إغلاق مكتبات

إغلاق مكتبات "الكرامة" و"ألف".. موسم هتك الثقافة المصرية

واجهة مكتبة ألف في القاهرة (فيسبوك)

 أصدرت سلطات قضائية بالقاهرة قرارًا بالتحفظ على الشركة العربية الدولية للتوكيلات التجارية، المالكة لمكتبات "ألف"، الأشهر في مصر، بفروعها السبعة وثلاثين، العابرة لمحافظات ومدن مصر، وأبرزها القاهرة والجيزة وأسيوط والإسماعيلية والسويس والمنوفية والدقهلية والساحل الشمالي. وذلك بعدما هاجمت قوات الشرطة فروع مكتبات "أ" وأغلقتها دون إبداء أسباب، وقالت ما يعرف بلجنة إدارة أموال الإخوان، في بيان، إن ذلك في إطار قرار بالتحفظ على أموال 16 مواطنًا مصريًا متهمون بالإرهاب، والانتماء لجماعة محظورة. والمقصود هنا الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال، عمر محمد شريف مصطفى أحمد الشنيطي، الشهير بعمر الشنيطي، مالك سلسلة مكتبات "أ"، ومؤسس مجموعة "مالتبيلز" للاستثمار.

 أصدرت سلطات قضائية بالقاهرة قرارًا بالتحفظ على الشركة العربية الدولية للتوكيلات التجارية، المالكة لمكتبات "ألف"

ووفقًا للقرار ذاته، فإن اللجنة تحفظت على شركة "بيزنس نيوز للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع"، المملوكة لمصطفى مختار صقر، والمالكة لصحيفة "ديلي نيوز إيجبت"، التي أجرت حوارًا مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في وقت سابق! وأسندت إدارة سلسلة مكتبات "ألف" إلى شركة أخبار اليوم الحكومية، التي يرأس مجلس إدارتها ياسر رزق، الصحفي، المقرّب من دوائر الحكم في مصر، لتسيير الأعمال المالية.

اقرأ/ي أيضًا: النهب المعرفي الإسرائيلي.. تاريخ من اغتصاب المؤلفات

وجاء التحفظ على أموال مالك مكتبات "ألف" ضمن قرار موسّع شمل أبناء الداعية المصري يوسف القرضاوي، عبد الرحمن ومحمد وأسامة وسهام وعلا وأسماء القرضاوي، رغم عدم ارتباطهم بالمجال العام، وعدم ورود أسمائهم في أي قضايا تخصّ تمويل الإرهاب أو التورط فيه.

أول رد فعل من مكتبات ألف

في أول رد فعل من "ألف"، قال عماد العادلي، المستشار الثقافي لسلسلة المكتبات، إن قرار لجنة إدارة أموال الإخوان المسلمين شمل ما هو أوسع من مكتبات ألف. وأضاف في تصريحات لالترا صوت: "الأمر وصل إلى حد التحفظ على الشركة العربية الدولية للتوكيلات التجارية المالكة لمكتبات ألف، والإجراء الذي اتخذ حتى الآن، بخلاف إغلاق بعض الفروع على يد الشرطة، تعيين مراقب مالي من أخبار اليوم للتأكد من البلاغ المقدم ضد المكتبة".

وتدخّل اتحاد الناشرين المصريين لتبيّن الأزمة، وعلق على ما يثار بشأن التحفظ على مكتبات ألف، وعلى لسان رئيس الاتحاد، عادل المصري، فإن "الإجراءات الحكومية المتخذة لن تؤثر على العلاقة المتميّزة التي تربط الشركة بالناشرين ولن تمسّ حقوقهم لدى الشركة".

وأضاف المصري في تصريحات صحفية: "الشركة ستستمر في التعامل مع الناشرين بالشكل المعهود دون تغير، بجميع فروعها بشكل عادي، والإجراءات المتخذة لم ولن تؤثر على أعمالها"، وذلك السَعي يعمل اتحاد الناشرين لأجله خلال الفترة الماضية. 

صندوق تحيا مصر.. السبب الخفي في التحفظ على "ألف"

عزا بعض المتابعين التحفظ على أموال الشركة المالكة لمكتبات "ألف" إلى عدم دفع مالكها أي مبالغ أو تبرعات لصندوق "تحيا مصر"، الذي أطلقه السيسي لجمع ميزانية موازية بالمليارات من رجال الأعمال المصريين، وشهدت الفترة الماضية تنكيلًا بمن رفض الدفع، كما جرى مع صلاح دياب، مالك صحيفة "المصري اليوم"، الذي تم اقتياده للسجن وتصويره مقيّدًا ونشرت صوره عبر صفحات وزارة الداخلية المصرية.

كذلك، وفقًا للتفسير، اتَّبعت سلطات القاهرة السلوك ذاته مع عمر الشنيطي، الذي لم يتبرع لصندوق تحيا مصر، نظرًا لكونه خبيرًا اقتصاديًا، لكنه عبر عدة مقالات منشورة في عدة مصادر، قدم نصائح أخرى لإنقاذ الجنيه المصري من الانهيار أمام الدولار.

وعبّر متابعون على السوشال ميديا عن غضبهم ممّا لجأت إليه الدولة في التعامل مع سلسلة مكتبات يعتبرونها ناجحة، ومستوفية التراخيص؛ إذ لها فروع داخل هيئات وجهات حكومية، مثل محطات القطارات بالقاهرة والإسكندرية، على مدى السنوات الماضية، ولم يثبت عليها أي مخالفة، أو تتم مداهمتها، رغم مرور أربع سنوات على رحيل محمد مرسي عن الحكم.

عمر الشنيطي.. ليس إخوانيًا ويقدم نصائح لاقتصاد السيسي

عمر الشنيطي، مالك مكتبات ألف، معروف بنصائحه الدائمة، عبر مقالاته في عدّة وسائل إعلام، أبرزها صحيفة الشروق، للنظام المصري لتجاوز أزمة هبوط الجنيه، وكان على خلاف اقتصادي مع جماعة الإخوان، ورغم ذلك لم يسلمْ من الطغيان والحجب والغلق بدعوى كونه إخوانيًا ربما لخلفيته التي ترجع لدراسته الاقتصاد الإسلامي. لكن عمر الشنيطي، كما تدافع عنه فئة في منصات التواصل الاجتماعي، خبير اقتصادي يقول ما يمليه عليه ما تعلّمه، فهو حاصل على بكالوريوس في الاقتصاد وإدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الخدمات المصرفية الإسلامية والتأمين من معهد التأمين والخدمات المصرفية الإسلامية في لندن، وماجستير إدارة الأعمال من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وعمل مستشارًا اقتصاديًا وإداريًا لعدد من الشركات، من بينها "لوجيك وبووز وسكوبس".

لم تكن "ألف" نافذة لبيع الكتب فقط، إنما ساقية ثقافية، كانت تبيع الإصدارات الحديثة، وتقيم فعاليات ثقافية 

الافتراضات تضع اتهام عمر الشنيطي، وطغيان النظام المصري تجاهه في خانتين، الأولى هي مرجعيته الإسلامية في الاقتصاد المصرفي، والثانية هي تأسيسه لعدد من الجمعيات الأهلية للتطوير وخدمة المجتمع، وهو الاتجاه الذي يكرهه ويرفضه السيسي منذ توليه الحكم. 

هل تدعم مكتبات ألف الإرهاب؟

انطلقت مكتبات ألف في مصر قبل ثماني سنوات باعتبارها - صوريًا - بديلًا عن مكتبات الشروق، التي فقدت جانبًا من رونقها باعتمادها على كتاب على غير وفاق مع الشارع، وتحديدًا جمهور الشباب، فاستضافت كتّابًا من كافة الطيف الثقافي المصري، وعرضت كتبًا لجميع الآراء على الساحة السياسية، في فرعها الأول بضاحية مصر الجديدة، تلاها فرع آخر بحي الزمالك، ثم توسّعت حتى بلغت 37 فرعًا بمحافظات الجمهورية.

اقرأ/ي أيضًا: معرض دمشق الدولي.. تجميل إجرام الأسد بفنانين انتهت صلاحيتهم

واختار ملاك المكتبة "ألف" اسمًا لها، لأنه الحرف الأول في الأبجدية العربية، وهو الأول في حروف كلمة "أندلس"، التي جمعت العلوم والثقافة والحضارة في أبرز الفترات الحضارية العربية.

لم تكن مكتبة "ألف" نافذة لبيع الكتب وحسب، إنما ساقية ثقافية، كانت تبيع الإصدارات الحديثة، وتقيم فعاليات ثقافية من حفلات توقيع وندوات ومؤتمرات وأمسيات شعرية، فغذَّت الثقافة المصرية في وقتٍ تراجعت فيه جميع القوى الناعمة بالقاهرة، وفي مقدمتها وزارة الثقافة.. فكانت مكتبة "ألف" بمثابة وزارة ثقافة بديلة.

وأشهر الفعاليات هي "اتكلم مع ألف"، وهي جلسة مناقشة حرّة تستضيف الجميع بلا انتقاء، و"الطيارة"، وهي فكرة لعرض سريع لأحد الكتب المثيرة للجدل، بالإضافة إلى ترشيح الكتب باستمرار من جانب مفكرين وكتاب من مصر والعالم العربي، وعرضها على القراء، إلى جانب ورش تعليمية في مجالات مختلفة، مثل الرسم والخط العربي والتصوير.

عصر تشميع مكتبات مصر بدأ بـ"الكرامة"

بدأ عصر تشميع المكتبات في مصر مصر بمكتبات الكرامة، التابعة للناشط الحقوقي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، ولذلك فإغلاق مكتبة "ألف" ليست الواقعة الأولى، وقيل إن ذلك يضع النظام المصري بين خيارين، إمّا إنه يكره القراءة أو أنه يكره الكرامة، لكن الآن، ثبت إنه يكره الثقافة.

وكان إغلاق مكتبات الكرامة بالشكل ذاته.. فقد خرجت حملة أمنية استهدفت أفرعها بالأحياء الشعبية والفقيرة، التي كانت تقدم خدماتها بها، وجاء الدور الآن على مكتبات ألف لتتورّط في الاتهام بالإرهاب، دون إجابة وافية عن: كيف تتورّط مكتبة في أعمال إرهابية؟

وجاءت ردود الفعل في المرتين، الأولى التي عصفت بمكتبات الكرامة والثانية التي عصفت بألف، رافضة ومعارضة للنظام المصري، خاصة إن القرارات ليست قانونية، ولا تستند إلى حكمٍ قضائي، فاعتبروها تعسّفية، وبدأت حملة شملت فيسبوك وتويتر للتشهير بنظام يكره الثقافة ولحشد الدعم ضد إغلاق مكتبة "ألف".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصحافة الثقافية في المغرب.. حالة احتضار

منع مقهى أدبي يحرّك الشارع في الجزائر