جان ميشيل باسكيات/ أمريكا

قلت إنّ شمس اليوم الذي أخرج فيه مع جازو تكون ذابلة، وأكون أنا نشيطًا. وقد حدث اليوم العكس تمامًا.

سألني شخوص الرّواية وقد عدت إليهم ليلًا: هل نستطيع أن نفهم من عودتك ذابلًا أنك قرّرت التخلّي عنّا يا سي بن ذياب؟ وهل يكتب إلا الذّابل لينتعش أيّها الأصدقاء؟ هل كنتم ستجدون الجرأة الكافية على أن تقتحموا عليّ خلوتي لو كنت مقيمًا في محمية؟ ما نفعل بكاتبٍ مخمليٍّ يتعاطى معنا باعتبارنا حشرات؟ إذًا فالمسحوق حليف المسحوق أيّها الأصدقاء. وأنا أبشّركم بأنّني قبلت شرطكم: أن أروي نفسي أيضًا، وليذهب الجميع إلى الجحيم.

أنا وغزالي يا لالّة

أنا وغزالي في الجبل نلقطو في النوّار.

رحمة الله عليك يا شيخة الرّميتي. هل كنت تتوقعين ـ وأنت تغنيّن هذه الأغنية ـ أن يرقص عليها روائي قادم من القرية مثلك مع شخوص روايته حتّى يغمرهم العرق، فيقعوا على الأرض ضاحكين؟

كنت أضحك ملء القبو، وشخوص الرّواية لا يدرون هل ذلك من فرح أم من وجع.

اسمعوني قلت لهم: لقد تضاعف بكاؤها حين قلت لها إنني سأخطبك من أبيك. أسدلتْ تنّورتها على فخذيها، وأعادتْ ثدييها إلى مخبئهما الحرير، في خفة من بلغها فورًا موتُ أبيها. همّت بالانصراف، فتحولتُ إلى كاسر أمسك يدها من الخلف وهو يزمجر: ماذا هناك يا جازو؟

ـ اتركني في حالي. لن ألتقيك بعد اليوم.

ـ تركتِ رضوان لأنّه رفض أن يتزوجك من غير الصّعود إلى الجبل، وتتركينني لأنني طلبت منك ذلك؟

ـ ألم نتفق منذ البداية على أن يتقبّل كلّ واحد منّا انسحاب الآخر متى أراد؟

ـ ليس من المنطق أن تمارسي حقّك في الانسحاب قبل أن أمارس حقّي في معرفة السّبب؟

ـ يتعبك ذلك أكثر ممّا يريحك.

ـ متى كان التعب والرّاحة مقياسين في علاقتي بك؟ إما أن تتكلمي، وإما أن..

هل سمعتم يا أصدقائي يومًا غابة تبكي؟ لقد خيّل إلي ـ وأنا أسمع بكاء جازو ـ أنّ غابة بن عكنون كلّها تبكي. ولا أخفي عليكم أنّني ههمت بضربها حين توقعتُ أنّها إنّما كانت تهرب من الإجابة ببكائها ذاك، لكنّني تراجعت. ليست هذه دموعًا مصطنعة يا بن ذياب، هل فقدت خبرتك في أصناف الدموع؟

التفتّ إليهم، فوجدتهم يقرأون من مخطوطة "شهقة النّاي".

*

"أمر أحمد عسس الليل بأن يكثفوا الحراسة على قصر الداي في الباب الجديد، ويخففوها على قصر الملوي عند منتصف الليل، وقد كان ينوي بذلك ألا يروه وهو يزور حبيبته رحمة في قصرها الذي بناه لها  الداي رشوة منه لها لتنسى غريمه.

لأجله أشعلتْ حمولة بغل من شمع بجاية، ونثرتْ حمولة بغلين من ورود البليدة، أما الفاكهة فقد كادت أن تنطق من حياة الماء الذي فيها، لكن الشموع كلها انطفأت في عينيها، والورود ذبلت حين سمعت منه كلاما مُحالا، هذا محال يا أحمد، ومن المحال أن تمضي فيه. ليس من العدل أن أفسد عليك حياتك يا رحمة، أبوك رفضني، وقد أبلغني ذياب الحكواتي أنه يتربص بي الدوائر ليتخلص مني. هل تخاف على حياتي أم على حياتك يا أحمد؟، لا فرق عندي بيني وبينك يا حبيبتي، إذن فلنهرب إلى أخوالي في مالطا يا حبيبي.

ولم تدر المسكينة أن جاريتها بقريشة هي إذًا لأختها لعاب الشمس".

*

اسمعوني: لقد غيّرتُ في لغة المخطوطة وأنا أقرأ من الذاكرة، سرق مني رضوان الحكّة حقيبة ظهري، وقد كانت في داخلها، لكنني لن أغير في كلام الجازية، وأنا أسمعه تحت شجرة السلوان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

استشراق عيشة قنديشة

السقف الساقط ليلًا

 

:دلالات