النفط والسيليكون والحرب العالمية الثالثة

النفط والسيليكون والحرب العالمية الثالثة

السباق التجاري بين الصين والولايات المتحدة (Getty)

تايوان والصين والولايات المتحدة

بعد انتهاء الحرب العالمية، وبعد سيطرة الحزب الشيوعي الصيني على الصين وإقامة جمهورية الصين الشعبية (وتدعى الصين)، هربت قيادات الصين القديمة إلى جزيرة تايوان التي هي جزء من الصين تاريخيًا، لتقيم هناك دولة جمهورية الصين (أو تدعى تايوان) التي دعمتها دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مقابل المدّ الشيوعي تم استثمار اليدّ العاملة الرخيصة في جميع الصناعات التقليدية في تايوان التي كانت مصدّرًا رئيسيًا للسلع الغربية، مع تقدّم الوقت استطاعت الصين الاستحواذ على الصناعات العالمية، بداية من التكستيل ثم إلى الصناعات الخفيفة، وصولًا اليوم إلى السيارات الصينية التي بدأت تغزو أسواق العالم.

طالبت الصين منذ استقلالها بضم جزيرة تايوان إليها، لكن ضعفها الاقتصادي والعسكري لم يسمحا لها بالمناورة أو بأن يأخذ أحد مطالبها بجدّية

بينما تراوح الناتج القومي الأمريكي بين عشرة وعشرين ضعف طوال القرن العشرين، ووصل معدل دخل الفرد في الولايات المتحدة إلى أكثر من خمسين ضعف في ذروة الفجوة بين الولايات المتحدة والصين، فقد بدأت تلك الفجوات تتقلص في السنوات الأخيرة، وبحسب التوقعات سيسبق الناتج القومي الصيني الولايات المتحدة بحلول العام 2025 على الأكثر.

اقرأ/ي أيضًا: الصين والشرق الأوسط.. كتاب يدرس مواقف الصين من القضايا العربية

طالبت الصين منذ استقلالها بضم جزيرة تايوان إليها، لكن ضعفها الاقتصادي والعسكري لم يسمحا لها بالمناورة أو بأن يأخذ أحد مطالبها بجدّية، وتعدي حدود المطالبة، فقط في السنوات الأخيرة بعد تحولها إلى دولة عظمى اقتصاديًا بدأت تهديداتها تأخذ محمل الجدّ وتحمل حدّة تنذر بأزمة مع الغرب، والولايات المتحدّة خاصة.

نبذة عن تاريخ أشباه الموصلات

بدأت ثورة السيليكون في عام 1946 حيث بحث علماء فيزياء أمريكيون في مادة السيليكون، وهو كيميائيًا يعتبر عنصرًا خاملًا، وكان البحث به عبارة عن جنون، أو بحث في موضوع ممل وخامل لا مستقبل له في أفضل التحليلات، لكنهم نجحوا في اختراع الترانزيستور، والفكرة أساسًا هي تحويل السليكون إلى مادة موصلة عن طريق خلطه بمواد أخرى تجعل حركة الإلكترونات عبره ممكنه مما يحوله إلى موصل، وفكرة إمكانية التحكم عن طريق الكهرباء بكونه موصل حينًا وغير موصل حينًا هي الأساس الرياضي للرقمين صفر وواحد، مما يسمح بإنتاج آلات الكترونية معقدة للقيام بعمليات حسابية ممكنًا عبر جمع مئات ثم آلاف ومئات آلاف وصولًا اليوم إلى ملياردات الترانزيستورات في قطعة سيليكون واحدة، انتقلت كل التكنولوجيا في الخمسينات من الأنابيب المفرغة التي أنتجت بمعيتها حواسيب تزن أطنانًا وعشرات الأطنان، إلى حواسيب صغيرة نسبيًا وتستهلك طاقة أقل بكثير، تقدمت تكنولوجيا صناعت الترانزيستورات بسرعة ليلاحظ جوردون مور مؤسس إنتل أن عدد الترانزيستورات يتضاعف كل سنة ونصف تقريبًا (الرقم يزداد اليوم ليصل إلى ثلاثة سنوات)، وكل قفزة مثل هذه –لنسمها جيل هندسة الإنتاج - كانت تحتاج لبناء مصنع جديد قادر على انتاج ترانزيستورات أصغر، حيث يتضاعف عدد الترانزيستورات مع المحافظة تقريبًا على نفس المساحة، بل أحيانًا يتم تصغيرها واستهلاك الطاقة. أصبحت هذه القفزات في هندسة العمليات (process engineering) بمثابة دستور لكل شركات التكنولوجيا، بدءا من شركات التي تنتج الآلات إلى المصانع، إلى شركات البرمجة التي تسمح لنفسها ببرمجيات مستقبلية تحتاج إلى قدرات حوسبة غير موجودة الآن لتصل إلى السوق تمامًا مع المعالجات الجديدة، وهذا تمامًا كان تحالفًا غير مكتوب بين شركة إنتل التي أطلقت كل فترة جيلًا جديدًا من المعالجات تواتر مع جيل جديد من نظام التشغيل ويندوز لشركة مايكروسوفت.

كانت أنتل الرائدة بمجال الصناعة تنتج معالجاتها بنفسها، بالإضافة لبعض شركات أخرى، وبسبب تضاعف عدد الترانزيستورات وتضخم المصانع المنتجة، وصلت كلفة بناء مصنع جديد بأحدث تكنولوجيا إلى مليارات الدولارات (الكلفة اليوم حوالي 10 مليار دولار) تنازلت تقريبًا كل الشركات (غير إنتل) عن الصناعة نفسها أو لم تحاول أصلًا مثل أبل أن تعطها لشركة خارجية، بقيت اليوم ثلاث شركات رائدة بهذا المجال، TSMC الشركة التايوانية لصناعة أشباه الموصلات، إنتل وسامسونج، بينما لم تنتج إنتل لشركات طرف ثالث، فإن الشركة التايوانية لم تنتج أي منتج بنفسها كانت فقط منتجًا لكبرى الشركات التي لم تملك أي منها مصنعًا، وتم تفضيلها عادة على سامسونج، لأن سامسونج تقريبًا تنافس في جميع المجالات، لذلك تفضّل الشركات الإنتاج عند شركة غير منافسة.

لطالما اعتبر النفط ذهبًا أسود كونه المحرّك الأساسي لعجلة الاقتصاد العالمي، ولكن الحاجة إليه بدأت بالتراخي بعد نجاح إنتاج بدائل عملية لإنتاج الطاقة

في العشر سنوات الأخيرة حدثت ظاهرة مثيرة، بدأ تسارع شديد في دخول أشباه الموصلات في كل مجالات الحياة (هواتف ذكية، تلفزيونات ذكية، سيارات ذكية، أدوات كهربائية..) مما أدى إلى ازدياد شديد في الطلب على هذه المصانع، وبسبب الطلب الشديد سمحت الشركة التايوانية الاستثمار في هندسة الأجيال الجديدة، بمليارات الدولارات، لتقفز عن الفجوة التاريخية بينها وبين تقدم إنتل بل ولتتفوق عليها بحلول عام 2017 تقريبًا، لتصبح الشركة الرائدة في المجال، وليتّسع الفارق، لتجد إنتل نفسها متأخرة بجيلين كاملين، مما جعل منتجات شركات منافسة تنتج في تايوان مثل إي أم دي، نفيديا، أبل تتفوق عليها.

اقرأ/ي أيضًا: "الحل الصيني" يُزاحم أمريكا ببطء على قيادة العالم

من النفط إلى السيليكون وثورة التكنولوجيا

بينما كان النفط تاريخيًا يعتبر الذهب الأسود، وهو المحرّك الأساسي لعجلة الاقتصاد العالمي، بسبب حاجة المصانع ووسائل النقل إلى هذه الطاقة، بدأت هذه الحاجة بالتراخي بعد نجاح إنتاج بدائل عملية لإنتاج الطاقة، وأهم ميّزاتها اليوم هو إنتاج السيارات الكهربائية ورأس حربتها شركة تسلا الأمريكية التي تدير مصنعًا لها في الصين أيضًا، بعد النهضة المتسارعة للصين في القرن الحالي، انتقلت الكثير من مصانع التكنولوجيا إلى الصين من أشهرها شركة فوكسكون التي تدير مدينة كاملة يقدر عدد عمالها بين ربع مليون إلى نصف مليون عامل يعملون في صناعة منتجات أبل الأمريكية، علاقة الصين بالولايات المتحدة مركبّة جدًا، فالصين هي مصدر صناعات الكثير من الشركات الأمريكية، والصين تملك أكبر احتياطي من الدولار في العالم، وانهيار الدولار على الأغلب سيجر تضعضعًا شديدا للاقتصاد الصيني أو لربما سيسبب في انهياره أيضًا، بالمقابل فشلت الولايات المتحدة في الحفاظ على مصانعها التي استقطبتها الصين تباعًا لتصبح المنتج الأكبر في الاقتصاد العالمي.

وحدها صناعة أشباه الموصلات بقيت نوعًا من تابو، سنّت الولايات المتحدّة قوانين خاصة لمنع الصين من استيراد أي معلومات لها علاقة بأحدث جيلين من المعالجات وأشباه الموصلات.

في عالم الإنتاج هذا يتم تصنيع السيليكون وهو المادّة الخام الأكثر انتشارًا على الكرة الأرضية، وهي المادة الأساسية الموجودة في الرمل وفي الزجاج، ويكون ثمن الكيلو غرام منها قريبًا من الصفر إلى المعالجات التي يصل ثمن الكيلو منها إلى أكثر من مئة ألف دولار.

لكن وبعد التفوق الرهيب للشركة التايوانية، والتهديد الصيني الحقيقي لضم تايوان إليها، استفاقت الحكومة الأمريكية اليوم لتجد أن هذه التكنولوجيا التي حاربت من أجل الحفاظ على تفوقها موجودة اليوم خارج الولايات المتحدة ( تايوان وكوريا الجنوبية)، والأخطر هو تهديد الصين بضم تايوان إليها، الصين المتأخرة بحوالي عشر سنوات ( أي أن التكنولوجيا التي تستعملها اليوم، كانت تستعمل للإنتاج قبل عشر سنوات)، وإذا تذكرنا أن عدد الترانزيستورات يتضاعف كل حوالي عامين، فإن هذه التكنولوجيا بالكاد تكفي لإنتاج منتجات بسيطة، وتكلفتها أكثر بكثير من احدث تكنولوجيا.

علاقة الصين بالولايات المتحدة مركبّة جدًا، فالصين هي مصدر صناعات الكثير من الشركات الأمريكية، والصين تملك أكبر احتياطي من الدولار في العالم

وإذا ما حصل وضمت الصين تايوان فما سيحصل لاحقًا هو أن كبريات الشركات الأمريكية ستكون تابعة لشركة صينية، وهذا أمر جائز، خصوصًا أن هذا أمر واقع في صناعات أخرى كثيرة، لكن الكابوس الحقيقي هو أن تقوم الصين ضد الولايات المتحدة بما قامت به الولايات المتحدة ضد الصين، أي منع تصدير التكنولوجيا الحديثة، بل وإقامة شركات منافسة للشركات الأمريكية بوجود مصانع لديها قدرات تسبق مصانع إنتل في الولايات المتحدة، ويمكنها الآن أن تتربع على عرش التكنولوجيا، وتفقد الولايات المتحدة ميزتها الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "الديمقراطية والبندقية".. دليل عملي للراغبين في إقامة الديمقراطية

هذا السيناريو صعب الحدوث لأنه بتقديري لن تسمح الولايات المتحدة ولا الشركات الأمريكية لهذه الخسارة، ولذلك أيضًا تحاول الولايات المتحدة دعم صناعة أشباه الموصلات ونقلها إليها أو على الأقل إلى أوروبا.

وأعتقد أن الولايات المتحدة مستعدة أن تدخل حربًا عالمية ثالثة ضد الصين، لأن ضم تايوان على المدى البعيد سيكون وبالًا على اقتصادها وعلى مستقبل شركاتها، وسيعني عاجلًا أم آجلًا استحواذًا تامًّا للصين على عالم التكنولوجيا وصناعة أشباه الموصلات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "نموذج الصين".. الجدارة السياسية وحدود الديموقراطية

طبعة جديدة من كتاب "رياح السموم".. سيرةُ حقبةٍ ملتهبة