هونغ كونغ تنتفض في وجه الصين: ماذا يحدث في أكثر الدول حرية اقتصادية في العالم؟

هونغ كونغ تنتفض في وجه الصين: ماذا يحدث في أكثر الدول حرية اقتصادية في العالم؟

اعتبرت الصين أن احتجاجات هونغ كونغ مسيرة من قوى خارجية (Getty)

أرجأت حكومة هونغ كونغ مناقشة مشروع قرار يتيح تسليم المتهمين للصين لأجل غير مسمى، بعدما تظاهر مئات الآلاف احتجاجًا على القانون الذي يقوض الاستقلال القضائي في الجزيرة بحسب ما يرى نواب معارضون، في الوقت الذي هاجمت الصين عبر صحافتها الرسمية دولًا أجنبية ادعت أنها قدمت الدعم للمعارضة من أجل تنظيم التظاهرات، قبل أن تعلن سحب مشروع القانون نهائيًا، وإلغاء نقاشه في المجلس التشريعي.

رغم تبعية هونغ كونغ للصين فإن قانونها الأساسي الذي وقع قبل انتهاء عقد الإيجار مع بريطانيا قد نص على تطبيق مبدأ "بلد واحد، نظامان مختلفان" في الحكم، والذي أتاح لها الاحتفاظ بنظامها الرأسمالي

هونغ كونغ تتراجع عن مشروع قانون تسليم المتهمين للصين

قالت رئيسة هونغ كونغ التنفيذية كاري لام السبت الفائت إنه بعد مداولات داخلية متكررة خلال اليومين الماضيين، قررت الحكومة تعليق مشروع قانون يقترح تسليم المتهمين إلى الصين لمحاكمتهم لأجل غير مسمى، مطالبًة من جديد في التواصل مع كل قطاعات المجتمع، والانخراط في المزيد من الشرح والتفسير والاستماع لوجهات النظر المختلفة، وحاولت لام خلال مؤتمرها الصحفي أن تتفادى أسئلة الصحافة حول إن كانت ستتنحى طالبًة من المواطنين منح الحكومة "فرصة ثانية".

اقرأ/ي أيضًا: "قرن الأمجاد الصينية".. صراع بكين وواشنطن للسيطرة على الجيل الخامس

وشهدت هونغ كونغ الأسبوع الماضي مظاهرات شعبية واسعة احتجاجًا على بدء مداولات في المجلس التشريعي بشأن إقرار مشروع القانون الذي يسمح بتسليم المتهمين إلى الصين، وتحول الاحتجاج لاشتباكات بين أفراد الشرطة والمتظاهرين، بعد محاولتهم شق طريق لمبنى المجلس التشريعي، ردت عليهم الشرطة باستخدام الهراوات ورذاذ الفلفل بحسب ما نقلت وكالة رويترز.

ووفقًا لتقديرات أعلنها منظمو الاحتجاجات فقد شارك في المظاهرات أكثر من مليون شخص، وهو عدد يفوق مثلي المشاركين في المظاهرات التي أجبرت حكومة البلاد عام 2003 على التخلي عن قوانين أكثر صرامة فيما يتعلق بالأمن القومي، فيما قالت الشرطة إن 240 ألفًا شاركوا في ذروة الاحتجاجات التي شهدتها هونغ كونغ الأسبوع الماضي.

الصين تتهم "قوى أجنبية" بإثارت مظاهرات هوكج كونج

المظاهرات الحاشدة التي شهدتها هونغ كونغ دفعت الصين لاتهام "قوى خارجية" تدعم المعارضة بالوقوف خلفها، وردت على مطالبة الكنيسة الكاثوليكية في البلاد للرئيسة لام بالتخلي عن مشروع القانون بإعلانها الدعم "الحازم" للقانون، قبل أن تؤكد الأحد الفائت على لسان مسؤول حكومي مقرب من الرئيسة لام بأن القانون الذي أرجأت مناقشته في المجلس التشريعي تم سحبه فعليًا، ورفض بكين تنحي لام عن منصبها حتى لو أرادت ذلك.

ودافعت الصحافة الصينية الرسمية عن مشروع القانون الذي اعتبرت أنه "سيقوي حكم القانون ويحقق العدالة"، وهاجمت المتظاهرين الذين استخدموا " كبيادق في مناورات تهدف للحصول على مكاسب سياسية"، مشيرًة إلى أن "بعض القوى الأجنبية تستغل الفرصة للدفع باستراتيجيتهم لإيذاء الصين من خلال نشر الفوضى في هونغ كونغ".

وأكدت صحيفة تشاينا ديلي الرسمية في خبر لها أن بكين ستواصل دعمها للرئيسة لام، مؤكدة على أن ذلك "لن يتزعزع لا في مواجهة أعمال العنف في الشوارع ولا أمام التدخلات ذات النوايا السيئة للحكومات الأجنبية"، مضيفًة أنه يجب ألا يكون لدول مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا رأي في مشروع القانون المثير للجدل.

وكان المجلس التشريعي قد شهد في أيار/مايو الماضي اشتباكات بين نواب من المعارضين والمؤيدين لمشروع القرار، وأدى الاشتباك حينها إلى فقدان أحد النواب وعيه نتيجة الشجار العنيف، بعدما اعتبرت المعارضة في هونغ كونغ أن مشروع القانون يشكل "تقويضًا للاستقلال القضائي".

ما علاقة الصين بنظام الحكم في هونغ كونغ؟

كانت جزيرة هونغ كونغ في ثلاثينات القرن الـ18 تتبع للصين قبل اندلاع حرب الأفيون الأولى بين الأخيرة وبريطانيا، وفي عام 1842 تنازلت الصين رسميًا عن الجزيرة بعد احتلالها من قبل القوات البريطانية، وعام 1898 وقعت بريطانيا مع الصين عقد إيجار لمدة 99 عامًا لتوسعة هونغ كونغ ضمت بموجبها جزيرة لانتاو في الغرب، والمناطق المجاورة للمدينة شمال كولون، والتي أصبحت تعرف بمسمى الأقاليم الجديدة، ولا تزال هذه الحدود ثابتة حتى اليوم.

تعرضت الجزيرة التي تقع بين بحر الصين الجنوبي ودلتا نهر اللؤلؤة إبان الحرب العالمية الثانية للغزو الياباتي، وتمكنت القوات اليابانية من احتلالها بعد استسلام الجنود البريطانيين والكنديين، وبعد انتهاء الحرب العالمية بانتصار الحلفاء تمت إعادة هونغ كونغ لوصاية الاستعمار البريطاني، ومع مرور 99 عامًا على عقد الإيجار الموقع بين الصين وبريطانيا أُعيدت ملكية الجزيرة لصالح الصين في عام 1997، وأصبحت بذلك أول منطقة إدارية خاصة للصين تتمتع بنظام حكم ذاتي مستقل تحت وصاية بكين.

نظام الحكم في هونغ كونغ

ورغم تبعية هونغ كونغ للصين فإن قانونها الأساسي الذي وقع قبل انتهاء عقد الإيجار مع بريطانيا قد نص على تطبيق مبدأ "بلد واحد، نظامان مختلفان" في الحكم، والذي أتاح لها الاحتفاظ بنظامها الرأسمالي لما لا يقل عن 50 عامًا اعتبارًا من عام 1997.

وتتألف هرمية نظام الحكم في هونغ كونغ بدءًا من الرئيس التنفيذي، وهو منصب وجد بدلًا عن منصب الحاكم خلال فترة الاستعمار البريطاني، ويتم اختيار الرئيس التنفيذي حسب الأقدمية من أعضاء المجلس التنفيذي المؤلف من 16 شخصًا، ضمنهم رئيس أمانة الحكومة، ورئيس لجنة السياسات، ويشكل أعضاء الحكومة، بالإضافة لـ16 آخرين غير رسميين يكونون عادًة من المشرعين البارزين من الأحزاب السياسية المؤيدة للإنشاءات، ويرأسها منسق الأعضاء غير الرسميين.

ويقوم الرئيس التنفيذي بمهام ترشيح أسماء الوظائف الرئيسية للصين من أجل الرفض أو القبول، وإنشاء العلاقات الدبلوماسية، وتنصيب القضاة، والموافقة على التشريعات الصادرة عن المجلس التشريعي، وعلى الرغم من منح الرئيس التنفيذي صلاحيات واسعة، إلا أنه ملزم قبل اتخاذ أي قرار سياسي باستشارة أعضاء المجلس التنفيذي الذي يجتمع في الأسبوع مرة واحدة على الأقل.

أما المجلس التشريعي في الجزيرة فهو مؤلف من 70 شخصًا يتم اختيارهم مناصفة عن طريق انتخابات مباشرة للمقيمين الدائمين في هونغ كونغ للنصف الأول، وانتخابات غير مباشرة تشارك بها منظمات وشركات خاصَة أو أشخاص محددون مسبقًا للنصف الثاني من الأعضاء، ويناط بالمجلس مهام إقرار أو تعديل أو إلغاء القوانين، وفحص ميزانيات الدولة والضرائب والنفقات العامة والموافقة عليها، ومتابعة عمل الحكومة ممثلًة بأعضاء المجلس التنفيذي.

الدولة الأولى في الحريات الاقتصادية  

وفق تصنيف مؤشر الحريات الاقتصادية فإن الجزيرة التابعة للصين تحتل المرتبة الأولى بين الدول التي يشملها التصنيف، ويشير المؤشر لازدياد الحريات التجارية والنقدية، وتمتعها بشكل نظيف في مكافحة الفساد جعلها تتصدر قائمة المؤشر منذ عام 1997، إلا أنه حذر من تأثير الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة سلبًا على اقتصادها.

ويعتمد المؤشر في قياسه للحريات الاقتصادية لدى الدول مجموعة من العوامل الأساسية، تلخص بالقوانين مثل حقوق الملكية والتحرر من الفساد، ومحدودية الحكومة كالحرية الضريبية، والإنفاقات الحكومية، وكفاءة التنظيم في التعامل مع الحريات النقدية والتجارية والعمالة، والأسواق الحرة.

ويشير المؤشر إلى أن أعلى معدل ضريبة تدفعه الشركات هو 16.5 بالمئة، وبلغ الإنفاق الحكومي 17.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018، فيما بلغ متوسط ​​فائض الميزانية 3.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أما الدين العام فإنه يعادل 0.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتضم نحو 40 ألف مصنع، فضلًا عن عشرات الآلاف من الشركات.

اقرأ/ي أيضًا: إلى أين ستنتهي "حرب الجمارك" بين ترامب والصين؟

وتصنف هونغ كونغ في وقتنا الراهن كواحدة من أكثر مرافئ العالم ازدحامًا، ومراكز التجارة أهمية، بالإضافة لتميزها بناطحات السحاب والأبراج العملاقة، والفن المعماري الحداثوي الذي حافظ على التقاليد الصينية عند بنائه، إلا أن هذه الحرية الاقتصادية تنعكس على أسعار العقارات فيها، إذ تقول تقارير إن منزلًا مساحته 85 مترًا يزيد ثمن إيجاره بنسبة 67 في المائة عن منزل مماثل في لندن، و34 في المائة عن نيويورك.

تصنف هونغ كونغ في وقتنا الراهن كواحدة من أكثر مرافئ العالم ازدحامًا، ومراكز التجارة أهمية، بالإضافة لتميزها بناطحات السحاب والأبراج العملاقة، والفن المعماري الحداثوي الذي حافظ على التقاليد الصينية

هذا، ويعتمد اقتصاد هونغ كونغ على الموارد الصناعية مثل صناعة الألمونيوم والبلاستيك، والإلكترونيات والكهربائيات، والملابس والنسيج، فضلًا عن تقديم خدمات السياحة والترفيه والصيرفة والنقل البحري، فيما تعتبر مواردها الزراعية محدودة وتقتصر في صدارتها على منتجات الأسماك والدجاج والأرز والخضراوات.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حين أصبحت هواوي رأس الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة

كل ما تريد معرفته عن WeChat.. أكبر تطبيق صيني للمحادثة