مها حسن.. حلب ما قبل الخراب

مها حسن.. حلب ما قبل الخراب

مها حسن

بعد روايتها العاشرة "عمت صباحًا أيتها الحرب" تعود الروائيّة السوريّة مها حسن لتصدر رواية جديدة جاءت بعنوان "حي الدهشة" (دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، دار سرد).

اشتغلت السورية مها حسن في غالبية أعمالها الصادرة في السنوات الأخيرة على رصد وتوثيق الحرب الدائرة في بلادها

اشتغلت مها حسن في غالبية أعمالها الصادرة في السنوات الأخيرة على رصد وتوثيق الحرب الدائرة في بلادها، مواكبةً الأحداث الجارية، ومُسلّطةً الضوء على معاناة السكّان هناك إزاء الوضع القائم. ولكنّها في روايتها هذه، تعود إلى ما قبل الحرب، لنتعرّف على أحد الأحياء الشعبيّة في مدينة حلب "حي الهلك"، حيث ترصد الكاتبة طقوس العيش في هذا الحيّ، مُصوِّرةً البساطة التي تغلب على طباع سكّانه، أولئك الذين يحلمون بأشياء بسيطة وصغيرة جدًا.

اقرأ/ي أيضًا: إلى "حيث لا دمشق هنا"

عمدت صاحبة "مترو حلب" في هذا الرواية على عنونة فصولها بعناوين روايات عربيّة وعالميّة. هكذا، سنجد أنفسنا أمام فصلٍ جاء بعنوان رواية نجيب محفوظ الشهيرة "أولاد حارتنا". وآخر بعنوان رواية إيزابيل الليندي "بيت الأرواح". ناهيك عن "الحرب والسلم" للروائي الروسيّ ليو تولستوي، و"الجميلات النائمات" للياباني ياسوناري كواباتا. وتكون أحداث كلّ فصلٍ من هذا الفصول مرتبطة على نحو وثيق بالعنوان. وجاء هذا التكنيك الروائيّ للإشارة إلى أهمية الأدب ودوره في الحياة البشريّة.

حي الدهشة

عن هذه الرواية، تقول مها حسن صاحبة "بنات البراري" إنّها جاءت "كتجسيد لاستعادة حلم اللعب بالتكنيك والحكاية لتقديم كتاب يسرد حياة ما قبل الحرب". وتضيف: "يعتقد الناشر الصديق فايز علام بأنّ كتابتي عن حيّ حلبي، قبل الحرب، بمثابة تثبيت للمكان الذي خرّبته الحرب، والذي حتى وإن تمت إعادة إعماره، فإنّه لن يرجع المكان ذاته. لم تكن هذه النية في داخلي، كنت أتخفف من كآبتي وخوفي من الحرب، بالابتعاد عنها، محاولة التشبث بمتعة السرد واللعب الروائي".

يُذكر أنّ مها حسن روائيّة سوريّة من مواليد سنة 1966، أصدرت عدّة روايات ومجموعاتٍ قصصية، ووصلت روايتها "حبل سرّي" إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربيّة سنة 2011. بالإضافة إلى رواية "الروايات" التي وصلت إلى القائمة نفسها من الجائزة سنة 2015.


من الرواية

مغرمةٌ بالماء. تشطف كل صباح أرض الدار، تسقي الحديقة الصغيرة، حيث عروق البقدونس والنعنع والريحان التي غرستها سابقًا، ثم تترك خرطوم الماء الطويل الأحمر يتدفق وقتًا أطول تحت دالية العنب.

عشقت سميرة ثلاثة أشياء: الماء، وسميرة توفيق التي سمّتها أمها باسمها، وابن عمّها عبد الغني.

في آنٍ واحد تستمتع بالماء والغناء، ربما كان ذلك مجديًا في تخفيف شوقها لعبد الغني، الذي تغيّب عن البيت منذ شهر. كانت تلك أطول فترة غابها، فقد اعتاد السفر، بسبب طبيعة عمله، سائق تكسي على خطّ حلب - بيروت، ولكنّه لم يكن يغِيب، في المرات السابقة، أكثر من يومين أو ثلاثة أيام بالكثير.

طال غيابه هذه المرة، بسبب السفريّات المتلاحقة، التي لم تمنحه فرصة للعودة من حلب إلى كفر حمرا، لتمضية بعض الوقت مع سميرة وابنهما الوحيد.

ممسكةً بخرقة ناشفة تمرِّرها على بلاط الغرفة، كانت تنشّف الأرض من الماء وتطقطق بعلكة "الشكلش"، مدندنةً مع سميرة توفيق أغنية "يا خيّال الزرقا".  عصرت الخرقة، نشرتها على سور الحديقة الصغيرة، عادت تتفقّد الدالية، أخذت الخرطوم مجدّدًا وراحت ترشّها وتغسل أوراقها واحدة تلو الأخرى.

كان عبد الغني قد اتصل بها في الصباح، وأخبرها بأنّه سيعود بعد أسبوع.  لم يكن جادًا. كان في الطريق إليها، لكنّه أراد مفاجأتها والتمتّع برؤيتها وهي تهرع إلى باب الدار لكي تفتحه حالما تسمع محرّك سيارته، ثم تهتف معاتبة إيّاه بغنج: "ما قلتلي إنك جاية، كنت ظبّطت حالي!"، وسيشرق وجهها الحزين بفرح.

 

اقرأ/ي أيضًا:

5 روايات سورية من إصدارات 2017

رواية "بيت حُدُد".. سوريا الهاربة والمهرَّبة