محنة غياب الوجوه

محنة غياب الوجوه

لوحة لـ نذير اسماعيل/ سوريا

نسميه وجهًا. ومن معاني الوجه المتعارف عليها، أنه الواجهة أو الصورة التي تظهر للآخرين، وتمكنهم من التعرف على صاحب الوجه. لكن معنى الوجه في اللاتينية يذهب أبعد. لأنه مشتق من فعل الرؤية. فهو الذي يرى وهو الذي يُرى في الوقت نفسه. والحال، نحن نتعرف وجوه الناس، والناس تتعرف وجوهنا.

الأوشام على الأجسام تريد صناعة وجوه للأذرعة والسيقان والبطون والظهور والأعناق بحيث يمكن للرائي أن يتعرف على هوية الشخص من الوشم الظاهر على جسمه

لم يكن ثمة داع لاستذكار هذه البدائه، لو أن الوجه اليوم ما زال يضطلع، دائما، بهذه الوظيفة. أو لنقل: لو إنه ما زال الجزء الوحيد من الجسم الذي يملك مقومات غير مادية. إذ ثمة تحولات وتغييرات طرأت من جانبي المسألة. فالمجتمعات الحديثة تنحو يومًا بعد يوم إلى حصر الوجه في التعبير عن شكل محض، وإعطاء أجزاء الجسم الأخرى أبعادا غير مادية في معظم الأحيان تفوق قدرتها على التعبير عنها.

اقرأ/ي أيضًا: مجتمع بدون واجهة

الأوشام على الأجسام، وهي صناعية بالكامل، تريد صناعة وجوه للأذرعة والسيقان والبطون والظهور والأعناق بحيث يمكن للرائي أن يتعرف على هوية الشخص من الوشم الظاهر على جسمه. والصناعات التجميلية تساهم مساهمة فعالة في جعل كل الابتسامات شبيهة ببعضها البعض، وكل الشفاه لها المظهر نفسه، وعمليات حشو أجزاء الوجه التي تتزايد بسرعة هائلة على امتداد المعمورة، تقلص فرص الوجه في التعبير عن شخصية صاحبه وأمزجته وأحواله.

بين أعضاء الجسم كلها يتميز الوجه بأنه الأكثر تغيرًا وتحولًا. وعلى الرغم من تحولاته الكثيرة، إلا أنه أقرب الأعضاء إلى الاحتفاظ به في الذاكرة. فالمرء يستطيع تذكر الوجوه بسهولة، ويستطيع أن يحركها في مخيلته بحيث يمكنه التعرف عليها حين تكون قيد التعبير عن حال أخرى غير التي لمحها عليها في النظرة الأولى. سنحتفظ في ذاكرتنا بملامح وجه ضاحك رأيناه، ونستطيع تمييزه في المستقبل لو حدث ورأيناه غاضبًا أو باكيًا أو خجلًا. لكننا غالبًا ما ننسى ملامح الأعضاء الأخرى في الجسم ما أن تغيب عن ناظرنا. فالمرء قد يعجب بصدر امرأة أو أردافها وهي تمر بجانبه على الرصيف، لكنها ما أن تغيب عن ناظريه حتى لا يعود قادرًا على استعادة الصورة، أو التعرف عليها من دون حاجة إلى التملي بوجهها.

تنحو المجتمعات الحديثة إلى صناعة تعابير متشابهة لكل الوجوه: هذه ابتسامة السلفي، وتلك تكشيرة الغضب

اقرأ/ي أيضًا: المدينة التي تزيّف بوصلات العالم

تنحو المجتمعات الحديثة إلى صناعة تعابير متشابهة لكل الوجوه: هذه ابتسامة السلفي، وتلك تكشيرة الغضب، وهذا التعبير هو ما يكون عليه الوجه في لحظة التأمل. وبالتالي فإن كل الوجوه باتت تعبر عن دواخل أصحابها على النحو الصناعي نفسه في كل وقت. ويحدث أنه مع سيادة التنميط هذا، أن تجتاح جائحة كورونا هذا العالم، ما يلزم الجميع بإخفاء وجوههم بالكامل. ويجعل أمر التعريف والتعرف بالوجه حقا حصريًا للسلطات، في المطارات وأقسام الشرطة والدوائر الرسمية. لقد أصبح الوجه محجوبًا عن نظائره، إلى حد أن العين التي كانت في زمن مضى نافذة الروح، باتت مجرد مستشعر لحدود المخاطر التي تحيق بالجسم. كلنا اليوم أصبحنا نستخدم أعيننا لتجنب الاحتكاك بالناس أو التملي في وجوههم ومحاولة التعرف إليهم. النظرة الوحيدة التي نملك حقًا كاملًا في تثبيتها اليوم هي النظرة إلى أجسام العابرين من الخلف. وبهذا بات الجسم البشري مجرد وليمة لرغباتنا، في نكوص بالغ الخطورة عما كانت عليه حالنا منذ عقود، حين كان وجه الآخر يشكل دعوة صريحة إلى تحقيق متعته، ولا يكون جسمه مستسلمًا لرغبات الناظر بل داعيًا الناظر إليه إلى تحقيق رغبته.

هل تعود الوجوه إلى دورها السابق في تطلب رعاية الناظر إليها وحنانه وتفهمه، أم أننا تحولنا جميعًا إلى مفترسين؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "الإنسان والعمران واللسان".. قراءة في أمراض المدينة

كتاب "مدن متمردة".. حقُنا في المدينة