29-نوفمبر-2018

مشهد عام من غيتو وارسو 1940(Getty)

تعد الإبادة التي قامت بها النازية، الرايخ الثالث الألماني، في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته هي الأولى من حيث السيرورة التاريخية لأوروبا، ولدولة أوروبية في صعودها الحضاري كألمانيا تقتل وتحرق فئات كاملة، لأسباب عنصرية ترجع إلى العرق/الدين، وتعاني حتى الآن من فعلتها.

كان للفكرة القومية الحديثة التي علا صوتها في حلم التوسع الهتلري بعد آخر ساعد في الصمت تجاه الإبادة الجماعية

دائمًا وأبدًا كان هتلر هو المتهم الوحيد للهولوكوست في نظر القارئ، ولكن التساؤل عن سبب صمت المجتمع الألماني  عن تلك المحرقة البشعة، بقي معلقًا دائمًا، فهل كان للحضارة وجه بربري آخر مهد لأفران الغاز التي تحول فيها أجساد الضحايا إلى سائل حيوي؟ 

العنصرية والهولوكوست

يبين زيجمونت باومان، في كتابه الحداثة والهولوكوست أن اللامبالاة التي سادت بين الشعب الألماني تجاه الهولوكوست نتيجة لخداع هتلر وإعلامه للشعب، بل تهويله لخطر الأقليات الخفي على ألمانيا وسط الحروب والأحداث التي كانت تعيشها في هذا الوقت، وتربص الحلفاء بها والسعي لإسقاطها.

اقرأ/ي أيضًا: عرب وصهاينة ونخب فى صحة هتلر!

ورأى الكاتب البريطاني "نورمان كون" في تحليله الاجتماعي للإبادة أنها تمت وتبرأ الشعب الألماني من سكوته عليها، إذ إنه كان يواجه قضايا عدة فلذلك سادت عليه اللامبالاة تجاه ما حدث، أي أن تفسير الإبادة على أنه انفجار ألماني يقوده الشعب الغاضب هو أسطورة من الأساطير، بل إنه عمل منظم تقوده سلطة سياسية بيد قوية تنفذ ما خططت له مسبقًا، لكنها صدرته للعالم على أنه غضب شعبي تجاه فئة مخربة في وطنها.

 أما الكاتبة سارة جوردن فقد قسمت حالة الجمهور الألماني من ناحية رد فعله للإبادة إلى قسمين، الأول جمهور في حالة تأييد وتهليل تام، لاعتقادهم أنه بإخفاء الأقليات العرقية من ألمانيا سينجلي الشر الخفي المنتظر بل وستتقدم ألمانيا نحو مزيد من الحضارة والقوة، أما الثاني فكان في حالة صمت وخوف تام، فيخافون الحديث أو إبداء أي اعتراض لألا يتم تصنيفهم مع قوى الشر الخفية ويتم إبادتهم ونبذهم أيضًا.

مع ذلك، فإن جوردن توضح أن الفكرة القومية الحديثة التي علا صوتها في حلم التوسع الهتلري كان لها بعد آخر ساعد في نظرة المجتمع إلى الأقليات من الناحية القومية، فكانت نظرة صامتة تجاه الإبادة. إذ إن الأهم في تلك الفترة كان مصلحة ألمانيا وحياة الألمان فقط، وأن القومية هنا دخلت معركة صفرية مع من يخالفها، بحيث أن اليهودي الألماني مثلًا استحال عليه أن يكون ألمانيًا خالصًا، بل كان اليهود في محل اتهام دائم بازدواجية الولاء والمصالح وعدم الانتماء القومي لألمانيا، ومثلهم الغجر والنقابيين وكل من لم يتبنى مشروع هتلر بالكامل. 

الحضارة وجه آخر للبربرية

كانت معسكرات "أوشفيتس" بمثابة المصنع الحديث، واسع الإنتاج، ولكن بدلًا من إنتاج البضائع، كان البشر مواده الخام، وكان الموت منتجه النهائي. فكان المعسكر مصنعًا لحرق البشر بالغازات السامة التي تفرزها مصانع الحضارة الألمانية. يقول ريتشارد روبنسون وهو رجل لاهوتي في كتابه دهاء التاريخ  the cunning of history إنه عندما جمع بين الحداثة والإبادة، وصف ظاهرة الهولوكوست بأنها شاهد عيان على تقدم الحضارة الغربية التي ادعى بأن لها وجه آخر بربري يدعو إلى القتل والاستعباد والتدمير، كما يدعو إلى الفن والموسيقى والتكنولوجيا.

ذكر باومان أن بداخل كل منا إنسان نائم، وهو إنسان بلا إنسانية، يستيقظ عندما تتوفر العقلية الجمعية من حوله من مُحيط واجتماع وأفكار وتصورات

 ويرى باومان أن المجتمع الحداثي يفصل بين الوسائل التقنية المتطورة عن القيمة الأخلاقية، بل أن التقسيم الوظيفي لتلك الوسائل أدى إلى غياب القيمة الأخلاقية لمنفذي تلك الأدوار الوظيفية، حتى أنهم لا يعلمون الهدف الأخير من إجراء العملية لأنهم يقومون بفعل الأدوار المحددة لهم من خلال رأس السلطة القائمة فقط. لكن مجتمع ما قبل الحداثة كان مختلفًا، فكانت مراحل العمل تشترك في المهارات والأدوار.

 يشبه باومان الموظف الذي يمد الصلب في مصانع القنابل بأنه لا يعنيه من الأساس ولا يتساءل إلى أين ستستقر القنبلة بعد أن صُنعت أو حتى ما الدماء التي ستجلبُها إن انفجرت، بل يفكر في عمله كإمداد لمصنع ما في وقت ما، فهل يمكن مساءلة عمال المصانع الكيميائية التي تصنع النابلم الذي أدى إلى إحراق أطفال في بلدة ما؟ هل هم مسؤولون أم أن المسؤولية على من حرق فقط؟ فلذلك كانت البيروقراطية ونظامها الهرمي عاملًا مساعدًا لحدث الإبادة، بل كانت عملية منظمة حديثة حددت النقاط ورصدت الأهداف واستقرت على مكان لا يصل إليه أحد، وأوقفت إنسانية الإنسان عاجزة أمام التطور الحضاري وصيت التطور التكنولوجي.

اقرأ/ي أيضًا: وثائق سرية تشكك في انتحار أدولف هتلر بعد سقوط برلين!

إنسانية الفرد وإنسانية المجتمع

في تجربة شهيرة تعرف باسم ديناميات الأشخاص في السجن  لعالم النفس فيليب زيمباردو، وهي عبارة عن احتكاك الحراس بالسجناء، أعطيَّ لكل فئة منهم ملابس رمزية تدل على الدونية والحُمق للسجناء وتدل على الرسمية والهيبة للحراس، ولم يسمح لأي طرف أن ينادي الآخر باسمه لكي تتجرد كامل العواطف والمشاعر من الاجتماع الذي يدور بينهم، ووضعت قائمة طويلة من الخطوات والأوامر والأفعال المهينة التي يجب على الحراس إجبار السجناء على تنفيذها، ففَاق الاجتماع الذي دار بينهما توقعات القائمين على التجربة، حيث عزز خنوع السجناء هيبة الحراس أكثر وأكثر وشجعهم على إظهار قوتهم بشكل كبير، ممَّا انعكس على حقيقة شعور السجناء بدونيتهم، ودفع الحراس على إجبار السجناء على أفعال مُهينة وتنافي لكرامة أي إنسان، مثل غناء كلمات بذيئة وتنظيف المراحيض باستخدام أيديهم.

كانت معسكرات "أوشفيتس" بمثابة المصنع الحديث، واسع الإنتاج، ولكن بدلًا من إنتاج البضائع، كان البشر مواده الخام، وكان الموت منتجه النهائي

 وكلما زادت طاعة السجناء ابتكر الُحراس أساليب جديدة للإذلال غير متفق عليها من الأساس، لإحساسهم الحقيقي بأن السجناء هم أقل منهم في المرتبة الإنسانية، بل لا يمتلكون كرامة في أساس الأمر. أحدثت نتائج التجربة لدى محققيها مخاوف حقيقية، فكيف يتحول الشاب الأمريكى الجامعي المحترم إلى وحش يذل ويأمر ويعذب ويهين شابًا مثله بمجرد أن مظهره الخارجي اختلف ووُضِع في محيطٍ اجتماعي معين، وهذا بالظبط ما روته السيدة سارة مولتر، الناجية من معسكرات أوشفيتس عن معاملة الحارسات في المعسكر، فكانت الحارسات يُهينهنَّ دائمًا ويقلن لهن أنهن مجرد أرقام بلا أسماء تُذكر، وكانت النظرات الدونية توجه إليهن منهن دائمًا، فكيف لشابات ألمانيات جميلات ومتعلمات أن تعاملن السجينات بتلك الطريقة؟

فذكر باومان في كتابه أن بداخل كل منا إنسان نائم، وهو إنسان بلا إنسانية، يستيقظ عندما تتوفر العقلية الجمعية من حوله من مُحيط واجتماع وأفكار وتصورات، فيقوم ذلك الإنسان بأفعال قاسية لا يستطيع فعلها إن خرج عن هذا المحيط. وربط باومان بين طاعة ذلك الإنسان النائم في حالة وجود سلطة عُليا تدعم هذا الدور اللا أخلاقي وتُضفي عليه الشرعية، بل وتنفذ هذا الدور بوسائل تقنية متطورة حديثة، وبقيمٍ سامية كحب الوطن والتقدم الحضاري النهضوي.

كما لا تتوفر رفاهية تاريخية بإقصاء حالات سكوت مقاربة للسكوت الأوروبي عن هولوكوست الرايخ الثالث. تحضر عشرات التجارب التي وقعت فيها الإبادة الجماعية. وكان السكوت عنها، بل وتبريرها أيضًا أسهل العناصر في تركيبها على من اقترفوها. إذ يبرز مثال كريستوفر كولومبوس والجنرال كورتيز في الأمريكتيين، وكانت إبادة بدأت معهما لكنها استمرت مثات السنين بعدهما وحصدت أكثر من 20 مليون روح. دون تعجب كان مبررهما لسرقة تلك الأرض وقتل سكانها، "التحضير" الذي راف "التحديث" و"التصنيع" في تجارب فارقة لكن متقاطعة من حيث جرميتها، كمعسكرات العمل الستالينية في أربعينيات وخمسينيات الاتحاد السوفييتي. أما عربيًا فيبقى المثال الأبرز للإبادة الأكبر شاخصًا في حالة القطع التاريخي بحق الفلسطيني، أي نكبة 1948 وما رافقها من تطهير عرقي ممنهج بدعوى بناء دولة اليهود العمالية الحديثة المتحضرة التي ستنير ظلام التلال وتنبت القمح في الصحراء!

 

اقرأ/ي أيضًا:

استطلاع رأي: تلامذة إيطاليا معجبون بهتلر

هل وصل "سلاح هتلر السري" إلى مخيمات لبنان؟