10-يونيو-2022
توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، أم كلثوم

توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، أم كلثوم

ما زلت أذكر جيّدًا، في قاهرة العرب، مدينة تلهث تحت نار شمس قاريّة صباحًا وترتعب في برد ليل صحراوي. في أواسط شعبان، أي بين نهاية التّشارين ومطلع الكوانين من هذا العام 1998، ليكتمل العقرب المئوي في دورته معلنًا مرور قرن على ولادة واحد من أكبر كتّاب الدراما العرب وأحد مؤسسي هذا الفن.

لم يكن جابر عصفور من منصّته الرسميّة في المجلس الأعلى للثقافة في مصر، ولا من مكتبه النقدي كمراقب وناقد عربي معروف يدرك إلى أي مدى سيُمثل بالجسد الحكيمي، بعيدًا عن جذوة إنسانيته المتقدة وصفاء سؤاله الإبداعي المتواصل الذي واكب طيلة القرن المنصرم واعدًا بحمايته قرونًا أخرى من التفكك والتفتت، في حين لا تقوى أجساد حاضرة أن تبقى بنضارتها في معمعاننا العربي الثقافي اليوم.

بين ثنائية المديح والهجاء، الخير والشر، الجمال والقبح، الأسود والأبيض يتأرجح الخطاب النقدي العربي

 

بقي توفيق الحكيم طيلة أيامه المئوية محتفظًا بهدوئه وابتسامته المعهودة وهو يواجه أعتى الهجمات التي جعلت منه عاجزًا مصابًا بالقصور الجنسي حتى لا تكاد تُصدّق، وأنت تسمع ما يقال من تأويل عن سوء علاقته بالمرأة، أن يكون قد أحب وأنجب يومًا، وأن له أحفاد جاء واحد منهم ليبارك ذلك "المشرح" باسم الوفاء للجد الكبير، ناهيك عن سيل التصويبات والتصحيحات والاستعراضات والتقويل والتبني التي كانت تضجُ بها الصّالات آنذاك، وتتشدّقُ بها الأشداق والأسماء وكأننا لا نُحسنُ من فنون القول إلا ما نحكُم به على سوانا. تلك هي أسهل صيغ التحقق والتسجد في الخطاب العربي ثقافيًا بين وسط العاملين بهذا الحقل وجماهيريًا بين عموم الناس. فما كاد يبدأ متحدث مقاله إلا وصار يحكم ويصحّح صاعدًا هابطًا منبر الحكم.

بين ثنائية المديح والهجاء، الخير والشر، الجمال والقبح، الأسود والأبيض يتأرجح الخطاب النقدي العربي مثل طقس القاهرة "أيام الحكيم" بين الحر والبرد مساء صباح.

للخروج من هذه الثنائية لا تكفي ندوة ولا سنوات سجال ولا أسواق عكاظ جديدة للنثر هذه المرة. إنّ المنتديات التي تعجّ بها السّاحة الثقافيّة العربية أصبحت شكلًا من سوق للخطاب النثري أقرب هو إلى عكاظ من حيث وظيفته واستناده إلى جدل الخطاب فقط في مواجهة العالم. وإذا استثنينا بعض المهرجانات الشعرية التي هي تواصل وامتداد عكاظي شكلًا ومضمونًا فإن النثر العربي هو الآخر، على رغم بعض المحاولات الجادّة والنادرة في النقد والتحليل والتأريخ، لم يفلت هو الآخر من قبضة الشعر كخطاب لأن المتحدث، خصوصًا في مثل هذه المنابر سرعان ما يقع في فخ غنائية المنبر فيكتفي بشكل الخطاب الحماسي الهتافي، أحيانًا ناسيًا أن للنثر وظيفة تأسيسية للمعرفة المنقولة نثرًا وليس هو مجرد شكل طيّع لشحن المقولات والمرادفات والحماسات وتدبيج بعض أسطر الروايات.

ذلك سؤال محوره أزمة المنطق العربي المعاصر الذي ما زال شعريًا - على رغم قرن الرواية كما يقال وغلبة انتشارها - وكأننا أمّة حُكِمت بالشّعر. فقد كان حبلها السريّ الّذي خرجت به إلى العالم وربما سيكون الحبل الذي ستتدلى منه في آخر أيامها.

لا ينفع حتى ناثر عظيم مثل توفيق الحكيم أن يردع أقرب قرائه والعارفين به أن يجدوا سرّ النثر العميق في رسالته إلى نصّنا المعاصر.

هذه الثنائية الجدلية هي التي يصفعنا بها الحكيم، وللخروج منها لا بد أن نتعلّم كيف نخرج على الجسد وكيف نعود إليه، إنها رياضة ميتافيزيقية عرفها من القدماء الذين يقرأون اليونانية وينتشرون في العالم بين أقاصي الشرق في سمرقند ونهايات الغرب في الأندلس.

رياضة جعلت من توفيق الحكيم من هو عليه اليوم، فتحت لنا مملكة من النثر نصول ونجول فيها، وهبتنا أرضًا جديدة وميادين مُشرّعة لكننا ما زلنا نتقاطع فيها كالظلال أمام جبال راسيات في مصر كالحكيم ومحفوظ وطه حسين وفي لبنان جبران وميخائيل نعيمة. ولنقل هذا بوضوح، لقد عبرنا الى هذه القارّة الجديدة من ضفة زولا وبلزاك وملفيل وغوركي وهمنغواي وتشيخوف، لا من ضفة مقامات الحريري والهمداني ولا من سرديات الجاحظ ولا حتى من غابة حي بن يقظان.

يجب أن نؤمن بجرأة بهذا لنتعلم كيف نخرج من الجسد الأم في ولادة ثانية إلى العالم المعاصر أملًا في ألا ندفن أحياءً في الرّحم الأول. ولنقل بوضوح أنّ الدّراما فن إغريقي غربي المنشأ وأن توفيق الحكيم صورته فينا. وكذلك الرواية فإنّ عبقرية محفوظ هي امتدادٌ بلزاكيّ زولاويّ بالأحرى، وأنّ النقد العربيّ المعرفيّ الّذي تأسّس على يد بعض النقاد، هو تأسيس عربي لعمارة معرفيّة ذهنية وافدة ولا علاقة لها بأبي هلال العسكري ولا بقدامة بن جعفر.

يجب أن نصدّق أن "الأنا والآخر" ليست مجرد لعبة ثقافوية لا ولا حتى مجرد انعكاس مرايا صوفيّة، فالأنا والآخر هو الانشطار "الذريّ" الذي يصنع بطاقته الخلاّقة عالم الفن والإبداع

إننا نؤسس لثقافة معاصرة جديدة كما نتلمس ملامح وجه عصري عالمي نؤثث بكلّ قوى الخلق والابتكار الإنسانيّ عندنا عالمًا عربيًّا نمنحه تفرّدنا وخصوصيتنا الحضارية التي كانت ثمرة التلاقح ولما تزل.

يجب أن نصدّق أن "الأنا والآخر" ليست مجرد لعبة ثقافوية لا ولا حتى مجرد انعكاس مرايا صوفيّة، فالأنا والآخر هو الانشطار "الذريّ" الذي يصنع بطاقته الخلاّقة عالم الفن والإبداع. لا إبداع، لا ابتكار يذهب عميقًا في الكائن من دون شرارة الانشطار هذه التي تقع في أعمق ذرة من الأنا الصغيرة محدّثة الفرن التكويني للإبداع والخلق والتجدد.

وما مسرحُ الحكيم إلا تجسدُ الآخر في الأنا العربية الكبيرة، ومن هنا فإن توفيق هو صورة الآخر في الأنا هو المسرحُ الآتي من شمال المتوسط ومن أغوار الغرب الأثيني - أثينا - مرتديًا حُلّة الدراما التي حفرت مسارحها وساحاتها في بلداننا بعلبك، قرطاج قبل أن تحفر ظلالها في لغتنا متجسّدة في مسرح الحكيم على وجه أخص. هذا الآخر الذي صار الأنا وجد في توفيق الحكيم العملاق الفرد الذي يربط حضارتين، اللحمة التي تصل الكوكبين ببعض فيختلطا وتبقى.

تلك هي رياضة الخلق في الخروج من الجسد الأم وعلى الجسد الأم. وإن كان لتوفيق الحكيم درس فمنها وإن كان له نموذج فبها وإن كان هو بتميّزه ففيها

 

أيضًا لهذا الكاتب جسارة الأداء حيث اللغة التي لا تهرم تتفتت في عاميّة يومية معروفة تدخل إلى الخشبة المقدسة من دهاليز الأيام وحارات الليل. محدّثة سؤالًا خطيرًا حول الهوية. فالسؤال العربي عربيًّا هو سؤال اللغة قبل كل شيء. وسؤال اللغة هو سؤال الهوية وسؤال الهوية هو سؤال الوجود وهكذا دواليك.

هكذا يصنع الحكيم شرخَه الخاص في ملامح الهوية اللغوية محدثًا ثقبًا يطل على سماء من الأسئلة. ليس لأنه هو الذي بدأها، بل لأنه يطرح السؤال الكبير بحجم مكانته الكبيرة عندما يخلع بُرنصة العربي الفصيح الموشّى ليرتدي دشداشته المصرية ويخاطبنا عبر شخوصه وأبطاله فإنه بهذا يصرّ على هذا الشرخ في مرآة الهوية، ربما بقصد تمزيق الملمح القديم لفسح المجال لوجه بملمح جديد.

يصنع الحكيم شرخَه الخاص في ملامح الهوية اللغوية محدثًا ثقبًا يطل على سماء من الأسئلة. ليس لأنه هو الذي بدأها، بل لأنه يطرح السؤال الكبير بحجم مكانته الكبيرة عندما يخلع بُرنصة العربي الفصيح الموشّى ليرتدي دشداشته المصرية ويخاطبنا

إنّه السؤال الأخطر والتمرين الأصعب الذي يدعونا توفيق الحكيم لممارسته فبعد التدرب على كسر حاجز الذات لنتعلم كسر المرآة. وكسر المرآة في اللغة، للفرد العربي اليوم لا يحدث إلا بشكل ارتطام كوكبي. كوكب يصدم كوكبًا. لا يحدثُ هذا الكسر عندما نرتطم نحن الأفراد، أدباءً أو عاديين بمرايانا. ذلك خدش جزيئيّ. لكن مرآة الوجه العربي لا تتحطّم إلا بارتطام النجيمات والمدارات في المجرّة الإنسانية بعضها بالبعض.

هكذا كان يهمسُ توفيق الحكيم من وسادة مشرحهِ في مكتبة القاهرة الكبرى في أذني، وأنا أخرج من الصالة لأرتمي في أقرب حافلة تقودني إلى أحشاء القاهرة في مقبرة المماليك، هناك حيث الشافعي ما زال يترجل فوق المنبر تصغي له المارة والأطفال والشواهد والغرباء.