الرفيق كيم لا يغضب.. يضحك فقط!

الرفيق كيم لا يغضب.. يضحك فقط!

رئيس كوريا الشمالية يضحك بين عساكره (Getty)

جاء الرد الكوري الشمالي متأخرًا لإدانة قصف الولايات المتحدة صاروخيًا لمطار الشعيرات في مدينة حمص، إذ إن البيان صدر بعد يوم واحد من سقوط 59 صاروخًا من طراز توماهوك، على إحدى المطارات المستخدمة بشكل فاعل في عمليات النظام السوري الجوية، واصفًة العملية التي وافق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأنها "لا تغتفر".

الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ-أون، لا أعرف إن كان يطرب أو يغضب إذا ناداه أحدهم بكلمة رفيق، يملك تاريخًا حافلًا في سجله من التهديدات للولايات المتحدة، ورثها عن والده الذي حكم البلد الشمالي بقبضة من حديد الشيوعية، مثل جوزيف ستالين في الاتحاد السوفياتي لأكثر من 25 عامًا، وقدم نموذجًا مثاليًا للديكتاتوريات الشيوعية الحالية.

مشكلة اليسار العربي بشكل عام أنه لم يتعلم من تجارب اليسار اللاتيني الذي وصل للحكم عبر صناديق الاقتراع وبرامج أقنعت الناخبين

والضربات التي نفذتها واشنطن ردًا على قصف مدينة خان شيخون بريف إدلب بالسلاح الكيميائي، أدانها جميع من التزم الصمت على استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا في سوريا، غالبيتهم من الحركات اليسارية التي تلتف حول روسيا وكوريا الشمالية، وأي دولة يوجد فيها بصيص يسار من الممكن أن يصل للحكم، لكنها لا تجري مراجعة لخطابها الأزلي ضد الرأسمالية، مثلما تطلب من أعضائها كتابة نقد ذاتي لانحرافهم عن المسار الشيوعي، أو عدم قراءتها في تجارب الحركات اليسارية الجديدة. تجربة اليسار البرازيلي مهمة عندما قبل إقالة الرئيسة ديلما روسيف بعد اتهامها بـ"التلاعب بالحسابات العامة لإخفاء حجم العجز الفعلي"، بدلًا من التصعيد الشعبي بحجة محاربة اليسار.

اقرأ/ي أيضًا: بحث عن يسار "إنسانيّ" في سوريا

مشكلة الحركات اليسارية العربية بشكل عام أنها لم تتعلم من تجارب اليسار اللاتيني الذي وصل للحكم عبر صناديق الاقتراع، وبرنامج انتخابي أقنع المقترعين باختيار المرشحين اليساريين. هناك أربعة أو خمسة دول على الأقل في القارة اللاتينية يحكمها اليسار بالديمقراطية الشعبية، عكس التجربتين الصينية والكورية الشمالية، اللتين يفرضان قبضتهما على المجتمع، وتختلف الشمالية عن الصين أن شعبها منعزل داخل صندوق مغلق، لتتجدد الروايات دائمًا عن هذا البلد الغامض، الذي قالت الصحف البريطانية إن أعشاب الماريجوانا تُزرع في الطرقات فيه.

يرتفع اليوم سجال التهديدات بين واشنطن وبيونغ يانغ، وحذّرت الأخيرة من المناورات التي ستجري منتصف الشهر الجاري قرب حدودها بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، بأنها سترد بعنف على أي تهديد قد يطال أراضيها. وإذا ما راقبنا اهتمام الصحافة الغربية بقصص الرفيق كيم، ونقلها لكافة أخباره، من بينها صرفه العام الفائت مبلغ 2.7 مليون جنيه إسترليني على الثياب الداخلية النسائية الفاضحة، يمكن القول إنها منبهرة من تصرفات هذا الرجل الذي قبل أن يصل الخامسة والثلاثين من العمر، وجميع الصور المنشورة له تعطي دلالة على أنه لا يغضب.. يضحك فقط.

كافة التقارير الغربية لمحللين مهتمين بالشأن الكوري الشمالي، أجمعت على أن رد الرفيق كيم إذا غضب غير معروفة العواقب، والوكالة الرسمية التي لا يوجد غيرها في البلاد نشرت في آذار/مارس الماضي شريطًا دعائيًا يعرض تدمير مقاتلات شمالية لإحدى حاملات الطائرات الأمريكية. 

الحديث على ذمة صحيفة التابلويد البريطانية "ديلي ميل"، أن السيدة التي تتحدث في الشريط قالت: "السكين تقطع حلق حاملة الطائرات، والقاذفات تسقط من السماء". كان صوتها موسيقيًا يحمل نبرة تحدّ، لكنه ذكرني بأشرطة دعوة الانتساب للكلية الحربية على التلفزيون السوري منذ التسعينات، أيضًا كانت محطة تلفزيونية واحدة من محطتين لنظام اشتق أسلوب حكمه من النظام الستاليني.

جميع الصور المنشورة لزعيم كوريا الشمالية تعطي دلالة على أنّه لا يغضب.. يضحك فقط

التهديدات بين البلدين، إذا ما أردنا أن نسمهما برابطهما الكلاسيكي، فالولايات المتحدة تعتبر زعيمة العالم الرأسمالي، وكوريا الشمالية زعيمة العالم الشيوعي- كانت في السابق تأخذ في سياق المشادات الدبلوماسية التي لم تصل لحد الصدام بين الجيشين، لكن الرفيق كيم قلب المعادلة عندما نفذ تجربة ناجحة لإطلاق صاروخ بالستي على الجزر اليابانية، أثناء زيارة رئيس وزراء اليابان شينزو آبي لواشنطن.

رغم الضبابية المحيطة بالضربة الأمريكية ضد النظام السوري، حيثُ فسرها مراقبون أمريكيون أنها أتت لتغطية التدخل الروسي لصالح ترامب في الانتخابات الأمريكية، وربطها بتضليل نتائج التحقيق الذي يجريه مجلس الشيوخ مع فريق ترامب على خلفية اتصالات غير معلن عنها مع مسؤولين روس، تظهر أن التهديدات بين البلدين التي أخذها البعض على محمل الجد، مجرد مناوشات تاريخية، وسبب الجدية فيها أن الشمالية هددت بحرب نووية تمحي المدن الأمريكية من على الخارطة، والبيت الأبيض بإدارة ترامب رد بعقاب شديد. إذن ليتها تكون حربًا عالمية ثالثة حتى ينتهي الأمر بالطريقة الأصح.

ولدينا رئيسان تصرفاتهما غير متوقعة، الصحافة المتربصة بمتابعة ترامب تحدثت أن أصدقاءه الذين يلعب معهم الغولف في عطلة نهاية الأسبوع اختاروا إدارته، في حين لدى كيم سجل حافل بالإعدامات عبر قاذفة اللهب أو رميًا بالرصاص، أو حتى إرسال مسؤولين إلى المزارع الشيوعية لإعادة تأهليهم حزبيًا على المبادئ الاشتراكية. نحن أمام زعيمين يستمدان نمط حكمهما من الشعبوية المفضلة لدى نظيرهما الروسي فلاديمير بوتين.

اقرأ/ي أيضًا: داعشية جديدة يقودها ترامب

من الممكن الظن أن الاصطدام بين البلدين اللذين يملكان ترسانة من الأسلحة النووية غير وارد، لكن قد تكون هناك مناوشات قصيرة لاختبار قدراتهما العسكرية، فمن جهة يريد ترامب أن يثبت أنه الشخص المناسب لإدارة "البيت الأبيض" والحامي لحلفائه في شرق آسيا، والرفيق كيم ينتظر هذه الفرصة حتى يثبت للعالم أن لديه أسلحة متطورة فعلًا، يسانده في ذلك روسيا وإيران، لكن السؤال الأجدر معرفة إجابته هو أنه إذا لم تتحارب هذه الدول بينها فأين ستذهب بترسانتها النووية؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ماذا لو كان شعب الديكتاتور سعيدًا!

ديكتاتور كوريا الشمالية.. في كرة القدم أيضًا؟