اللاجئون السوريون في الدنمارك نحو إعادة قسرية بالجملة

اللاجئون السوريون في الدنمارك نحو إعادة قسرية بالجملة

لاجئون أمام مركز استيعاب في الدنمارك (آرون ستيشل)

لأكثر من عامين، لم يهدأ السجال في الدنمارك بين الأحزاب اليسارية الاجتماعية واليمين المتطرّف حيال مسألة قوانين الهجرة في البلاد. فالأخذ والردّ المتواصل بين الطرفين، ضرب لنفسه موعدًا جديدًا مع تصعيد جديد بدأ بإعلان الحكومة الدنماركية الحالية والمحسوبة على اليسار في شباط/ فبراير الفائت، انقلابًا ناعمًا على تعديلات الحكومة اليمينية السابقة لإجراءات الهجرة وقوانينها، الأمر الذي ألقى بظلاله على حياة اللاجئين السوريين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا مزادٍ متواصل لطرح المواقف الأكثر تشدّدًا وتطرّفًا تجاه مسألة الهجرة من جهة، وعلى موعدٍ لم يُضرب بعد مع ترحيل قسريّ باتّجاه البلاد التي فرّوا منها، والتي يسوّق المتطرّفون الدنماركيون أنّها آمنة ومستقرّة.

تشكل مسألة إعادة اللاجئين من أي جنسية إلى المنطقة التي فروا منها، دون انتهاء أسباب فرارهم وضمان تعويضهم وسلامتهم، خرقًا معلنًا للعهد الدولي الإنساني

الحكاية بدأت بصعود اليمين المتطرّف في الدنمارك، واتّفاق حكومة يمين الوسط برئاسة زعيم الحزب الليبراليّ المُحافظ لارس كوله راسموسن مع حزب الشعب الدنماركيّ المُتشدّد على تمرير ما يُعرف بـ "القانون 140"، وإدخال تعديلات مجحفة بموجبه على إجراءات الهجرة المُتّبعة في البلاد تحت عنوان شعبويّ بحت: تأهيل العودة إلى الوطن.

اقرأ/ي أيضًا: في أوروبا.. "حفلات كورونا" بين الشباب و"فاشيّون" يسعلون في وجوه المارّة

التعديلات التي يبذلُ اليمين الدنماركيّ المُتطرّف جهدًا دؤوبًا لفرضها أمرًا واقعًا، وبدء تنفيذ بنودها سريعًا، نصّت على تخفيض المعونات الشهرية المقدّمة إلى اللاجئين السوريين، وأنشأت بالحصص المُقتطعة من المعونات ما يُعرف بمساعدات تسهيل العودة الطوعية إلى سوريا، حيث تمنح الحكومة الدنماركية مبلغًا ماليًّا قدره 20 ألف دولار أمريكيّ لكلّ فرد بالغ يرغبُ في العودة، بينما سعت على الطرف المُقابل إلى تضييق الخناق على الرافضين لبرنامج العودة الطوعية من خلال سنّ قوانين جديدة، وفرضها على محاكم الهجرة الدنماركية بهدف إعادة النظر في قضايا وحكايات اللاجئين وتقييمها مُجدّدًا، بناءً على مدى ارتباطهم بالمجتمع المحلّي من جهة، وادّعاء وجود مناطق آمنة تصلحُ للحياة في سوريا من جهةٍ أخرى.


حاجز حدودي دنماركي (كالتربيون)

تشديدات الحكومة الدنماركية السابقة، جاءت بمباركةٍ ودعمٍ يمينيّ شعبويّ واسع، باعتبارها أقرّت نظامًا جديدًا للجوء والهجرة في الدنمارك، يتماشى تمامًا مع السياسات اليمينية التي حدّدت أبرز ملامحه؛ الحدّ الأدنى من الحقوق والالتزام بالمعاهدات الدولية، جعل عملية لمّ الشمل أكثر تعقيدًا، والتأكيد على أنّ إقامات الحماية الممنوحة اللاجئين هي إقامات مؤقّتة صالحة لمدّة عامٍ واحد، دون أن يكون تجديدها أمرًا مضمونًا أو ممكنًا. والهدف إلغاء الإقامات الدائمة من قاموس الهجرة الدنماركيّ تمامًا، الأمر الذي يكفل للأحزاب اليمينية تحويل الدنمارك إلى بلدٍ أقلّ جاذبية من سواه للهجرة واللجوء.

اقرأ/ي أيضًا: ملف زوجات الجهاديين ونسلهم.. نكبة سورية في بداياتها

تعتبر القوى اليمينية المتطرّفة وعلى رأسها حزب الشعب أنّ التعديلات التي أقرّتها الحكومة نهايات 2018، خطوة في الاتّجاه الصحيح، وذلك وفقًا لتصريحات القيادي في الحزب مارتن هنريكس الذي أكّد أنّ التعديلات تشمل أولئك غير المُناسبين للمجتمع الدنماركيّ. وعلى الرغم من عودة الاشتراكيين الديمقراطيين إلى الحكم بعد انتخابات منتصف 2019، وتشكيل حكومة تميل إلى اليسار، إلّا أنّ المزاج العام المُعادي لوجود اللاجئين لا يزال يتصاعد في الوقت الذي تزداد فيه مخاوف السوريين من عمليات الترحيل القسرية التي ستقود كثير منهم إلى الموت في أقبية ومسالخ نظام الأسد. 

الحكومة الدنماركية الجديدة التي تترأسها مته فريدريكسن، كانت قد أبلغت في شباط/ فبراير الفائت البرلمان أنّها ليست بصدد تنفيذ عمليات الإعادة القسرية أو ترحيل اللاجئين السوريين إلى العاصمة دمشق، وأنّها لن تتعاون أيضًا مع حكومة بشار الأسد، الأمر الذي اعتبرته الأحزاب اليمينية التفافًا وتقويضًا لما أنجزته خلال السنوات السابقة، وقرارًا غريبًا للغاية. بينما اعتبره السوريين في الدنمارك قرارًا غير كافٍ لطمأنتهم، لا سيما وأنّ رئيسة الوزراء الحالية مهتمّة بقضية اللجوء المؤقّت، وتكاد تتماشى مع المزاج العام المُطالب بتقديم الحكومة سياسات جديدة للجوء تكون أشدّ صرامة من سابقاتها، بالإضافة إلى تأكيدها المستمرّ على أنّ بلادها مستعدّة لتأمين الحماية المؤقّتة للمهاجرين المُلزمين بالعودة إلى أوطانهم في أوقات السلم. 


استقبال للاجئين سوريين في الدنمارك سنة 2015 (لارس فونبيرسن)

لا ترتبط السياسات المتشدّدة التي يواجَهُ بها اللاجئين السوريين في الدنمارك باليمين المتطرّف وحده، بل إنّها تكاد تكون نتيجة مزاجٍ عام صنعته الأحزاب اليمينية نفسها، دون أن تتمكّن بقية الأحزاب المحسوبة على اليسار أو الوسط، من الوقوف في وجهها والتصدّي لها، مما يعني أنّ السوريين وغيرهم من المهاجرين واللاجئين مهدّدين دائمًا بالترحيل على الرغم من التطمينات الخجولة للحكومة. 

ويخشى السوريين في القارّة العجوز بشكلٍ عام من أن تحذو بقية الدول الأوروبية حذو المملكة الدنماركية وتبدأ بسنّ قوانين لترحيل اللاجئين ومنحهم تذكرة ذهاب دون عودة، إلى مكانٍ أشبه بغيتو كبير، على العكس تمامًا ممّا روّجته الحكومة الدنماركية التي تعتبر المناطق السورية دون إدلب وشرق الفرات؛ مناطق آمنة تمامًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

زواج القاصرات في المغرب.. حقائق صادمة وتواطؤ قانوني

السرقات تجتاح بعلبك الهرمل في لبنان.. أين حزب الله؟