"طنجة تيك".. ماذا وراء تدفق الاستثمارات الصينية نحو المغرب؟

رؤوس الأموال الصينية تتجه نحو المغرب وعلاقات تتطور في الأفق (جاسون لي/أ.ف.ب)

بات المغرب في الآونة الأخيرة محط اهتمام رؤوس الأموال الصينية، التي شهدت تدفقًا ملحوظاً نحو المملكة، حيث ارتفعت نسبة الاستثمارات التابعة للصين بين سنة 2011 و 2015 في المغرب بحوالي 195 %، وتزايدت بشكل مضاعف خلال السنتين الأخيرتين، حسب معطيات المركز العالمي للمخاطر، وهو ما يثير فضول المراقبين حول سر التحول المفاجئ للرأسمال الصيني نحو الرباط.

يفسر البعض انفتاح المغرب على الاستثمارات الصينية كرد فعل لخيبات الرباط من قبل حلفائها التقليديين في علاقة بالصحراء الغربية

اقرأ/ي أيضًا: 3 أسئلة نخجل من طرحها حول المال.. لحظة ما هو المال؟!

طنجة تيك.. "شنغهاي" جديدة في المغرب

كان مشروع "مدينة محمد السادس طنجة تيك"، الذي أعطيت انطلاقته بشكل رسمي أواخر آذار/ مارس الماضي، أكبر استثمار لبكين في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين المغرب والصين، بكلفة تناهز 10 مليار دولار تغطي العشر سنوات القادمة، وهي المدة المحددة لاكتمال بناء المدينة الصناعية، قرب مدينة طنجة شمال المملكة.

مجموعة "هيتي" الصينية هي من تشرف على بناء هذه المدينة الصناعية، التي يُرتقب أن تكون على هيئة المدن الذكية العصرية، حيث يتم إدماج المناطق الصناعية والتجارية والإقامات والمصالح العمومية وأماكن الترفيه بطريقة متناغمة، وتُوظف التكنولوجيا بشكل مكثف في توفير متطلبات الحياة الجديدة.

وبحسب البلاغ الرسمي لاتفاقية المشروع، فإن هذا المشروع الاقتصادي الضخم سيوفر  100 ألف فرصة عمل، 90% منها ستؤول لفائدة سكان جهة طنجة، كما سيستقطب المشروع حوالي 200 شركة صينية تتكفل بتجهيز البنى التحتية للمدينة الذكية، التي ستستوعب كما هو مقدر لها حوالي 300 ألف مواطن على مساحة تمتد لألفي هكتار.

الأمر لا يقتصر على تدفق الأموال الصينية من خلال الاستثمارات فقط، بل أيضًا تضاعف عدد السياح الصينيين في الربع الأول من العام الجاري إلى ما يقارب 8 أضعاف، بنسبة 784% مقارنة مع نفس الفترة في 2016، وفق ما كشف عنه مرصد السياحة المغربي، وهو ما يعني تحويلات إلى السوق المغربي بملايين الدولارات.

ما أسباب توجه الاستثمارات الصينية إلى المغرب؟

تفسر الرباط التدفق الاستثماري الغزير للصين نحو البلاد بأنه يدخل ضمن استراتيجية تنويع الشركاء الاقتصاديين الدوليين، ومن ثمة عدم ارتهان الاقتصاد المغربي إلى أوروبا، التي تستحوذ على معظم التجارة الخارجية لبلدان شمال إفريقيا، إلا أنه في الواقع لا يمكن فصل هذا التحول المفاجئ للبوصلة الاقتصادية المغربية نحو بكين بقوة، عن متغيرات السياق السياسي، ولاسيما بعد الزيارة التي قام بها العاهل المغربي محمد السادس للصين منتصف العام الماضي.

يرى مراقبون أن فتح المغرب حدوده مشرعة أمام الرأسمال الصيني، يأتي في سياق رد الفعل لـ"خيبات الأمل" التي تلقتها الرباط من قبل حلفائها التقليديين، أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، في السنوات الأخيرة بخصوص موضوع "الصحراء الغربية"، حيث سبق للمحكمة الأوروبية أن أصدرت قرارًا بإلغاء التبادل الحر في المجال الفلاحي والصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، على خلفية نزاع الصحراء، كما شجبت المملكة رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في إقحام حقوق الإنسان ضمن مهام بعثة الأمم المتحدة الساهرة على مراقبة وقف إطلاق النار بين البوليساريو والمغرب (المينورسو).

علاوة على ذلك، تلبدت سماء العلاقات المغربية الأمريكية بمزيد من السحب المقلقة، بعد تقلد دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ترامب الذي اتهم في تغريدة له على تويتر الرباط  بتقديم 12 مليون دولار دعمًا لهيلاري كلينتون، خلال فترة السباق الانتخابي الأمريكي، وبعد أن أصبح رئيسًا لأمريكا، بدت علاقة الرئيس ترامب مع الملك محمد السادس باردة، خصوصًا بعد أن رفض لقاءه، حسب صحيفة "El Confidential " الإسبانية، أثناء مكوث العاهل المغربي في ميامي بولاية فلوريدا قبل شهر، اللقاء الذي أعلنت عنه مسبقا وسائل إعلام مغربية.

وفي ظل تعكر صفو العلاقات بين المغرب من جهة وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، كان لزامًا على الرباط البحث عن شركاء جدد، من أجل خلق توازنات أخرى، فكانت الصين، المنافس للغرب، القبلة الأولى للاستراتيجية المغربية الجديدة.

اقرأ/ي أيضًا: تعويم الدرهم: في أي سياق وأي تداعيات ينتظرها المواطن المغربي؟

الاستثمارات الصينية مشكوكة الجدوى!

لم يكن توجه الرباط لبكين كشريك اقتصادي عبثًا، بل لكونها لا تتدخل عادة في شؤون البلدان الداخلية وهو ما يميزها عن حلفاء آخرين

لم يكن توجه الرباط لبكين كشريك اقتصادي عبثًا، إذ جاء هذا الاختيار كون الصين لا تتدخل عادة في شؤون البلدان الداخلية، ولا تعير اهتمامًا للبعد السياسي والحقوقي أو حتى البيئي بقدر ما تركز على المستوى الاقتصادي في سياستها الدولية. لكن التركيز المبالغ للتنين الصيني على الهاجس الاقتصادي المحض في الاستثمار بالقارة الإفريقية، غافلًا عن البعد الجيوسياسي والثقافي والبيئي للبلد المسثمر فيه لا يقود في الغالب إلى النتائج المرجوة، ولا سيما بالنسبة للبلدان الحاضنة للاستثمارات الصينية.

هذا ما يؤكده تصريح لـ "ما وي هوا"، المدير التنفيذي السابق لبنك الصين لرجال الأعمال، قال فيه "إن نحو 70% من المؤسسات الصينية التي حاولت الاستثمار أو الاندماج والاستحواذ في الخارج، قد عانت من فشل أعمالها بسبب الفشل في اندماج الحضارات والثقافات بين أعضاء الشركات"، حسبما نقلت عنه وكالة شينخوا الصينية.

ويذهب في نفس الاتجاه، الكاتب ميشيل ستريت، الذي كتب مقالًا في صحيفة فايننشال تايمز، ينتقد فيه مقاربة الصين في الاستثمار بإفريقيا، القائمة على بناء الطرق والجسور والبنيات التحتية، دون إنجاز مشاريع حقيقية يمكنها المساهمة في تنمية البلد المستَثمر فيه، ويؤكد فكرته بقوله "إن معظم التجارب الاستثمارية للصين في قارة إفريقيا لم تقدم سوى القليل لتلك البلدان"، داعيًا الصين إلى الاعتماد على بناء "الاقتصاد الأخضر" المتصالح مع الإنسان والبيئة، إذا ما أرادت مساعدة إفريقيا بحق من خلال بوابة الاستثمار.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل ستسقط "الاقتصادات الصاعدة"؟

تعطش هنديّ للتكنولوجيا الإسرائيلية.. وإسرائيليّ للمليارات الهندية!