احتجاجات في إيران بعد قرار يرفضه الجميع إلا روحاني وخامنئي!

احتجاجات في إيران بعد قرار يرفضه الجميع إلا روحاني وخامنئي!

من احتجاجات إيران (أ.ب)

الترا صوت – فريق التحرير

انضمت إيران إلى قائمة الدول التي تشهد احتجاجات شعبية في مختلف أرجاء العالم، بعد إعلان الحكومة الإيرانية فرضها زيادة بنسبة 50% على سعر البنزين.

انضمت إيران إلى خريطة الاحتجاجات الشعبية حول العالم، بعد قرار الحكومة فرض زيادة 50% على سعر البنزين 

ويؤثر القرار الحكومي على الواقع المعاشي للطبقات المتوسطة والفقيرة التي تبلغ نسبتها 75% من مجمل السكان، وتزيد من أعباء الحياة الاقتصادية في ظل انهيار العملة المحلية، وانكماس الاقتصاد نتيجة العقويات الاقتصادية الأمريكية المفروضة عليها منذ أكثر من عام.

اقرأ/ي أيضًا: خريطة الاحتجاجات حول العالم.. انتفاضات شعبية واسعة في 6 دول

طهران تنضم إلى المدن الإيرانية المحتجة  

سجل انطلاق بداية الاحتجاجات الشعبية في قرية سرجان وسط إيران ليلة الجمعة الماضية، قبل أن تتوسع دائرتها لتشمل أكثر من 40 مدينة وقرية، كان من ضمنها مدينة مشهد ثاني أكبر المدن الإيرانية، التي أغلق المحتجين الطرقات بها بعد أن اصطفوا بسيارتهم في عرض الشوارع، وقاموا بمغادرتها، لينضم إليهم سائقون آخرين في العاصمة طهران وباقي المدن الإيرانية، ما سبب أزمة مرورية في الطرقات، فيما أفادت تقارير صحفية عن سقوط قتيلين على أقل تقدير في احتجاجات سرجان.

وأظهرت مقاطع فيديو جرى تناقلها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مهاجمة المحتجين لمؤسسات حكومية ومباني مصرفية، إضافة لاشتباكهم مع قوات مكافحة الشغب، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق الجموع الغاضبة.

من جانبها ألقت الحكومة الإيرانية باللوم على "وسائل إعلام معادية"، تحاول تضخيم المظاهرات من خلال نشرها "الأخبار والمقاطع المصورة الكاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي".

وفي حين فرض مجلس الأمن القومي قيودًا على شبكة الإنترنت لمدة 24 ساعة منذ مساء السبت، شارك رسام الكاريكاتير الإيراني مهدي الهامديان رسمًا كاريكاتوريًا عبر حسابه على تويتر، يحتج من خلاله على زيادة سعر البنزين، ولفت إلى أن مشاركته الرسم جاءت بعد رفض وسائل إعلام إيرانية نشره على صفحاتها.

وكانت هيئة المنافذ الحدودية في العراق، قد أعلنت، السبت 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، أن حركة المسافرين من العراق إلى إيران توقفت عبر منفذ الشلامجة الحدودي، أكبر المنافذ الحدودية بين البلدين المجاورين جنوبي العراق، مشيرةً إلى أن المنفذ يعمل بصورة طبيعية أمام حركة التبادل التجاري فقط، أما  حركة المسافرين فقد تم توقفها من العراق باتجاه إيران  بناءً على طلب الجانب الإيراني.

هذا وجاءت الاحتجاجات بعد إصدار الحكومة الإيرانية قرارًا، ينص على زيادة سعر لتر البنزين 50%، ليصبح بـ15 ألف تومان إيراني (ما يعادل 0,13 دولار) بدلًا عن 10 آلاف تومان سابقًا، وحددت لكل سائق سيارة شراء 60 لترًا شهريًا بدلًا عن 250 لترًا شهريًا كما كان في السابق، وتتضمن القرار تحديد سعر كل لتر يزيد عن المخصصات للسائقين بـ30 ألف تومان إيراني.

وقالت الحكومة الإيرانية إن عائدات الزيادة الجديدة للبنزين ستستخدم في الدفع النقدي للأسر ذات الدخل المنخفض، فيما نقل على لسان رئيس منظمة التخطيط والميزانية الإيرانية محمد باقر نوباخت، أنه ابتداءً من الشهر الحالي ستحصل 18 مليون أسرة على دفعات نقدية إضافية نتيجة لزيادة الأسعار، مشيرًا إلى أنه من المتوقع أن تبلغ عائدات الإجراء الجديد 300 تريليون تومان سنويًا.

المرشد الإيراني يؤيد زيادة سعر البنزين

حظي قرار زيادة أسعار البنزين الذي اتخذه المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي، المؤلف من الرئيس حسن روحاني، ورئيسي مجلس الشورى والسلطة القضائية، بتأييد المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي قال في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي: "لست خبيرًا، وهناك آراء مختلفة، لكنني قلت إنه إذا ما اتخذ قادة الفروع الثلاثة قرارًا، فإنني أؤيده". 

وأضاف المرشد الإيراني في تصريحاته، قائلًا: "لا شك إن بعض الناس يشعرون بالقلق من هذا القرار"، مشددًا على أن "التخريب والإحراق يتم عن طريق مثيري الشغب وليس شعبنا"، وأن "الثورة المضادة وأعداء إيران يدعمون دائماً التخريب ويزعزعون الأمن ويستمرون في فعل ذلك".

وفي محاولة لربط الاحتجاجات الشعبية في طهران مع احتجاجات بيروت وبغداد، بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية، قال مستشار الرئيس الإيراني للشؤون الإعلامية حسام الدين آشنا، عبر حسابه الرسمي على تويتر، إن إيران "ليست العراق ولا لبنان. والسفارة الأمريكية مغلقة منذ سنوات"، في إشارة لاتهام واشنطن بالوقوف وراء الاحتجاجات التي تشهدها الدولتين، مشددًا على أنهم لن "يسمحوا بأن تقرر وسائل إعلام عميلة مصيرنا".

وحملت تصريحات وزير الداخلية الإيراني عبدالرضا رحماني فضلي توافقًا مع تصريحات آشنا، لو أنها اختلفت بالمعنى، بعد تأكيده على أن "الأمن وهدوء الناس يعدان مبدءًا أساسيًا لقوات الشرطة والأمن والقوات العسكرية"، مشيرًا إلى "استغلال عدد قليل الأجواء العامة بإثارة الرعب"، قبل أن يتدراك بالتنوية لإمكانية "تنظيم احتجاجات قانونية".

المرجعيات الدينية تطالب بإلغاء القرار

لكن القرار الذي حظي بتأييد المرجعية الأعلى في البلاد، قابله انتقادات متصاعدة من قبل المرجعيات الدينية، بحسب ما نقلت وسائل إعلام إيرانية، ففي الوقت الذي دعا المرجع الديني لطف الله غلبايغاني في بيان إلى إلغاء القرار، انتقد المرجع الديني المعروف ناصر مكارم شيرازي زيادة سعر لتر البنزين في بيان صادر عنه، مطالبًا الحكومة والسلطات الإيرانية الثلاث بتوضيح أسباب الزيادة.

واعتبر المرجع الديني محمد علي علوي جرجاني أن القرار كان "مفاجئًا"، واصفًا إياه بأنه "محزن جدًا"، مشيرًا إلى أنه يأتي "في ضوء الضغوط الكبيرة التي يتحملها الناس إثر العقوبات الأمريكية، وارتفاع أسعار العملات بشكل غير مألوف".

وتلاقت أصوات المرجعيات الدينية الرافضة للقرار، مع وجهة نظر رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية البرلمانية المحسوب على التيار المحافظ مجتبى ذو النور، الذي كشف عن أن البرلمان سيدعو اليوم الأحد لإلغائه من خلال تبني مشروع عاجل، فيما قالت كتلة أميد (الأمل) الإصلاحية أمس السبت، إنها ستقدم اليوم الأحد مشروع قرار في البرلمان لإلغاء القرار.

وكانت طهران قد شهدت خلال السنوات العشرة الأخيرة موجات متفرقة من الاحتجاجات الشعبية، كان أبرزها عام 2009 عندما خرج الإيرانيون احتجاجًا على فوز الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاة، المنتمي للتيار المحافظ بانتخابات الرئاسة الإيرانية بسبب الخلاف على نتيجتها، كما أنها شهدت نهاية عام 2017 احتجاجات شعبية على نطاق واسع قادتها الطبقة التي تشعر بالتهميش الاجتماعي والاقتصادي، بسبب ارتفاع نسبة الفساد، وتردي الأحوال المعيشية، وفرض المزيد من القيود على المواطنين.

3 أسباب وراء زيادة الحكومة لسعر البنزين

أرجعت الحكومة الإيرانية، بالتوافق في الرأي مع مؤيديها، قرار زيادة سعر البنزين، إلى ثلاثة أسباب رئيسية: 

1. التقليل من عمليات تهريب الوقود، التي ازدادت خلال العام الأخير بسبب الفارق الكبير بين سعر المحروقات في إيران والدول المجاورة، بعد تراجع عملة الريال الإيرانية، وتصاعد أسعار العملات الأجنبية، وسط إحصائيات حكومية تشير إلى تهريب 15 إلى 20 مليون لتر من الوقود إلى خارج البلاد يوميًا.

2. أن الخطة تهدف للتقليل من مخاطر الاستهلاك الكبير للبنزين على البيئة وتقليل التلوث البيئي، الذي تعاني منه المدن الإيرانية الكبرى، وشهد تزايد كبيرًا في الأعوام الأخيرة. 

3. العمل على إدارة أفضل لاستهلاك الوقود، والحيلولة دون زيادته على إنتاجه البالغ 100 مليون لتر، بعد أن تجاوز الإنتاج هذا الرقم في بعض الأيام، الأمر الذي كان من شأنه أن يدفع الدولة إلى استيراد هذه الطاقة مستقبلًا، وهو أمر يبدو غير ممكن على ضوء العقوبات الأميركية.

ويرى محللون أن الاحتجاجات الحالية ستضيف بالفعل المزيد من الضغوط على الحكومة الإيرانية التي تعاني تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وقد "تتحول إلى خطر شديد على النظام الإيراني ككل إن استمرت لفترة طويلة"، وعلى الرئيس روحاني بشكل خاص، نظرًا لاندلاعها قبيل الانتخابات البرلمانية المزمع إجرائها في شباط/فبراير المقبل، لأنها توضح أثر انخفاض معدل الدخل وارتفاع معدلات البطالة وانهيار قيمة العملة المحلية الريال.

وتشير مراكز الأبحاث المعنية بالدول النفطية إلى احتلال طهران المرتبة الرابعة بين أكبر احتياطي النفط والغاز الطبيعي على مستوى العالم، والمرتبة الأولى بين أكبر عشرة دول منتجة للنفط، وتقع بين أكبر خمسة دول منتجة للغاز الطبيعي.

وكانت طهران قد أنتجت قرابة 4.7 مليون برميل من البترول والسوائل الأخرى، وما يقدر بنحو 7.2 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي الجاف بشكل يومي في عام 2017، وبلغت ذروتها بتصديرها حوالي 2.7 مليون برميل من النفط الخام والمكثف في حزيران/يونيو لعام 2018، وهي أعلى بما يقدر بـ300 ألف عن الإنتاج اليومي للأشهر الأولى من العام ذاته.

 ثم انخفضت إلى 1.9 مليون برميل يوميًا، بعد انسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني في أيار/مايو من العام ذاته أيضًا، وإعادة فرض حزمة عقوبات اقتصادية مشددة على الحكومة الإيرانية منعتها من تصدير منتجها النفطي.

فقد الثقة في الحكومة بعد زيادة النفقات

تعيش طهران منذ عام 2017 احتجاجات شعبية متقطعة، يطالب المتظاهرين من خلالها الحكومة الإيرانية بإجراء إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية. ومع تعمق الأزمة الاقتصادية في البلاد بعد فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية، خرجت مظاهرات في مدن إيرانية مختلفة بين شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس من العام الماضي، استخدمت فيها قوات الامن الرصاص الحي، والغاز المسيل للدموع مع خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين بالقوة. 

وبحسب منظمة العفو الدولية، فإن السلطات الإيرانية آنذاك، اعتقلت أكثر من سبعة آلاف شخص شاركوا في الاحتجاجات الشعبية العام الماضي.

وترى محللة شؤون الشرق الأوسط، هولي داجريس أن سرعة خروج الإيرانيين إلى الشوارع للاحتجاج على قرار زيادة البنزين، هو فعل تاريخي نظرًا لمسارعتهم بشكل دائم للاحتجاج على المظالم التي يتعرضون لها من الحكومات الإيرانية المتعاقبة، منذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي في سبعينيات القرن الماضي. 

ولفتت إلى أنه على الرغم من الاحتجاجات الحالية التي هتف بها الإيرانيين "الموت للديكتاتور"، فقد شهدت تحولًا بعد قيامهم بإزلة صور المرشد الإيراني، الذي يتمتع بسلطة مطلقة في البلاد، والذي عادًة ما يكون توجيه الانتقادات له من المحرمات.

وأشارت المحللة الأمريكية من أصول إيرانية، إلى أن طهران شهدت على مر السنوات السابقة الكثير من الاحتجاجات الشعبية التي لم تتصدر عناوين الصحف الغربية. مشيرةً لتفاجئها قيام الحكومة الإيرانية بإصدار قرار تخفيض الدعم عن البنزين في ظل الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها دول العراق ولبنان. 

وأضافت داجريس أن الحكومة الإيرانية تبدو واثقة من سيطرتها على الاحتجاجات الحالية، إلا إنه في حال استمرت، فإنها تتوقع مواجهتها من قبل الحكومة الإيرانية بـ"زيادة القمع".

هذا وكشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن المحافظين والإصلاحيين – التيارين السياسيين الرئيسيين في البلاد – عبروا عن غضبهم من زيادة سعر البنزين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، بقولهم إنها ستؤدي لإيذاء المواطنين، وتعطي ثغرات جديدة لاستغلالها في عمليات الفساد المالي، فيما اعتبر البعض منهم أن التوقيت كان خاطئًا بالنظر للاحتجاجات الشعبية التي تهز العراق ولبنان.

وأشار اثنين من محللي الطاقة المقربين من الحكومة الإيرانية إلى معارضة روحاني قرار زيادة البنزين، خشية تعرضه – التيار الإصلاحي الذي ينتمي إليه – لخسارة كبيرة في الانتخابات البرلمانية القادمة، بينما نقلت الصحيفة الأمريكية على لسان أحد المحللين أن المرشد الإيراني هو من يقف وراء هذا القرار بهدف الإطاحة بالرئيس روحاني.

وأظهر توقيت الزيادة الذي جاء بدون سابق إنذار قلقًا لدى الحكومة الإيرانية، التي كان يسود بين أعضائها شعور بأنه سيقابل بردة فعل عنيفة من المواطنين في ظل اقتصاد مضطرب بالأساس، إذ يقدر المحللين وصول التضخم في الاقتصاد الإيراني لـ40%، بينما يقدر صندوق النقد الدولي انكماشًا بالاقتصاد الإيراني بنسبة 9.5% خلال العام الجاري.

عبر كل من المحافظين والإصلاحيين في إيران، عن غضبهم من قرار زيادة أسعار البنزين، كونها تعطي ثغرات يمكن استغلالها في فساد مالي

وقال اقتصاديون إيرانيون إن السياسة الجديدة التي اتبعتها الحكومة الإيرانية بزيادة سعر البنزين ستفشل، نظرًا لأن العائدات التي ستعود عليها من خلال هذا القرار تقدر بـ800 مليون دولار سنويًا، منوهين إلى أن المبلغ لا يعطي الحكومة دفعًة مالية كبيرة، إلا أنه بالنسبة للمواطنين الإيرانيين سيكون بمثابة نفقات إضافية ستولد المزيد من الاستياء وفقدان الثقة بالحكومة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

احتجاجات إيران.. موجة غضب لا تستثني أحدًا حتى خامنئي!

كيف ساعدت واشنطن النظام الإيراني على التحكم بالإنترنت؟