هامبورغ.. لم تكن جحيمًا تمامًا

هامبورغ.. لم تكن جحيمًا تمامًا

من مظاهرة 1000 رجل ميت في هامبورغ

خلال أسبوع ما قبل قمة العشرين تغيّرت هامبورغ، كما لو أنها أصيبت بمسّ من السحر، إذ تحوّلت من مدينة شعريّة وادعةٍ إلى ساحة غضب، بل إلى منطقة عنف واحتراب في بعض الأحياء التي غطاها دخان لا يختلف عن دخان حرائق نعرفها جيدًا في بلدان الربيع العربي، خصوصًا حرائق المدن السورية.

مدينة هامبورغ الألمانية غنية بمينائها ومصانعها، وغنية من ناحية أخرى بحركات يسارية متنوعة

لم يأتِ الأمر مصادفة، فالمدينة الغنية بمينائها ومصانعها، غنية من ناحية أخرى بحركات يسارية متنوعة، تتدرج من السلمي إلى المتطرّف، وهؤلاء وإن توزعوا في أحياء المدينة المختلفة إلا أن هناك حيًّا يعيش غالبيتهم فيه، وهو حي له طابعه المميّز، ولديه فريق كرة قدم، وأهله يستعدّون لهذا اللقاء منذ مدة.

اقرأ/ي أيضًا: السياسة الألمانية غير المباشرة

لا شك أنّ حركات غضب مماثلة ترافق قمة العشرين أينما حلّت، لكن التعليل دومًا يذهب إلى ربط تلك الاحتجاجات بالواقع السياسي الاجتماعي للبلد المضيف، لا سيما حين يكون في دول تعاني مشاكل اقتصادية أو حقوقية، غير أنّ هذه النظرية سقطت كليًا مع قدوم القمة إلى بلد غني مثل ألمانيا، ما جعل التحركات الرافضة للنظام العالمي تكشف عن الصوت الغائب في أحد معاقل الرأسمالية.

في يوم وصول الوفود، تصادف أنني كنتُ أستقل المترو المتجه إلى مركز المدينة، فصعد مجموعة من الشباب يرتدون ملابس سوداء، قاموا على الفور بإخراج كفوف بلاستيكية سوداء، وراحوا يلبسونها لكاميرات المراقبة في القطار، بما يوحي أن الشباب لديهم خطة أمنية مضادة للخطة الأمنية الرسمية.

في المدينة، كان المشهد مضطربًا للغاية، شرطة استُقدمت من مختلف الولايات، تقوم بإغلاق العديد من الطرقات، ما جعل الحركة المرورية عسيرة. كذلك كانت المروحيات تحرث السماء بلا توقّف، وضمن تجمعات الشرطة سيارات خاصة تقلّ كلابًا بوليسية تنبح بحقدٍ، وبين كل ذلك ترى رجال أمن من كلّ الجنسيات. هكذا كانت المدينة الجميلة غامضة، والشيء الوحيد الواضح أن العالم ليس إلا قرية مخابراتٍ صغيرة.

أغلقت عدة شوارع رئيسية، توقفت الحركة في مطار المدينة، اعتمد الناس بشكل كبير على دراجاتهم الهوائية في التنقل، وصار عاديًا أن ترى فرق الخيالة والمدرعات في كل مكان.

هاجم المتظاهرون اليساريون العديد من المحلات، وبدأت الأخبار تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي عن السطو على متجر لشركة "آيفون"، وشجار بين المهاجمين لاقتسام الغنائم! كذلك دُمّرت بعض فروع محلات السوبرماركت الشهيرة، ودمّر أيضًا أحد فروع شركة "Ikia".

بين ذلك كله ظهرت حالات احتجاج ذكية ولافتة، لم تنل القسط الوافي من الحديث عنها، لكنها تذكرنا نحن يتامى الربيع العربي بقفشات ميدان التحرير في القاهرة، والنزعة السريالية في حمص في ابتكار النكتة، مثل عامل توصيل البيتزا الذي عبر بدراجته إحدى المظاهرات، وكتب على لوحة "دعوني اعبر، سوف تبرد البيتزا".

بات الفعل الاحتجاجيّ في السياقات الأوروبية يحمل الكثير من الإثارة والإغراء لشباب العالم العربي

الناس الذين يعيشون في منطقة التظاهر، تركوا علامة على أجراس بيوتهم، وهي عبارة عن نقطة حمراء، المعنى السري الذي تحمله هو أنه يمكنك دخول البيت للأكل والاستراحة من المطاردات الأمنية. ومن الطرائف أن أحدهم غرّد على تويتر أن مسرح "شاوشبيل هاوس Schauspielhaus" لديه 1500 مكان للنوم، وبسبب هذه التغريدة تدفق المئات من الناس إلى المكان، وهناك راحوا يتجادلون مع أصحاب المسرح الذين قبلوا في النهاية أن يتركوهم ينامون.

اقرأ/ي أيضًا: الرفيق كيم لا يغضب.. يضحك فقط!

امرأة علقت ورقة على جدار بيتها تعلن فيها أنها في الحادية والثلاثين، وأنها تتطلع لمقابلة رجل بين الثلاثين والسابعة والثلاثين من عمره لممارسة الجنس، والخروج بطفل على اسم المناسبة "طفل قمة العشرين"، وقد كتبت في إعلانها، تحت عنوان "عاجل": "هل لديك مزاج للجنس أكثر من مزاج القتال؟"، وتركت عنوان بريدها الإلكتروني مع دعوة صريحة لقضاء هذا الأسبوع في السرير.

بات الفعل الاحتجاجيّ في السياقات الأوروبية يحمل الكثير من الإثارة والإغراء لشباب العالم العربي المؤمنين بالتغيير ومناصرة المثلية والحريات الجنسية، وبشكل خاص حينما يتحوّل إلى نوع من الطقس يرغب الكثيرون في المشاركة فيه، على حساب القيمة المطلبية والنضالية، أو في ما يخدم معناه السياسي الواضح. وهذا بلا شك تعزّز كثيرًا مع طفرة وسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل تفاصيل الحراك وتركز بشكل خاصّ على غرائبياته، ولا يخفى على أي متابع مقدار الفيديوهات والصور المشغولة بقبلة وعناق وسط الغاز والقمع، وغيرها من المشاهد التي باتت سمة لحركات الاحتجاج في سياق العالم الأول.

أشياء كثيرة حدثت خلال هذه الأيام، أفكارٌ جنونية، حفلاتٌ لجعل شرب البيرة موقفًا ضديًّا من السلطة، نكات ومرح على الطريقة الألمانية، عروض أداء جماعي حي.. لكنها مع الأسف بدت خارج التغطية أمام التركيز على أعمال الحرق والتكسير. لدخان الحرائق قدرةٌ هائلة على تشويش المشهد على الدوام.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل أنتج الانفجار السوري ثقافًة بديلة؟

ألمانيا ونظريات اللجوء السوري