إلا وأسهم هو بفوز كبير في تطوير صوته او على الأقل وضعه في مرحلة تطور جسدت أحلى ما فيه. هل نتكلم عن بليغ – فايزة؟ أم بليغ – وردة؟ أم بليغ –عبد الحليم؟ أم بليغ – محمد رشدي؟ أم بليغ – ميادة؟

ثمة ائتلاف دائم لفكرتي التعوّد والدهشة مع بليغ حمدي، ربما تتوقع اللحن، لكن في الأغلب سيبهرك تنفيذه

مع بليغ حمدي ثمة ائتلاف دائم لفكرتي التعوّد والدهشة: ربما تتوقع اللحن، لكن في الأغلب سيبهرك تنفيذه، مثل حبل مشدود بين استراتيجية موسيقية متوقعة وتكتيك لعوب وخاطف للأذن. عندما كان يلحن "فات المعاد" لأم كلثوم ذهب إليها واقترح استخدام الربابة فى المقدمة التى تسبق كوبليه "الليل ودقة الساعات".. لم تستوعب الستّ فى البداية هذا الجنون، وقالت له ساخرة: "طيب إيه رأيك ما تجيب بالمرة صاجات ومزمار بلدى ورقاصة يطلعوا معايا على المسرح؟". جنونه لم يتوقف، ومن جديد استخدم الأكورديون في لحن "بعيد عنك"، ومنح أم كلثوم عمرًا جديدًا ومذاقًا مختلفًا يجعلها ملكة متوجة في السهرات البريئة وغير البريئة.

وأنت مع ألحان بليغ حمدي لا تركز كثيرًا مع الكلام، باستثناء الأغاني الوطنية، كما يخبرنا الشاعر إبراهيم داود في كتابه "طبعًا أحباب"، أنت تمسك بنفسك تدندن شيئًا يخصك، تضرب جذوره في مناطق أبعد من زمن بليغ. وهو لم يقدم نفسه باعتباره صاحب مشروع، وإنما نجح في جمع الناس حول أنغام منسية بداخلهم. يصطاد بليغ اللحن الجاذب، السهل الممتنع، العصب الحيّ لحالة شعورية يألفها المستمع وتبقى معها، فكانت تذاع ألحانه في حفلات المساء ويرددها الناس في الصباح.

جاء أغلب إنتاج بليغ المتأخر مصبوغًا بتلك الألفة المقيمة بين حال وحال لا ينازع أحدهما الآخر بقدر ما يدرّب كلاهما نفسه على العيش المشترك

شأن بليغ  كشأن الكثير من العظماء في التاريخ، لا يُعرف طيب ريحه إلا بعد أن يعبر الطريق. فرغم أن ألحانه فرضت نفسها من خلال حناجر كبار عمالقة الغناء ممن عاصروه، بدءًا من أم كلثوم وانتهاء بسميرة سعيد، تم التصرف مع بليغ حينها على أن الجمال الذي يصنعه أمر متوفر وبديهي لا يستحق الثناء الكبير، فإذا بنا أمام اختبار التاريخ وقد عزّ علينا الإتيان بمثيله بعد رحيله. أدركنا، بعد بليغ، شيئا فشيئا أنه لم يكن ملحنًا موهوبًا فحسب، بل فلتة موسيقية "ربنا فاتح عليه"، كما قالت عنه أم كلثوم ذات يوم. لذلك صارت ألحان واغنيات بليغ حمدي هي مقصد كل المطربين الذين لم يعاصروه مثلما تنازع عليه من شهدوا حياته. وصار الغناء من ألحان بليغ أمرًا مهمًا لكل من يشقّ طريقه في بداية مشواره الغنائي بل وحتى لكل من قطع شوطًا في عالم الشهرة (بالتفاتة بسيطة على مشوار كل من شيرين ونانسي عجرم وفضل شاكر ويارا، من بين أسماء أخرى كثيرة، يمكن ملاحظة مدى الشيوع والانتشار الذي استفادوا منه عبر غنائهم لبعض ألحان بليغ حمدي في حفلاتهم).

أم كلثوم مع بليغ

رغم كل ما حققه بليغ من شهرة واسعة الآفاق، وتحقيق ذات ومكسب من المال، ظل يخفي حزنًا كبيرًا غير معروف مصدره، حتى من قبل مشكلة طلاقه من حبيبته الأغلى وردة الجزائرية و قبل تفاقم أزماته بسبب حادث مقتل أو انتحار المطربة المغربية سميرة مليان في شقته واضطراره من بعدها للعيش عدة سنوات خارج مصر في منفاه بين فرنسا وإنجلترا. ضحكة بليغ ذاتها كان يشوبها بعض الحزن، وربما هذا الحزن هو أحد أهم العناصر التي أسهمت في صبغة الشجن التي تختص بها ألحانها فتمسّ القلوب وتسكنها. الأمر الي يدعونا للتساؤل عن أي من الألحان سوف نخسرها لو لم يمرّ بليغ بكل هذه المشكلات والصعوبات التي واجهته في حياته. وإلى أي مدى كانت أغنياته التي يقدّمها معبّرة عما بداخله وما يختبره في تلك الفترة؟ هل كان سيلجأ مثلًا لكتابة وتلحين "كان يا ما كان" لميادة الحناوي دون أن تنخر في عظامه برودة الغربة وهو بعيد عن أرض الأحباب وحضن معشوقته. وما الذي يمكن أن يمر في بال الواحد حين يعرف أن أغنية "الحب اللي كان" كتبها من أجل وردة يوم أن طلقها تليفونيًا وهو جالس على شاطئ أبوظبي؟ الصخب الذي عرفته حياة بليغ انعكس على أعماله، فصار أغلب إنتاجه المتأخر مصبوغًا بتلك الألفة المقيمة بين حال وحال لا ينازع أحدهما الآخر بقدر ما يدرّب كلاهما نفسه على العيش المشترك، وهي علامة مميزة لكل مَن ذاق طعم الحياة واستوى بين تقلباتها وعرف أحوالها الغريبة.

اقرأ/ي أيضًا: أشباح غيل سكوت - هيرون.. إيقاع مضاد للرحيل

بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب، يكتب إليه بليغ من منفاه الباريسي خطابًا حارًا يهنئه فيه على الجائزة ويحكي في الأثناء بعضًا من ملامحه الشخصية الأكثر حميمية: "أي والله يا نجيب يا أخويا. خدني الهوا من حضن أمّي. ولغاية باب القبر، سأظل أسأل نفسي دون فائدة؛ حتى متى سيبقى القلب أخضر لا يتعلم من التجارب ولا يستفيد من الخبطات؟ كل خبطة الواحد يقول سيتعلم، ولا بيتعلم ولا دياولو. كنت باقرأ روايتك، وأفكر فى حميدة، البنت الملهلبة اللي حرقت الكل بنارها. أجمل حاجة في رواياتك يا نجيب إنها حكايات واحد عاش وجرّب. أنت لست من الكتّاب الذين يكتبون من وراء لوح زجاجى. أكيد أنت اتكويت بنار واحدة زي حميدة. كل واحد فينا اتكوى. وفينا اللى اتكوى مرة ومرات. أتذكر عبارتك كأني أسمعها بصوتك الآن "في حياة كل واحد منا حب خائب، يترك علامة لا تزول أبد الدهر"، لكن ماذا يفعل من هو في مثل حالي يا نجيب، من في حياته أكثر من حب خائب، وأكثر من علامة لا تزول أبد الدهر؟! كل حميدة تأتي ويأتي معها وجعها، يأتي معها جرحها. كل حميدة أقول خلاص، هارتاح، هاستريح، هالاقى الأمان، لكن كأني أبحث عن شيء لا أريد أن أجده، وكلما وجدته أضيعه عمدًا حتى أبحث عنه من جديد!!".
 

يبقى بليغ حمدي حاضرًا، بألحانه وسيرته وحكاياته، حضور متصل وممتد كما يليق بأسطورة مصرية

وفي كتابه، يلتقط إبراهيم داود بذكائه المعهود ذلك الخيط الناظم لحياة وأعمال بليغ حمدي ومراوحته بين الحزن والفرح، بصورة تجعل التعبير الإنجليزي Bittersweet  منطبقًا عليها بامتياز. يقول داود: "لو تأملت أغنية مثل "يا نخلتين في العلالي"، التي هي أغنية فرح، ستجده يعتمد علي قوانين “العَديد” المرتبطة بالموت، يوجد به توسل وعدم تصديق حالة الفرح، "يا أم العروسة افرحي.. يا أم العروسة، يا أم العروسة زغرطي يا أم العروسة”، تشعر مع صوت وردة الناصع أنك فرحان وحزين في الوقت نفسه، بليغ كان يبحث عن كلام يستند عليه لا أن يفسره، والحالات العظيمة في ألحانه كانت مع الأبنودي، لأن جذورهما البعيدة تضرب في الأرض نفسها، ثم عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب، أشهر أغانيه في الثمانينيات وبداية التسعينيات كانت من تأليفه تحت اسم ابن النيل، مثل أنا باعشقك وسيدي أنا، حيث لا يوجد كلام، توجد كلمة واحدة يبني عليها تصوراته اللحنية المؤلمة والنافذة". 

بعد 25 عامًا على رحيله، يبقى بليغ حمدي حاضرًا، بألحانه وسيرته وحكاياته، حضور متصل وممتد كما يليق بأسطورة مصرية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

وسام محمودي.. تأنيث الوتر الخامس لزرياب

هانز زيمر: في عالم الأحلام دائمًا