30-مايو-2021

خريطة اتفاقية سايكس بيكو (ويكيبيديا)

في هذا الجزء من الكوكب، حيث ولدنا (أقصد نحن القادرين على فهم العبارة بهذه اللغة). كان علينا أن نتقاسم مع الأرض أقدارها. أن نتماهى معها ونقولب ذواتنا الفردية والجمعية وفق ما جرى ويجري عليها.

أقرب النماذج بالنسبة لنا كان الشكل الجديد الذي اختارته آخر الإمبراطوريات التي حكمتنا، وفكرنا أن نصبح مثلها: دولة وطنية

لا إرادة لنا في فعل ذلك، فلطالما كانت الأمور تجري بهذه الطريقة، ألا نحمل أسماء الأرض ودلالات سيرتها ضمن أسمائنا وألقابنا بشكل أو بآخر؟ ألسنا عربًا أو كردًا أو حلبيين أو صعايدة أو حجازيين أو لبنانيين؟ محمد وجهاد وأميرة ويافا وفرات وحسين ويعرب وبلقيس؟

اقرأ/ي أيضًا: النقد الآمن

تدهشنا بعض التفاصيل هنا وهناك، نقف عاجزين أمام بعض الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية، خصوصًا تلك التي تبدو جماعية، والأكثر أن تكون تناقضًا حادًا يقسم مجموعات فرعية تنتمي لمجموعة أكبر نفترض أنها واحدة. فنرى جماعتين طائفيتين تذبحان بعضهما فيما تحملان لقبًا "عقاريًا" واحدًا، أو جماعتين عقاريتين تتبادلان طلقات المدفعية فيما تحملان انتماءً طائفيًا واحدًا، أو نرى موقفًا سياسيًا غير قابل للفهم باستخدام أبسط قواعد المنطق، لأنه يحمل تقلبات وتبدلات تتناقض كليًا مع المفاهيم التي آمنّا بها مثل عدالة وأخلاق وظالم ومظلوم.

نذهب نحو الفلسفة باحثين عن التفسير، نحو علم النفس الفردي والجماعي، نحو العلوم الطبيعية، علم الاجتماع، التطورية وعلوم الدماغ، الاقتصاد وسطوة المصالح، نحو التاريخ، وهو الأداة التي يمكن أن تقدم لنا إجابات أكثر مما تفعل باقي الأدوات، لأن ما يحتويه بطن التاريخ هو في النهاية خلطة ما التهمه من باقي العوامل والعناصر.

منذ ثلاثة آلاف عام (تحديدًا منذ نشوء وتوسع الدولة الآشورية الثانية في القرن العاشر قبل الميلاد)، أصبح هذا الشرق أجزاء متفرقة تخضع جميعًا لراية إمبراطورية واسعة، حافظ كل جزء على بعض خصوصيته، تلقى الأوامر العليا من أور، روما، بغداد، القاهرة، الأستانة، لندن، سدّد ما عليه تجاه الامبراطورية من ضرائب ودماء أبناء، من تأثّر وتأثير، من تغييرات في اللغة والعقائد والهويات، من تبدّل في العادات والولاءات.

دونما انقطاع، تنازعتنا الإمبراطوريات منذ ذلك الوقت، بل وتقاذفتنا أحيانًا مثل طابة. لا تزول واحدة إلا على يد واحدة أخرى، وبسيوفها وبجيوشها التي تحجب الأفق، ولا تذهب واحدة دون أن تترك بعضًا من آثارها علينا. في إيماننا ومنظومتنا الفكرية والأخلاقية. حدود ما نقبل وما لا نقبل؛ ما هو ممكن وما هو مستحيل؛ درجة تحمّل عسف السلطات؛ السويّة الفكرية للحكّام؛ صيغ تلقّي الأوامر؛ دور رجال الدين ودور رجال السياسة؛ تعريف الهوية ومواءمتها مع ما نشعر به حقًا؛ معرفتنا بذواتنا وبمن يشتركون معنا بشيء ما. تراكمت هذه الآثار حتى كسرت الجدار الفاصل بين التقية والفصام.

في منتصف القرن العشرين، وبعد آلاف السنين من التنقّل بين أيدي الإمبراطوريات، قررت بريطانيا وفرنسا فجأة ـ بأثر مباشر للحرب الثانية ـ أنهما لم تعودا ترغبان بأن تكونا إمبراطوريتين. وبأثر مباشر لهذا القرار أيضًا أفلتتا هذه المنطقة كطابة لا يريد أحد التقاطها.

نهضنا محاولين تلمّس جسدنا، إيجاد أنفسنا؛ معرفة من نكون؛ تلفّتنا حولنا لنرى كيف يقف الآخرون منتصبين، فيما ننفض الغبار والطين عن أكتافنا. أقرب النماذج بالنسبة لنا كان الشكل الجديد الذي اختارته آخر الإمبراطوريات التي حكمتنا، وفكرنا أن نصبح مثلها: دولة وطنية.

لم ننضج بعد، وهذا ربما يفسر الكثير من الأشياء، ما زال الوقت مبكرًا جدًا كي نصبح مفهومين لأنفسنا وللآخرين

تقاسمنا الجغرافيا على عجل؛ تمامًا كما شخبط لنا أولئك الأباطرة قبل أن يرحلوا على عجل. تمترسنا بالعقارات التي حصلنا عليها؛ صنعنا بضع دول مرتجلة، ورفعنا الشعارات التي يتطلبها بناء الدول الوطنية، بحثنا عن روابط تجمعنا؛ عن حكايات نكرّرها؛ عن أبطال نستلهمهم، شكلنا فرق كرة قدم ونظّمنا لها دوريات؛ توهّمنا ملامح، كتبنا أغانٍ، صغنا أيديولوجيات، اختلقنا عداوات صغيرة بين بعضنا، استثمرنا بها، انصعنا لحكّام، انقلبنا عليهم، ترجمنا مفاهيم ومبادئ من أسيادنا السابقين، وحاولنا تطبيقها على دولنا الوطنية الناشئة.

اقرأ/ي أيضًا: أمّ المؤامرات

لذلك لا يكاد يمرّ يوم دون أن نقف مصعوقين (البعض منا على الأقل) أمام حدث جماعي يتناقض كليًا مع ما نعدّه بديهيًا وصحيحًا، من تفجير هنا، ومسيرة هناك؛ من حرب تنشب، ونظام ينهار، وحدود تتأرجح، من حاكم خيمة يتصرف كالأباطرة، بعض شعبٍ يصدّقه؛ شاعر يحلم بسلام مثالي، وجماهير تصفق لزعيم أقل ذكاءً منها، وزعيم يعتقد وادي السيلكون وول ستريت مراسيم أو قوانين تنظيمية.

لم ننضج بعد، وهذا ربما يفسر الكثير من الأشياء، ما زال الوقت مبكرًا جدًا كي نصبح مفهومين لأنفسنا وللآخرين؛ فما الذي ستقوى عليه بضعة عقود من الادعّاء أمام عشرات القرون من التجذّر؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

محنة غياب الوجوه

عنصرية: مدن وكلاب