هل يحتاج المغرب إلى ضرائب جديدة أم إلى إصلاح ضريبي؟

هل يحتاج المغرب إلى ضرائب جديدة أم إلى إصلاح ضريبي؟

ضرائب جديدة تنتظر المواطن المغربي في 2018 لتزيد تدهور وضعه (فاضل سنا/أ.ف.ب)

في وقت يرزح فيه مواطنو المغرب تحت وطأة غلاء الأسعار والمعيشة، تتجه الحكومة المغربية نحو فرض مزيد من الضرائب لتمويل ميزانيتها، بعدما غالت في طريق المديونية التي وصلت إلى 68.5 مليار دولار بما يقارب %80 من الناتج الداخلي الخام، لتصبح جيوب المواطنين المنفذ الوحيد لتحصيل الإيرادات الكافية للدولة، بدل الانكباب على تجفيف منابع الفساد المستشري.

وصلت المديونية في المغرب إلى 68.5 مليار دولار بما يقارب %80 من الناتج الداخلي الخام، ولتعويضها تعتمد السلطة على ترفيع الضرائب بدل الانكباب على تجفيف منابع الفساد

وقد ارتأت الحكومة في المغرب لمعالجة عجز ميزانيتها فرض ضرائب جديدة، في إطار موازنتها للسنة القادمة، حيث رفعت رسوم رخصة القيادة ورسوم استصدار جواز السفر بالإضافة إلى رسوم رخصة البناء والكحول، مثلما سنت غرامات جديدة كقطع الطريق في ممر غير الراجلين، هذا وجرى رفع الضريبة عن القيمة المضافة المتعلقة بالمحروقات من 10 إلى 14 بالمئة، وفرض ضريبة على الوداديات السكنية. بينما استفادت نخبة المال والأعمال في البلاد من "إعفاءات وهدايا ضريبية في قانون مالية" 2018، كما تقول منظمة "أطاك المغرب"، عضو الشبكة الدولية من أجل إلغاء ديون العالم الثالث.

اقرأ/ي أيضًا: مديونية خارجية متفاقمة تنهك ميزانية المغرب

أثارت هذه الزيادات في الضرائب على المواطن البسيط انتقادات واسعة للرأي العام المغربي، وعجت مواقع التواصل الاجتماعي بالمنشورات الساخرة من الضرائب الجديدة التي أقدمت عليها الحكومة، متندرين من أن الضريبة قد تطال "الهواء" في المستقبل القريب!

في المقابل، يذهب متخصصون إلى أن الضرائب هي المورد الطبيعي لأي دولة، إذ تشكل العمود الفقري لتمويل ميزانية الخدمات الأساسية الحكومية من صحة وتعليم وأمن وغيرها من الخدمات العمومية، لكن المشكلة بالنسبة لهؤلاء تكمن في "غياب عدالة ضريبية"، ويدعون إلى إصلاح ضريبي شامل في البلاد.

وهو ما يحيل إليه الباحث في القانون العام عصام القرني الذي كتب"يحق لنا التساؤل حول من يؤدي الضريبة بشكل أقل، ومن يدفعها بشكل أكبر؟ من له القدرة على ممارسة الغش والتهرب الضريبيين، ومن ليس له مجال للتملص من الفرض الضريبي؟ من يتمتع بالإعفاءات والامتيازات والاستثناءات الضريبية، ومن لا يحظى بأي امتياز؟ من تشكل له المنظومة الضريبية عبئًا ثقيلاً، ومن يستغل هذه المنظومة لتحقيق الارتقاء الاجتماعي؟".

أثارت الزيادات في الضرائب على المواطن البسيط انتقادات واسعة للرأي العام المغربي وطالب مختصون بعدالة جبائية بين فئات المجتمع

وفي هذا السياق، سبق للمدير العام السالف لمديرية الضرائب بوزارة المالية والاقتصاد، نور الدين بن سودة، أن قال إن "حوالي %60 من الشركات الخاصة لا تدفع ما عليها من الضرائب"، مكبدة ميزانية الدولة خسائر مالية تقدر بـ30 مليار درهم سنويًا، أي ما يعادل %8 من الدخل الإجمالي الخام في المغرب. كما أن الأرقام الرسمية تشير إلى أن %80 من الضريبة على الشركات يتم أداؤها من طرف 2% فقط من مجموع الشركات المتواجدة في المغرب، حيث تصرح ثلثا الشركات بعجز دائم في كل سنة، مما يؤكد أن الكثير من الشركات تمارس التهرب الضريبي والغش الضريبي".

اقرأ/ي أيضًا: "طنجة تيك".. ماذا وراء تدفق الاستثمارات الصينية نحو المغرب؟

علاوة على أن %73 من الضريبة على الدخل تتأتى فقط من اقتطاعات أجور الموظفين، الذين لا يستطيعون التملص منها بالنظر إلى أنها تُقتطع منهم أوتوماتيكيًا من البنوك، ما يعني أن الكثير من أصحاب الدخل خاصة من المهن الحرة والأعمال الخاصة لا يؤدون ضرائبهم المستحقة، ناهيك عن أن القانون يفرض ضرائب جد منخفضة على أصحاب الدخول العليا بالمقارنة مع الثروات الكبيرة التي يجنونها في كل عام.

إلى جانب ذلك، يتيح القانون المغربي إمكانية منح امتيازات وإعفاءات ضريبية موجهة لبعض الأفراد والشركات بغية تحقيق "المصلحة العامة"، تقدر هذه النفقة الجبائية بـ 30 مليار درهم سنويًا، تستفيد منها المقاولات وحدها، وتحديدًا مقاولات العقار والفلاحة والصيد البحري، بما يصل إلى نسبة %52 من مجموع هذه النفقة الممنوحة، عوض أن تتوجه هذه الامتيازات الضريبية إلى فئة الدخل المحدود ومجال الخدمات الاجتماعية.

في المغرب، المشكلة لا تكمن في نقص الضرائب في نظر المختصين، وإنما في القدرة على تحصيلها كاملة بشكل ديموقراطي وعادل

لهذا السبب يدعو الباحث عصام القرني إلى "إعادة النظر في سياسة الامتيازات الجبائية، خاصة على مستوى تحديد أهدافها بشكل دقيق قابل للقياس، ثم تقييم مردودية الامتيازات الجاري بها العمل حالياً، حتى نضمن عدم انحراف هذه الآلية عن مسار تحقيق المصلحة العامة نحو تحقيق المصالح الخاصة للأفراد والجماعات، خاصة على المستوى الاقتصادي".

وتتعدى آثار هذه الاختلالات الضريبية في البلد الخسائر الاقتصادية إلى التداعيات الاجتماعية والسياسية، إذ تسهم في إفقار الطبقات الشعبية واغتناء النخب المالية الفاسدة على حساب ميزانية الدولة، التي يمولها المواطنون من خلال ضرائبهم، فتغدو الدولة غير قادرة على تقديم خدماتها العمومية من صحة وتعليم وأمن بشكلٍ فعَّال، نتيجة نقص التمويل، فتضطر إلى فرض مزيد من الضرائب على المواطنين، بشكل عشوائي.

في حين أن المشكلة لا تكمن في نقص الضرائب في نظر المختصين، وإنما في القدرة على تحصيلها كاملة بشكل ديموقراطي وعادل، ومن ثمة يدعون إلى وضع نظام جبائي محكم وعادل، يضمن جمع المستحقات الضريبية من الأفراد والشركات، دون تمييز أو محسوبية، بالإضافة إلى قضاء نزيه لا يتوانى في متابعة المتهربين من الضرائب، خاصة بعض الشركات والمقاولات التي تعمد إلى الحيل الشرعية وغير الشرعية، من تزوير وغش ورشوة وتلاعب بالقانون واستغلال ثغرات قانونية، للحيلولة دون أدائها الضرائب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المغرب تهتز.. فاجعة الصويرة تعكس عمق معاناة المواطن المغربي

البطالة في المغرب.. توقعات متشائمة ومخاوف متزايدة