الاستقالات الجماعية من

الاستقالات الجماعية من "الأخبار".. كشف آخر ما تبقى من الستار

يشهد تاريخ الأخبار موجة استقالات جماعية ثانية (تويتر)

مع بدايات الانتفاضة اللبنانية، بدت صحيفة الأخبار اللبنانية، المقربة من النظام السوري وحزب الله، متحمسة للانتفاضة. صباح 18 تشرين الأول/أكتوبر، خرجت بمانشيت رئيس: "الحكومة تهتز، المعركة التي لا يمكن أن نخسرها". بعدها كتب رئيس تحريرها، إبراهيم الأمين، مقالة عنوانها "فرصة حقيقية للتغيير"، أشاد من خلالها بالتحركات الاحتجاجية، وحمل بشدة على قوى السلطة.

أدت السياسة التي اتبعتها الأخبار في تغطية الانتفاضة الأخيرة، إلى "انتفاضة" أخرى مضادة داخل الجريدة، بعد موجة استقالات

من جانبهم، عبّر عدد من صحفيي "الأخبار" عن انحيازهم التام للانتفاضة من أيامها الأولى وشاركوا بالاحتجاجات والتحركات الشعبية، وكانت حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي مساحة واضحة لهذا الانحياز والتعبير عنه.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: انتفاضة لبنان.. أسبابها وتداعياتها

أيام قليلة لاحقة، حتى بدأ موقف الأخبار يأخذ منحًى ضبابيًا من الانتفاضة، وبدا أنها مصرة على "تصويب" الاحتجاجات وحصرها في قضية المصارف والساسيات المالية، في الوقت الذي كان فيه المحتجون يصرّون على شعار "كلن يعني كلن" الرامي إلى محاسبة كل المسؤولين عن الحال التي وصلت إليها البلاد. ومع الوقت أخذت "الأخبار" من الانتفاضة موقفًا أكثر سلبية، واتهمت المحطات التلفزيونية بتلقي التمويل لتغطية التظاهرات. وعاد إبراهيم الأمين في مقالة في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر المعنون بـ "من أجل بقاء الحراك الأصلي" إلى تصنيف المتظاهرين لفئات ومجموعات، وتوزيع الصفات على بعضهم وتخوينهم.

انتفاضة مضادة داخل الأخبار

أدت السياسة التي اتبعتها الأخبار في تغطية الانتفاضة الأخيرة، إلى "انتفاضة" أخرى مضادة داخل الجريدة، بعدما شعر عدد من الصحفيين العاملين بأن التوجّه العام وسياسية التحرير لم يعودا يُمثلان الأفكار التي يؤمنون بها.

في 29 تشرين الأول/نوفمبر، أي بعد أقل من أسبوعين تقريبًا على انطلاق الانتفاضة، أعلنت الصحفية جوي سليم، تقديم استقالتها بعد أكثر من خمس سنوات من العمل في الجريدة. واعتبرت سليم من خلال صفحتها في فيسبوك، أن استقالتها جاءت بعد شعورها بخيبة أمل كبيرة بسبب الموقف من الأحداث في لبنان. ورأت أن عمل المؤسسة في الأشهر الأخيرة كان يصب في كشف الفاسدين أي كان مساهمًا في إشعال الاحتجاجات، وبالتالي فإن التصويب على الانتفاضة ليس في مكانه بأي شكل من الأشكال. واعتبرت سليم أن خطوتها هي قفز في المجهول، ولكنها فضّلت تطبيق قناعاتها الشخصية حتى لو كان الأمر على حسابها.

كرّت سبحة الاستقالات لاحقًا، مع استمرار سياسة الجريدة في الهجوم على الانتفاضة وتخوين المشاركين فيها. مسؤول القسم الاقتصادي في الجريدة محمد زبيب، الذي شارك في التظاهرات وفي الندوات التي أقيمت في ساحة الشهداء، وشرح رؤيته الاقتصادية وقدم الحلول للأزمات المالية، وجد هو الآخر أن الطريقة التي اتبعتها الأخبار خذلته، فقدم استقالته أيضًا وأعلن عنها عبر وسائل التواصل. كذلك فعلت فيفيان عقيقي التي اعتبرت أنها لم تعد تجد نفسها في الجريدة.  ثم محمد نزال، وغسان ديبة، وصباح أيوب.

مأزق خطاب مزدوج

نجحت الأخبار، التي تأسست في العام 2006 ويرأس تحريرها اليوم إبراهيم الأمين، الموصوف باليساري المقرب من حزب الله، في اللعب على التناقضات وعلى الخطاب المزدوج في السنوات الأخيرة، حتى أصبحت منصة لمن يهتفون للثورات في حالات ويقفون ضدها في حالات أخرى، وبلغ التقلّب أوجه في لبنان، حيث هتفوا مع وضد الثورة بفارق أيام.

اقرأ/ي أيضًا: الحراك في لبنان يدخل مفترق طرق ورهان على صمود الشارع

الجريدة التي صارت جزءًا رئيسًا من الاصطفاف ضد الثورة السورية، انشغلت طويلًا في خطاب حريات ليبرالي منفتح في الثقافة والفنون، استبدادي متطرف في الحريات السياسية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، خاصة في أي سياق متصل بحزب الله وحلفائه، وانهمكت في تبرير الاقتتال الطائفي وقمع أي حراك شعبي ضد الأنظمة الموالية لإيران في الوطن العربي.

نجحت الأخبار، التي تأسست في العام 2006 ويرأس تحريرها اليوم إبراهيم الأمين، في اللعب على التناقضات وعلى الخطاب المزدوج في السنوات الأخيرة

أخيرًا، جاء تزامن الانتفاضة اللبنانية مع انتفاضة العراق المستمرة رغم الدم والقمع والتنكيل، لتكشف آخر ما تبقى من الستار، عن ازدواجية المعايير الذي تعمل بها "الأخبار"، ومنطقها، الذي لم يعد مقنعًا لكثيرين على ما يبدو، بما في ذلك من عملوا فيها لسنوات طويلة. لتضيف الأخبار إلى تاريخها موجة ثانية من الاستقالات بعد الأولى اللاحقة لاتضاح موقفها من الثورة السورية.