خيري الذهبي في رواية

خيري الذهبي في رواية "صبوات ياسين".. تشظيات المثقف

الروائي خيري الذهبي

ألترا صوت - فريق التحرير

عن الرواية

في رواية "صبوات ياسين" للروائي السوري خيري الذهبي، الصادرة عن داري "سرد" و"ممدوح عدوان"، يُجرَّد ياسين الأرفعي، الناقد والصحافيّ اللامع، من حقوقه المدنية والسياسية، بعد قيام نظامٍ جديد في البلاد، فيهرب من رجال المخابرات، ويجد نفسه في عالمٍ غرائبيّ يعيش فيه بشرٌ يطلقون على أنفسهم اسم "اللاقبلان"، وهم يَنشُدون السلام، بعيداً عن مجتمع البشر "القبلان": أبناء قابيل القاتل الأبدي. هناك سيعيش ياسين فترةً، لكنّ حياته القديمة لا تنفك تلاحقه.

في روايته "صبوات ياسين"، يكتب خيري الذهبي سيرة المثقف الذي يعيش أزمته الوجودية

تلك هي واحدة من السِّيرتَين اللتين يكتبهما "ياسين"، وهي السيرة السرّية التي لم يُطلِع أحدًا عليها حتى زوجته، وأما الثانية فهي سيرة حاكم البلاد الجديد، التي كلّفه النظام بإنجازها، والتي سنقرؤها أيضًا في أوراقه.

اقرأ/ي أيضًا: مجرد رجل يقف أمام قبر

في روايته هذه، يكتب خيري الذهبي سيرة المثقف الذي يعيش أزمته الوجودية بين نسختين: واحدة دجّنتها السلطة، وأخرى أفلتت لتحلم بثقافة كونيّة.

مقطع من الرواية

قصّ المقالات، جمعها في مجموعات. مقالات كلّ كاتب على حدة. أراد أن يتأكد من الحقل الذي يعمل عليه كلّ كاتب منهم، أعاد قراءتها محاولًا قراءة تبدّلات وتطوّرات كلّ منهم في غيابه، ولكن المفاجأة كانت جارحة. صدمته القراءة الأولى، ثم لم يملك نفسه، فانطلق يقهقه. أهذا معقول؟ كان أصدقاؤه الأكارم، أصدقاء الشلّة يلعبون لعبة الكراسي الموسيقية متنقّلين بين صفحات الجرائد، الداخلية والأخيرة. كانوا يتبادلون المواقع والمقالات والتواقيع والصور... كانوا يكرّرون نشر المقالات نفسها بعد تغيير الأسماء والصور. أهذا معقول؟ صرخ غير مصدّق: أين رؤساء التحرير؟ سكرتيرو التحرير؟ المحرّرون؟ القرّاء؟!

ألم ينتبهوا لهذه اللعبة السخيفة؟ فمقال ياسين الذي قرأه لمن يفترض أنه ياسين، والمنشور يوم السبت، ها هو ذا يُنشر مرّة ثانية باسم جابر عبد المولى، مع تغيير في السطر الأول من المقال فقط، أما مقال جابر الذي نُشر يوم الأحد، فها هو ذا يُنشر باسم مصباح، ثم مقال مصباح باسم يوسف، ثم...

أعوذ بالله! ما الذي يجري؟ أين القرّاء ليحتجّوا؟ أليس من قارئ متابع يكتشف ما يفعلون؟ وضع الصحف جانبًا مثقلًا بِحيرة لم يختبرها سابقًا. مقالات لو قرأت كلّ واحدة منها على حدة، ودون أن تنسبها إلى كاتبها أو إلى معيد كتابتها، لما كان لك عليها أيّ لوم، ولكن، ما الذي أوحى إليه بتجميعها، وقصّها، ومقارنتها؟ أيّ شيطان أشار عليه بهذه اللعبة المشؤومة التي وضعته فجأة على مفصل اللعبة؟!

اعتاد منذ اليوم الثاني لاستئجاره الغرفة، بعد تخلّيه عن جنّة ليلى، التسلّل عبر الحارات والجادّات الملتفّة إلى مقهى البرازيل، ليراهم في جلستهم تلك متحلّقين حول ياسين الآخر، كان يلقي نكاته وكانوا يقهقهون، ويتمايلون، ويطبطبون، ثم كان أحدهم يميل على الآخر المسمّى بياسين، فيميل المسمّى بياسين برأسه ويبدأ بالهمس، ويبدؤون بالميلان نحوه والاستماع في اهتمام، وحين يقول ما يتمنّون سماعه، كان إشراقٌ عجيب يحلّ على وجوههم، لقد عرفوا السرّ الذي كانوا يتوقون إلى سماعه. ثم يميل جابر على المسمّى بياسين، فيطلب إليه تغيير الجوّ وإلقاء نكتةٍ ما، وهكذا يبدأ المسمّى بياسين بإلقاء نكتة لم يكن لياسين أن يسمعها، ولكنه كان يستطيع أن يقدّرها، ويقدّر طرافتها، من حسن الاستماع، ثم من الانفجار المقهقه السعيد بهذه النكتة التي - فكّر ياسين - لا بدّ أن تحوم على تخوم السياسة، فإن لم تكن السياسة، فهي تحوم على تخوم الجنس، ولا شكّ.

أحسَّ في المرّتين الأوليين وهو يراقب ياسين، ويراقبهم، بشيءٍ من الغيرة، بل ربّما الحسد. إنهم سعداء. تمنّى لو سمع نكاتهم ليقيّمها، فهو خير من يحسن تقييم النكات، وتنهّد. أتُراه، بعد كلّ هذا السواد والتشبيح والتخفّي وسكنى المستنقعات، أتراه ما يزال القادر على إلقاء النكات وتفكهة الحاضرين؟ أحسّ بالغيرة والمرارة، فمن هذا الياسين الآخر؟ وكيف استطاع الحلول محلّه؟

كان قد تسلّل إلى حديقة الجيران، فالسّور المطلّ على بيته. بيته؟ ورآه، ورآها، ورآهما. رأى الحركات الأليفة المملّة، شطف بلاط باحة البيت. حمل الكرسيين والطاولة الصغيرة. دولة القهوة، كأس الماء البارد، الفنجانين. زهرة الفل في كأس الماء، السيجارتين تشعلان من جمرتيهما فيما يشبه قبلة السكائر. كل تلك الحركات الأليفة.. المعادة التي لم يكن يعرف متعتها حتى رأى الآخر يقوم بها، فانفجر فيه حنين غير مسبوق. وقد أكره نفسه أكثر من مرّة على الرجوع عن القفز إليهما ليصرخ: أنا ياسين! ألا تريان؟! ما الذي يجري؟ كيف سرقتماني منّي؟ ولكنه في جزء صغير منه كان يدرك أنه، لو فعلها، فلن يكون إلا المُقدِم بنفسه لأولئك الذين وضعوا الجوائز للقبض عليه. ولكن.. ها هو ذا ياسين أمامهم، فلِمَ لم يقبضوا عليه؟!

كان السؤال معجزًا محيِّرًا، لا يملك جوابًا عنه، ولا يملك سؤال أحد يجيب عنه.

في المرة الثالثة، وهو يراقب المسمّى بياسين وشلّته، لاحظ شيئًا مألوفًا يقومون به، يميل مصباح على المسمّى بياسين ويسأله - ومن الواضح من تعابير الهمّ والاهتمام على وجهيهما، وياسين يعرف هذه التعابير جيدًا - عن آخر أخبار ما يُعدُّ في مطابخ السياسة، وعندئذ يحلّ ما يشبه الوقار والإحساس بالأهمية على وجه المسمّى بياسين، ويبدأ بالهمس، ويبدؤون بإجحاظ العينين، وعقد الحاجبين، وتجعيد الجبين. أعوذ بالله! أيّ خبرٍ سياسيّ هامّ جداً يلقي عليهم الآن؟! ثم.. يحلُّ عليهم ما يشبه آلام الهضم على من ابتلع طعامًا عسر الهضم، وها هو ذا يستجمع كلّ قواه ليهضمه، ثم بعد اجتياز محنة هضم الخبر المزلزل، يميل جابر على المسمّى بياسين مداعبًا وقد كسا وجهه بأرقّ تعابير التعاطف والرجاء أن يغيِّر الجو الكئيب ويُسمعهم واحدة من نكاته الطريفة. ويستجيب المسمّى بياسين ويتحفّزون ويستجمعون الأنفاس، ثم ينطلقون في قهقهة مريعة تنفَّس كلّ حزن وكلّ خيبة وكلّ انكسار أدخله الخبر السابق في حياتهم، وكان ياسين عندئذ ينسحب من المقهى، ثم يحمل جرائده ويعود إلى غرفته.. ولكنه في هذه المرة قرَّر البقاء قليلًا. كان يعرف أن أحداً لن يتعرّف إليه في جلسته المتطرّفة في الركن نصف المعتم، البعيد عن النوافذ والإضاءة، ومراقبة العابرين في الشارع، ومراقبة الداخلين إلى المقهى، والخارجين منه، والتسلّي بالتعليق عليهم صراحة وضمنيًا. كان في جلسته المنعزلة تلك يحقّق هدفين مهمّين له: العزلة عن روّاد المقهى، فهو يخاف التعرّف عليه رغم تنكّره الشديد، والقدرة على مراقبة شلّته في نشاطها اليومي.

عن الكاتب

خيري الذهبي روائي سوري من مواليد دمشق 1946. أعدّ وقدّم 11 كتابًا في سلسلة "آفاق دمشقية" ضمن احتفالية "دمشق عاصمة الثقافة العربية" 2008. كما أعدّ وقدّم 12 كتابًا عن مدينة القدس، بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009.

من أبرز رواياته: ثلاثية التحولات "حسيبة – فياض – هشام أو الدوران في المكان"، "لو لم يكن اسمها فاطمة"، "فخ الأسماء"، "رقصة البهلوان الأخيرة"، "المكتبة السرية والجنرال".

 

اقرأ/ي أيضًا:

5 روايات سورية من إصدارات 2017

حدود الاضطراب