نقيب من خارج

نقيب من خارج "الاستابلشمنت": المحامون اللبنانيون يكسرون "عظم" السُطلة

كسر المحامون اللبنانيون تقليدًا طويلًا داخل النقابة (تويتر)

الشارع الذي يقع فيه "بيت المحامي" هادئ نسبيًا، ولوقتٍ طويل بقيت النقابة تشبه الشارع الذي تقع فيه. لا تتوغل السياسة كثيرًا داخل البيت، لكنه لا ينقطع عنها ولا تنقطع عنه. كانت الأحزاب الطائفية تزكي المحامين وتدعمهم، وأحيانًا ينطقون باسمها. ولوقتٍ طويل أيضًا، ولعدة أسباب، يمكن الحديث عن تقليد كتائبي بالحضور في النقابة، تبعه حضور "عوني" لاحقًا، فيما بدا كوراثة للحضور الكتائبي. اللافت أيضًا أن حضور حركة أمل المعنوي، يتجاوز حضور حليفها حزب الله. وهناك مستقلون دائمًا في نقابة الحقوقيين. لكن لم يحدث أن فاز مستقل في زمن انتفاضة شعبية، وفاز على جميع أحزاب "الاستابلشمنت" اللبناني، الذي اكتمل بطوائفه على صورته الحالية في زمن الوصاية البعثية وبعد أفولها.

الشارع الذي يقع فيه "بيت المحامي" هادئ نسبيًا، ولوقتٍ طويل بقيت النقابة تشبه الشارع الذي تقع فيه. لا تتوغل السياسة كثيرًا داخل البيت، لكنه لا ينقطع عنها ولا تنقطع عنه

في 2009 صارت أمل حداد أول نقيبة للمحامين في تاريخ لبنان. وكانت مستقلة أيضًا. لكنها فازت من دون معركة. كان البلد منقسمًا بين سُلطة ومعارضة آنذاك. ومنذ البداية تبنت "المعارضة" ترشيحها، ثم عاد مرشح السُلطة لينسحب لمصلحتها. لكن اليوم هذا الاصطفاف لم يعد موجودًا. هناك السُلطة وهناك الذين هم خارجها. فاز ملحم خلف ضدّ لائحة مدعومة من تحالف واسع، يبدأ بالتيارين النيوليبراليين العريضين: الحريري والعوني، ولا ينتهي بحزب الله والقوات اللبنانية. تخيّل كل هؤلاء مع بعضهم البعض يبدو صعبًا لكثيرين، رغم أنه حدث أكثر من مرة، ورغم أن هؤلاء ومعهم بقية أحزاب الطوائف، ظلّوا حتى الأسبوع الأول من الانتفاضة يشكّلون معًا حكومة واحدة. كانوا جميعًا ضدّ مرّشح واحد. والخارجون عن هذا التحالف، التحقوا بخلف ولم يلتحق بهم، تمامًا مثلما تسارع أحزاب للالتحاق بالانتفاضة، ولا تجد لها مكانًا. هذا هو الفارق الكبير بين "مستقلين" لا أحد يشكك باستقلاليتهم، ونقيب مستقل جديد، يتوجه إلى ساحة الشهداء بعد إعلان فوزه ويلتحق بالمتظاهرين ضدّ السُلطة بأسرها.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: انتفاضة لبنان.. أسبابها وتداعياتها

بالأرقام، 2341 صوتًا ليس رقمًا سهلًا في معركة "كسر عظم"، في نقابة لها تقاليد عريقة، ومن تقاليدها، السياسة. لكن السياسة التقليدية تراجعت كثيرًا عن السائد بعد الانتفاضة، وترنحت حتى لو لم يعترف أركانها. وهم في الأساس مجموعات طائفية مأسست نفسها خلال الحرب وبعدها في أحزاب وتيارات. في الأساس، قام الاستابلشمنت اللبناني، بعد اتفاق الطائف، على الحالة الحريرية، متمثلة بالراحل رفيق الحريري، وعلى جانبيها حليفان أساسيان: حركة أمل التي احتكرت تمثيل الشيعة ضمن النظام الطائفي اللبناني حتى 2005، والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يقوده وليد جنبلاط.

 وكان الجميع يتحرك في دوائر داخل النظام، لكن الدائرة الكبرى كانت مسيّجة بالحدود التي ترسمها السياسة السورية وحساباتها. بعد 2005، انتقلت الحالة الحريرية حتى مع أبرز وجوهها خلال حرب تموز، فؤاد السنيورة، إلى جانب حزب الله، ليشكلا معًا الدولة العميقة الجديدة. تراجع دور جنبلاط وصار ملحقًا بالحريرية، وكذلك صارت حركة أمل في ظل حزب الله. كثيرون قد يرفضون هذه القراءة، لكنهم بالتأكيد سيوافقون على محاولة التيار العوني – الباسيلي على انتزاع موقع في هذا الاستابلشمنت الجديد، تحت ذريعة وراثة دور "كتائبي" ما، كان قائمًا قبل الحرب. وما بيّنته الانتفاضة مشهديًا، هو تراجع هذا النظام، وعدم قدرته حتى الآن على إعادة إنتاج نفسه. أما ما بيّنته انتخابات نقابة المحامين، فليس خروج المحامين عن سطوة أحزابهم وتاليًا من طوائفهم وحسب، بل إن استجابتهم للانتفاضة تعني أن وثاق الدولة العميقة ترنو إلى التفكك.

لطالما أرادت أحزاب الطوائف الإيحاء بأن المستقل يكون فقط مستقلًا عنها، وأن حدود استقلاليته مشروطة دائمًا بدعهما له. هذا هو تعريف "المستقل" بالنسبة لأحزاب المنظومة الطائفية اللبنانية، أن يكون مستقلًا عنها، لكنه مرتبط بها رغمًا عنه، لارتباط الدولة العميقة بهذه الأحزاب.

وهذا بالضبط ما أسقطه النقيب ملحم خلف، المستقل عن الأحزاب، من دون أن يكون مستقلًا من المواقف. ونزوله إلى ساحة الشهداء موقف واضح من هذه الأحزاب، سواء التحقت بفوزه بخجل عندما قالت إنها دعمته، أو حتى عندما اعترفت بهزيمتها من دون جعجعة. والرجل ينتظره عمل كثير في أي حال، بسبب طبيعة النظام اللبناني البوليسية الآخذة في النمو كما تبيّن الأحداث الأخيرة، في ضوء عدم الاستجابة إلى صوت الشارع حتى الآن.

انتفضت نقابة المحامين اللبنانيين هي أيضًا، وأعلنت ليلًا في احتفالاتها أنها ستلاقي انتفاضة اللبنانيين في ساحاتهم، ودفاعًا عن الحقوق

 نتحدث عن نقابة الحقوق والحقوقيين، والتي كانت عندما سيطرت عليها أحزاب من السلطة متحالفة مع مجلس القضاء السابق ضد نادي قضاة لبنان. عن نقابة واجهت مشاكل كبيرة في ظل فضائح وتقارير صحافية كثيرة تتحدث عن اختلاسات في ملفات التأمين، كما وقفت برأي كثير من المحامين إلى جانب محامين اتهموا بالفساد وآخرين اتهموا بالعنف، وغطت خطاب السُلطة لوقت طويل. هذه النقابة انتفضت هي أيضًا، وأعلنت ليلًا في احتفالاتها أنها ستلاقي انتفاضة اللبنانيين في ساحاتهم، ودفاعًا عن الحقوق. لكن الوقت ما زال مبكرًا، وأمام النقيب الجديد طريق طويل.