هل تفي استعارة

هل تفي استعارة "الحرب الباردة" بتفسير شكل العلاقات بين بكين وواشنطن؟

هل تفي استعارة "الحرب الباردة" بتفسير شكل العلاقات بين بكين وواشنطن؟ (Brookings)

ديفيد إي. سانغر، صحفي مخضرم في نيويورك تايمز، ومؤلف كتاب "السلاح المثالي: الحرب والخراب والخوف في العصر السيبراني"، يناقش في هذا المقال طبيعة المنافسة/الصراع الدائر حاليًا بين الولايات المتحدة والصين، وما إذا كان من الملائم وصفه باستعارات الحرب الباردة، وما إذا كانت هذه الاستعارة تفي حقًا بتوضيح شكل العلاقات المعقّدة بين بكين وواشنطن في هذا العصر. كما يستعرض الكاتب آراء مقربين من صنع القرار في البيت الأبيض بشأن نُذرِ تفاقم الأزمة بين القوتين العظميين وتحوّلها، ولو بالخطأ أو الصدفة، إلى حربٍ باردة، وما الذي سيعنيه ذلك في وضع يكاد يستحيل فيه "فك الارتباط" بين أكبر اقتصادين في العالم.


في حواره مع "دير شبيغل" الألمانية الشهر الماضي، قال كيفن رود، رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق والخبير طويل الباع في الشأن الصيني، إن الحرب الباردة بين بكين وواشنطن "ليست محتملة وحسب، بل مرجحة الحدوث". وقد ارتدّ صدى تلك التصريحات في أروقة البيت الأبيض، حيث يعكف كبار المسؤولين على كبح جماح هذه المقارنات، والتحفظ على اللجوء إلى استعارات الحرب الباردة ومصطلحاتها واتقاء مغبّة التصريح بها.

الحكومات التي تسيطر عليها عقليّة الحرب الباردة لن تتورّع عن تضخيم أي نزاع أو تهديد، وتقزيم أي فرصة للتعاون

لكن الجميع يقرّ رغم ذلك، بأن الصين خصم إستراتيجي هائل، وعلى نحو لا تصحّ معه المقارنة مع الاتحاد السوفيتي. فهي خصم يشكل تهديدًا على الصعيد التقني والعسكري والتنافس الاقتصادي. ويكفي متابعة التصريحات التي تصدر عن القادة الأمريكيين التي ينفون فيها كون واشنطن تسعى إلى حرب باردة مع الصين، لمعرفة أنّ الأجواء لا تبتعد كثيرًا عما عاشه العالم في خمسينات وستينات القرن الماضي، خاصة مع إشارة جو بايدن غير مرّة إلى وجود صراع "بين الاستبداد والديمقراطية" في نظر الأجيال.

إلا أن سؤال دخول الولايات المتحدة الأمريكية في حرب باردة جديدة لا يتعلق وحسب بوضع اليد على التعبير الأدقّ عن هذا التحوّل في المشهد السياسي بين قوى العالم الكبرى. فالحكومات التي تسيطر عليها عقليّة الحرب الباردة لن تتورّع عن تضخيم أي نزاع أو تهديد، وتقزيم أي فرصة للتعاون، تمامًا كما حدث بين الولايات المتحدة والصين فيما يتعلق بكوفيد-19، وربما ينسحب ذلك إلى معضلة التغير المناخي.

كما أن الجدل حول ما إذا كان الوضع الحاصل يعدّ حربًا باردة أو أنّ له تصنيفًا آخر أكثر دقّة، لا يدل إلى على مستوى التوتر المتصاعد بين الطرفين، في جانب الإستراتيجية الاقتصادية، والتنافس التكنولوجي، والمناورات العسكرية، برًا وبحرًا وجوًا، وفي الفضاء المادي، والفضاء السيبراني.


يتخوّف الأمريكيون من تخلّي الصين عن سياسة "الحدّ الأدنى من الردع" التي انتهجتها على مدى ستة عقود

فلا شكّ بأن الأسابيع القليلة الماضية قد انطبعت بسلوك تقليدي يعود بنا إلى أجواء الحرب الباردة، من طلعات الطائرات الصينية الحربية داخل المجال الجوي لتايوان، إلى التوسّع الصيني في برنامج الفضاء وإرسال ثلاثة رواد فضاء إضافيين إلى محطتها، وتسريع اختبارات صواريخ الهايبر سونيك القادرة على التغلب على أنظمة الدفاع الأمريكية، وصولًا إلى الإفراج عن مديرة متنفذة في شركة هواوي مقابل الإفراج عن كنديَين وأمريكييَن ضمن عملية بدت وكأنها تبادلٌ للأسرى. أما الولايات المتحدة، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستزوّد أستراليا بغوّاصات تعمل بالطاقة النووية، وهي حركة لم تفوت الصحافة الصينية التعليق عليها، حيث ذكّر محلّلون بأن آخر مرّة أقدمت فيها الولايات المتحدة على خطوة مماثلة كانت عام 1958، حين شاركت تلك التقنية الخاصة بالدفع النووي مع المملكة المتحدة لمواجهة الترسانة النووية الروسية.

أما قبل الإعلان عن الصفقة مع أستراليا، فقد كشفت صور التقطت عبر الأقمار الصناعية عن قاعدة صواريخ نووية جديدة، لم تقدم بكين أي توضيح بشأنها، كما أن المحللين الأمريكيين غير متأكدين بشأن خطط الحكومة الصينية في هذا الصدد. إلا أن عددًا من المسؤولين في وكالات الاستخبارات الأمريكية والبنتاغون قد عبروا عن تخوفهم مما إذا كان الرئيس الصيني تشي جينبينغ قد قرر التخلي عن سياسة "الحدّ الأدنى من الردع" التي انتهجتها الصين على مدى ستة عقود، حتى لو أدى ذلك إلى نشوب سباق تسلّح جديد في العالم.

من جهتها، لم تجد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بدًّا من إعلانها هذا الشهر عن إنشاء مركز جديد للمهام الاستخبارية المعنية بالصين، وذلك لضمان التفوق في الصراع السيبراني ومواجهة فوضى سرقة التقنيات، ومواجهة ما وصفه ويليام بيرنز، مدير الوكالة نفسه، بأنه "أهم تهديد جيوسياسي نواجهه في القرن الحادي والعشرين، والمتمثل في حكومة صينية "مناوئة"".

أما بايدن وكبار مساعديه فيقولون إنه من غير الملائم وصف ما يحصل ضمن أطر "الحرب الباردة"، وذلك تخوفًا منهم أن يؤدي استخدام المصطلح وتكراره إلى لعنة تحققه. وتجادل الإدارة الأمريكية حاليًا بأنه من الممكن للقوتين العظميين التعاون من جهة والتنافس من جهة أخرى، فتتعاونان في مجال المناخ واحتواء الترسانة النووية لكوريا الشمالية، والتنافس في التقنية والتجارة، أو حتى زيادة النفوذ في بحر الصين الجنوبي وحول تايوان.

لكن البيت الأبيض غير مستعد لوضع مصطلح جديد يصف هذه السياسة الهجينة، وهو ما يفسر مماطلة بايدن في تقديم خطاب يوضّح فيه حدود هذه السياسة وتفاصيلها ومدى فاعليتها في مواجهة العملاق الصيني. فبايدن وطريقته في التعامل مع هذه المعضلة والتحركات التي أقدمت عليها إدارته حتى الآن تدلّ بشكل متزايد على أنّه يمتلك تصورًا عن عالم من "التعايش التنافسي"، وهي درجة قريبة وإن كانت أكثر حدّة من مفهوم "التعايش السلمي" الذي ابتدعه الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف لوصف الحرب الباردة القديمة. مع العلم بأن الصينيين يعترضون حتى على وصف العلاقات مع الولايات المتحدة بأنها "تنافسية".

لكن الإدارة الأمريكية تدرك مع ذلك أن ما يجري أبعد وأعقد من ابتكار وصف له.

فالقوتان الأمريكية والصينية ترتبطان معًا بروابط عميقة، على مستوى الاعتماد المتبادل فيما بينها في مجال التقنية والتجارة والبيانات التي تقطع المحيط الهادي في أجزاء من الثانية عبر شبكات يسيطر عليها الطرفان، وهي روابط لم تكن قطعًا موجودة في عالم الحرب الباردة الذي نعرفه. يكفي أن نذكر مثلًا جدار برلين، الذي لم يعمل على رسم خط فاصل بين مجالات التأثير بين قوتين عظميين وحسب، بل أدى عمليًا إلى قطع معظم خطوط الاتصال والتجارة. وفور سقوط الجدار عام 1989، صدرت الولايات المتحدة ما قيمته 4.3 مليار دولار من البضائع إلى السوفييت، واستوردت في المقابل ما قيمته 709 مليون دولار أمريكي، وهو تغيّر لحظيّ مفاجئ، وإن لم يكن بالغ التأثير على المستوى الاقتصادي.

صدّرت الولايات المتحدة إلى الصين ما قيمته 124 مليار دولار أمريكي من السلع في العام 2020، واستوردت منها بقيمة 434 مليار دولار

أما في المشهد الحالي، فجميع هذه الحدود متداخلة؛ فمن هواوي الصينية وغيرها من شركات التقنية والاتصالات الصينية وتشغيلها للبيانات عبر دول الناتو، إلى تطبيق تيك توك الصيني الموجود على هواتف عشرات ملايين الأمريكيين، ثم على الجانب الآخر لديك التضييق الغربي على مبيعات أشباه الموصلات المتطورة للصين، وهو ما سيؤثر على وضع كبرى شركاتها، من بينها هواوي. ورغم جائحة كوفيد-19 نفسها وما تخيّله البعض من إحداثها لنوع من "الفطام" بين القوتين، إلا أن الولايات المتحدة صدرت ما قيمته 124 مليار دولار أمريكي من السلع إلى الصين العام الماضي، واستوردت منها بقيمة 434 مليار دولار، وهو ما يجعل الصين المزود الأكبر للسلع للولايات المتحدة، وثالث أكبر مستهلك لصادراتها، بعد كندا والمكسيك.


بلغت قيمة صادرات الصين إلى الولايات المتحدة أكثر من 434 مليار دولار عام 2020 (Getty)

ولعل هذا هو أحد الأسباب الذي يجعل كورت كامبل، أحد كبار مستشاري بايدن للشؤون الآسيوية، يؤكد مرارًا على أن وصف ما يجري بين الصين وأمريكا بـ"الحرب الباردة" هو مجرّد تعمية لوضع أكثر تعقيدًا، وأنه لا يساعد في مقاربة التحديات الجسيمة التي تمثّلها الصين. فكامبل، المسمّى "قيصر آسيا" في إدارة بايدن، يرى أن هذه اللحظة تختلف بشكل جذري عمّا يمكن أن تحضره إلى الأذهان مفاهيم الحرب الباردة قبل أربعين عامًا من اليوم.

فثمّة ديناميكية جديدة في العلاقة بين الطرفين، ليست مسكونة بالضرورة بتهديد المواجهة النووية، ولا بالصراع الأيديولوجي الذي ستكون فيه الغلبة لقوّة دون أخرى، كما أنّ شكل العالم لا يسمح بانقسامه إلى معسكرين، أحدهما صيني والآخر أمريكي.

في المقابل، ثمة عنصر جوهري في الوضع الذي قد يصحّ توصيفه بأنه "حرب باردة"، ألا وهو "حالة الخصومة الشاملة، دون مواجهة عسكرية". ولا ريب بحسب بول هير (Paul Heer)، أحد أبرز المحللين المختصين بأنشطة الاستخبارات الأمريكية، وخاصة في المنطقة الآسيوية، أن هذه الخصومة تطبع حاليًا شكل العلاقة بين الصين والولايات المتحدة؛ فكلاهما تسعيان إلى حشد المزيد من القوة والنفوذ، ويحاول كل طرف إعاقة مساعي الآخر أو احتواءها. يقول هير إنّ ثمة أسبابًا وجيهة تمنع قيادة البلدين من الحديث عن "حرب باردة" بينهما، إلا أن هذا لا ينفي أن الإدارتين تتحركان ويكأن هذا هو الحاصل، كما أن الوضع السياسي لدى الطرفين يزيد من صعوبة تصوّر عدم الانجرار بشكل رسميّ إلى إعلان ذلك بوضوح".


يجثم على أروقة صنع القرار في واشنطن شبح المنافسة مع الصين (Getty)

خذ ما يحدث في أروقة صنع القرار في واشنطن، حيث يسيطر على الكونغرس الأمريكي شبح المنافسة مع الصين، خاصة في مجالات أشباه الموصلات المتطورة، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية (َQuantum Computing). وهذا بالتحديد ما دفع إلى إقرار "قانون الصين"، والذي يعرف أيضًا باسم "قانون الابتكار والمنافسة"، باتفاق نادر بين الجمهوريين والديمقراطيين.

فهذا القانون، والذي يتضمن تخصيص 52 مليار دولار أمريكي للتوسع في تصنيع الرقائق الدقيقة محليًا، هو أحد أشكال السياسات السيادية الصناعية، وهو مفهوم أثار في الماضي الكثير من الجدل في واشنطن، لكنّه اليوم بات محلّ اتفاق بين صناع القرار، وذلك بفضل هذا الشبح الصيني والفزع من قدرته التنافسية.

لكن وبصرف النظر عن المسمّيات، فإن ثمة أسبابًا عديدة تدعو إلى القلق من تزايد احتمالات الصراع بين الطرفين، وعلى نحو غير مسبوق أبدًا. الكاتب السياسي جوزيف ناي، المعروف بمؤلفاته حول توظيف "القوة الناعمة" في التنافس الجيوسياسي، يرفض استعارة الحرب الباردة، ويؤكّد على أن بعض السياسيين في واشنطن واهمون في حديثهم عن القدرة على إحداث "فك ارتباط" بين أكبر اقتصادين في العالم، دون أن يكون لذلك كلف اقتصادية فادحة.

صحيح أن ضرر استعارة الحرب الباردة قد يكون أكثر من نفعها، إلا أنّ هذا لا يعني أننا قد لا ننزلق إليها من جديد، ولو عن طريق الخطأ

إلا أن جوزيف ناي، والذي ترأس سابقًا مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، وهو مجلس يقدّم تقارير استطلاعية حول التهديدات التي تمس المصالح الأمريكية على المدى الطويل، يحذّر في الوقت ذاته مما يدعوه "متلازمة السير أثناء النوم" (Sleepwalker Syndrome)، والتي يستخدمها لوصف الطريقة التي اندلعت فيها الحرب العالمية الأولى عام 1914. ويقول: "صحيح أن ضرر استخدام استعارة الحرب الباردة قد يكون أكثر من نفعها، إلا أنّ هذا لا يعني أننا قد لا ننزلق إليها من جديد، ولو عن طريق الخطأ".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

النفط والسيليكون والحرب العالمية الثالثة

أزمة الشركات العقارية تهدّد الاقتصاد الصيني و"إيفير غراند" أكبر المتضررين