نبيل سليمان في رواية

نبيل سليمان في رواية "تاريخ العيون المطفأة".. وجهات العمى

الروائي السوري نبيل سليمان (يوتيوب)

صدرتْ مؤخّرًا عن "دار مسكلياني للنّشر" رواية "تاريخ العيون المطفأة" للكاتب السّوري نبيل سليمان، لتنضاف إلى سلسلة أعماله الأدبيّة التي طالما قاربتْ المعنى الإنسانيّ وما يحفّ به من صلات في ظلّ ما تعيشه الذّات العربيّة من تحوّلات.

تقارب رواية "تاريخ العيون المطفأة" للكاتب السّوري نبيل سليمان المعنى الإنسانيّ وما يحفّ به من صلات في ظلّ ما تعيشه الذّات العربيّة من تحوّلات

اختار نبيل سليمان أن يعنْوِنَ فصول روايته بـ"العيون"، فقسّمها إلى ثمانية وأربعين عينًا. وإذ يحتمل هذا التقسيم ارتباطات بتاريخ الدالّ (العيون المطفأة)، وبمجالات دلاليّة حرفيّة بديلة (الاستخبار والمراقبة في بعدها السياسيّ)، فإنّه يتّصل خصوصًا بالشّكل السرديّ وبسياق التلفّظ. فقد فقدتْ الرواية الحديثة أبعادها الخبريّة والقصصيّة بعد الثورة الهائلة لوسائل الإعلام والاتّصال في الحياة المعاصرة، وصارتْ "وجهة نظر" لا غير.

بأيّ معنى تكون الرواية وجهة نظر؟

يعني أنّ الكاتب توقّف عن وهم حقيقة العالَم وعن نقل ما يحدث فعلًا. وقصر اهتمامه على زاوية بعينها لا تمثّل حقيقته الكليّة المستحيلة، وإنّما توقّعاته لهويّته (ما به يكون العالَم هو هو)، ضمن منظور سرديّ مخصوص وطبقًا لمسافة يتّخذها منه. ما يدعم هذا التوجّه أنّ نبيل سليمان اختار أن يفرّع وجهته التعبيريّة في مقدّمة الرواية إلى جزئين: الصّورة وحارة العميان. فشكّل من خلال الحضور المرئيّ لما يُرى/ مَنْ لا يَرى غيابًا لامرئيًّا لما لا يُرى/ مَنْ يَرى. وتعاضد التناقضان داخل مربّع سيميائيّ أسّس تاريخ الدالّ، أي العيون المطفأة.

اقرأ/ي أيضًا: 6 روايات تصدّرت المشهد الروائي السوري

منفصلًا عن الانظباط الزمنيّ بشكله السلطويّ الشّائع (ماضي، حاضر، مستقبل)، يبني نبيل سليمان سرديّته في أفق التعابر بين الأزمنة والأمكنة والحكايات. يعارض السياق المرئيّ لـ"الصورة" الذي افتتح به روايته بسياق شفويّ لامرئيّ يُحيل إلى أدبيّات ألف وليلة: "كان، لا ما كان، وغير الله ما كان. كان في حاضر العصر والأوان.." (ص 7)، ليكون الزّمن الإنسانيّ ومن ورائه الفعل فراغًا مضمونيًّا لا جدوى منه لأنّه لا يتغيّر ولا يتحوّل، حتّى أنّ الرواية في مستهلّها تبدو كأنّها عود على بدء، فقد عمد الكاتب أثناء إلى تراث الخطابة وقسّم روايته إلى مقدّمة ومتن وخاتمة منزاحًا عنها بحرف التشبيه فقط: "كالمقدّمات، كالمتون، كالخواتيم".

إنّ التماثل الشكليّ بين الرواية وألف ليلة وليلة، يجعل من الممكن اعتماد السّياق المرجعيّ لمقاربة السّياق التلفّظيّ. وفيه انبنى الفعل السرديّ على مربّع دلاليّ أضلاعه على النحو الآتي: الحكايات (المعرفة)، شهريار (رغبة الإفناء)، شهرزاد (سلطة البقاء)، قيم الموت والحياة (الواجب). علما أنّ الضلع الأخير كان منحسرًا في رواية نبيل سليمان عكس بقيّة أضلاع المربّع السيميائيّ التي كان انتشارها السرديّ أوسع وأوضح. ويعود الانحسار لكون الكاتب اختاره ليكون حاملا لدلالة النصّ العميقة ومفادها موقفه من قيم الحياة المعاصرة. فالمعنى القصديّ لا يكون فيما يعلنه الروائيّ وفيما يقوله، بل فيما يضمره ويتعمّد السكوت عنه تاركًا إيّاه كحدث تضامنيّ بين فعليْ الكتابة والقراءة.

تنقل الرواية على امتداد فصولها معارف مختلفة لتشكّل إطارها المرجعيّ عن العيون المطفأة. فقد تتبّع السّارد – على لسان الشخصيّات غالبًا –  كلّ ما له صلة بالمكفوفين، حيث تحدّث عن الأمراض المتسبّبة في العمى. وجاء على ذكر بعض الأعلام منهم، كما رصد بعض الأعمال الفنيّة التي تعرّضتْ لهذه الظاهرة سواء في الأدب أو في السّينما ، متطرّقًا إلى الصلات القائمة بين عالَم المكفوفين والمبصرين، حتّى أنّ إحدى الشخصيّات الضريرة تقول بنبرة ساخرة، موجّهة حديثها إلى المبصرين: "صرنا نعرف عالمكم، وظلّ عالمنا لنا" (ص 169).

إنّ موضوع العمى بطابعه الحرفيّ المباشر غير متطرّق إليه بكثرة في المدوّنة السرديّة العربيّة. فعالَم الضرير غرائبيّ، يدفع إلى الدهشة والتساؤل عن كيفيّات التواصل الحسيّ لهذه الفئة مع مجتمعنا المعاصر الذي تثقل كاهله الصّورة والمرئيّات. ولعلّ طرافة الموضوع وجِدّته تفسّر الجهد البحثيّ لنبيل سليمان في تجميع المعارف الموصولة به وتوزيعها في المسار القصصيّ للرواية التي تبدأ بـ"صورة" وتنتهي بالعمى منتقلًا من الشّاشة إلى عينيْ الشخصيّة لتصرخ: عميت يا معاوية؟ (ص 340).

موضوع العمى بطابعه الحرفيّ المباشر غير متطرّق إليه بكثرة في المدوّنة السرديّة العربيّة. فعالَم الضرير غرائبيّ، يدفع إلى الدهشة والتساؤل

الجانب الثّاني المتعلّق بالحكايات من حيث هي مشكّل المعرفة  يتعلّق بالرّائي/ مَنْ يَرى. وقد توزّع بين آنيّة السرد (الراوي) والشخصيّات. أمّا الرّاوي فقد بثّ عيونه أوّلا من خلال الـ"كان" والـ"ما كان" موهمًا القارئ بتعاليه على الزّمان والمكان. غير أنّ وهم التعالي سرعان ما انكشف مع تعاقب الحدث السرديّ لندرك أنّ الرؤية داخليّة وليست خارجيّة، وأنّ ما تعاطى معه المتقبّل في منطلق الرواية باعتباره عينًا كليّة ليس سوى منظور جزئيّ لشخصيّة نجم الدّين الصفدي تستعيد به أحداثا سالفة (ص 136).

اقرأ/ي أيضًا: فواز حدّاد: أصبحت الرواية حياتي كلها

إنّ هذا الانكشاف ذاته يعيدُ الرّاوي إلى رؤيته الشّاملة ويحدّد زاوية جديدة للحدث نتتبّع معها حكاية "مولود" ضمن منحى شبه حياديّ يصاحب الشخصيّة ويرى معها، لكنّه أحيانًا يتجاوزها في حركة مدّ وجزر هي أشبه ما تكون بالصّراع الخفيّ على منظار الحدث (آليّته) لتحديد المنظور (ملكيّته). ولعلّ هذا التنافس تجلّى كأبهى ما يكون في نهاية الرّواية حين تداخلت الآراء – على تشابهها – وتحوّل الرّواة إلى مَرْوِيّين في العين السابعة والأربعين: كان، لا مكان (ص 318)، ليجعلنا السّارد الرئيسيّ نتشكّك إن كان تتبّع الحكايات السّالف نتَج عن منظور عينيّ راقب الأحداث في حضورها المرئيّ أم نجم عن منظور شفويّ حكائيّ نقل الأحداث في غيابها اللامرئيّ بواسطة بديل عيْنيّ.

فيما يتعلّق بالشخصيّات الرائية، تعمّد نبيل سليمان وصلها بمَنْ لا يَرى (المكفوفين). وتوسّط في ذلك بالأقوال المأثورة والأمثال الشعبيّة التي انزاحتْ بالعمى من دائرته الجسديّة إلى دائرة رمزيّة وانفتحتْ به على أطر بلاغيّة متنوّعة، مكّنتْ الكاتب من توسعة آفاقه الدلاليّة ومن طرح تناقضاته. نحن إزاء شخصيّات لا يُعتدّ برأيها ولا برؤيتها إلى الأحداث. فـ"مولود" ينتقل من وضع المعارِض والعاشق ليصير مخبرًا ومغتصبًا لحبيبته، واللّواء مشرق العين السّاهرة على "الأمن" يتحوّل إلى مخرّب ومهرّب للأموال، و"مليكة" المتحفّظة على نشاطات مؤسّسة المكفوفين التي تشرف عليها صديقتها أصبحتْ منظّمة لحفل العميان في باريس.. ما فائدة ما تراه الشخصيّات إذن وهي تدور في فلك العمى حقيقيّا كان أو رمزيًّا؟ هل يعقل أن نأخذ الشخصيّات، راوية كانت أم رائية، على محمل الجدّ، وأن نتبع منظورها السرديّ للأحداث؟ ألا يُعدّ ذلك تطبيعًا مع العمى وانخراطًا فيه؟ أليس الأجدى أن يكتفي المتقبّل بمنظور الرّاوي في رؤيته للأحداث ويكتفي بتسلّطه العينيّ؟

تطرح الرواية ضمنيًّا هذه الإشكاليّات لتلمح إلى التناقضات القائمة في الانتظام القيميّ للحياة المعاصرة من خلال تراوح العالَم السرديّ بين السلطة والرغبة سواء في المقام السرديّ أو داخل المتن الحكائيّ. إنّ المعرفة الواردة على امتداد الرواية يُمكن أن تُخْتزل في سَمْيأة الرؤية بما هي موضوع تحوّله السّلطة إلى منظار (آليّة) والرغبة إلى منظور (ملكيّة). وقد حفلتْ الرواية بمثل هذه التحوّلات التي اعتملتْ فيها آليّة السلطة ورغبة التملّك، حيث خضعتْ الشخصيّات إلى هذا التصوّر وبدتْ، تماما مثل الأمكنة، متناظرة ونمطيّة تعتمل في النصّ وفق منوال التكرار. فسيرة "حميد ماء العيْنيْن" لا تختلف عن سيرة "نجم الدين الصفدي"، ومليكة لا تختلف عن آسيا أو أماني أو ميلينا، وصورة اللّواء مشرق تتماهى مع صورة الكولونيل وكلاهما يتماثل مع صورة عامل المخابرات معاوية. وهذا ما أتاح للسارد أن ينصرف عن تحديد بعض النهايات لأنّه سبق وضمّنها في مسارات سالفة لشخصيّات أخرى.

في رواية "تاريخ العيون المطفأة" لنبيل سليمان، يعلن السّارد أنّه قد "صار لكلّ مواطن صورة، أي صار كلّ مواطن صورة.. صارت الصّورة هي التي تنظّم"

ما الذي يبرّر التنميط ويجعل العالَم السرديّ، رغم تنوّعه وتعدّد شخصيّاته، شديدَ الاختزال وخاليًا من الكثافة؟ ألا يعود ذلك مثلًا إلى اعتمالات العولمة وتنميطها للمجتمعات من خلال الصّورة؟

يعلن السّارد أنّه قد "صار لكلّ مواطن صورة، أي صار كلّ مواطن صورة.. صارت الصّورة هي التي تنظّم" (ص 12). يؤكّد هيمنتها التي تستشري في المرئيّ واللامرئيّ لتشكّل منظورنا وتحدّد منظارنا. إنّها تمحي الحدود والفواصل بين الأمكنة والأشياء، تهدم المستويات المألوفة والقيم التقليديّة لتبني عالَمًا جديدا هو أشبه بفوضى العمى. بل إنّ السّارد، نفسه، لا يستطيع أن يتخلّص من هيمنة هذه الآليّة فيُعيد  إنتاجها من خلال تقسيم الفصول إلى عيون هي أشبه ما تكون بالتقطيع الفنّيّ للأفلام: سلسة لقطات وزوايا تصوير، سيناريو محكم التنفيذ معَدّ مسبقا، يخلّص الرّائي والرواي من إيديولوجيّته القديمة التي بإمكان وعي المتقبّل أن يقاومها، ويترك القصد كمجرّد آثار وتراكمات مجهريّة تنبني جزيْئاتها تدريجيّا في فعل التقبّل ليعيد إنتاجها لاحقا في حدث التأويل.

حياتنا، كما رواياتنا، فيلم هوليوديّ؟

من الجائز أن يكون الأمر كذلك. ولا عيب في المسألة مادام صنّاع السينما يحقّقون الرّبح تمامًا كما هو الشّأن داخل الرواية مع معاوية ومولود وأمّ رتيبة والمشرفة على مركز المكفوفين.. هل ثمّة حدود بين التخييليّ والواقعيّ؟ هل ثمّة واقع أصلًا في ظلّ مجتمع الصّورة؟ أليس كلّ ما نملكه منه هو نظرتنا إليه، هذا إن كنّا نملكها؟

اقرأ/ي أيضًا: خيري الذهبي في رواية "صبوات ياسين".. تشظيات المثقف

الأسئلة شتّى، والعيون على حالها.. ليستْ مطفأة بالضّرورة، لكن ما حاجة أطفال القمر إليها (ص 145) وهم ملزمون بتجنّب الشّمس؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

وليد السابق.. النفس البشرية تسير إلى خرابها

مها حسن.. حلب ما قبل الخراب