نافذة لا تملك سوى حبل غسيل

نافذة لا تملك سوى حبل غسيل

إدوار هوبر/ أمريكا

أشاهد جارتي عارية  كل يوم، الحقيقة أنها لم تكن تتعرى لتفعل الأشياء الممتعة التي يقوم بها البشر في عزلتهم، لم تكن تستلقي وترمي بتلات الورد على غطاء السرير وتلمس مناطقها الحميمية، أو تقف أمام المرآة وترفع ثدييها ليبرزا، أو تمسك بشفرة الحلاقة وتتركني للخيالات. مثل بطلات ماركيز، كانت تصل منزلها في السادسة مساءً، وحيدة دومًا بكيس بقالة ورقي في يدها اليسرى، ترمي علاقة المفاتيح في صحن زجاجي أحمر، وتخلع ملابسها بفوضى، إلا الحذاء فكان آخر ما ينزلق عن جسدها العاري تمامًا، فتسير به بين غرف المنزل وتتحرك باعتيادية ورتابة لتفعل أشيائها كلها قبل أن تصل غرفة النوم فتخلع آخر ما علق بها من النهار، حذاء جديد لكل يوم، كان دومًا فاتنًا، أنيقًا وذا كعب عالٍ، وهذا ما كان يثير شهوتي، ويسمّرني أمام حياتها كمتلصص ينتظر من امرأة عارية أن تخلع حذاءها لينتشي ويتم بقية يومه، جارتي لم تكن جميلة أيضًا، وهذا لم يوقفني عن شراء منظار مكبر لأراقب من غرفتي البائسة تفاصيلها بدقة أكبر، لم أشعر بالحاجة لأتخفى، مع أني فعلت، ولم أشعر بالخجل أيضًا، كنت متلصصًا فظًا يملك نافذة وحبل غسيل، يقف كل يوم منذ أشهر أمام شباك مغلق، بيده منظار مقرب يتحسس به جسد جارته العاري، بينما يغطي الثلج الأمكنة كلها، ثلج ملوث بسخام التدفئة، تضربه تيارات هواء فينتثر فوق أسطح المدينة كالعبث.

وصلتُ هذه البلاد حديثًا، لم يكن لدي الكثير لأفعله، كنت بلا لغة لائقة بالعشرة، أو مهارات للغزل ولبثّ الفحولة في طرقات مدينة غريبة، أنا رجل أربعيني، يقوم من سريره كعازب تعرف على الحرية والوقت الممطوط  حديثًا، يسير دون خطة لتثبيت نهاراته النعسة، ولا يصحو تمامًا إلا عند الساعة السادسة، عندما تصل امرأة عارية وتطرق باب مخيلته بحذائها الوحيد.

كفتيات البلاد حيث أتيت، أسميتها زينب، اسم يشبه شعرها الأسود الجعد، وفخذيها المسكوبين كأعمدة المعابد في روما، كانت بطنها كبيرة بثنيات واضحة، وثدياها مندلقان كجراب ماء، أجمل ما فيها كتفين دقيقين وساعدين بعظم طويل كانت تحركهما وهي ترمي ملابسها برشاقة راقصة باليه، كأن الإله الذي بنى جسدها لم يعمل بذاكرة كافية، فلملم قطعها من أفكاره عن نسوة مختلفات.

وصلت زينب في السادسة مساء كما اعتادت أن تفعل، خلعت ملابسها على باب البيت، وبقيت تلك المسافة حتى غرفة نومها، عندما تقوم بخلع حذائها، وبين الباب وتلك المسافة تعيش حياتها كاملة بحذائها ذي الكعب العالي، تطل على قطها، تجهز له وجبته الدسمة، تنشر غسيلها البائت، ترتب فوضى صباحها العجل، ثم تخرج وجبة عشائها من البرّاد، لكنها اليوم وقفت كالعادة بكامل عريها، كمن يفكر في معضلة، تجمدت أمام باب البراد المفتوح،  ثم أخرجت اللحم المثلج وكيس البازلاء وانحنت بلا برتوكولات لتحضر قطع الجزر والبندورة من درج واطئ، فتضاعف حجم مؤخرتها التي تديرها باتجاهي، خاصة عندما انحنت أكثر كمن ينقب في كهف، لم تثنِ ركبتيها، شدت أوتار ساقيها مثل آلة موسيقة مذبوحة بقوس حزين، ثم كخطأ في نوتة، فلتت قدمها من فردة الحذاء، تعثرت وسقطت من علياء الحذاء على مؤخرتها، يبدو أن زينبي وعت سخرية ما حصل، فتركت حبات البندورة والجزر لتتدحرج من حولها، واستلقت على ظهرها ضاحكة، تحيط بكتلة شعرها الأسود الشعث بقع حمراء وبرتقالية كأنها نجوم وضعها مهرج لعوب في سماء شعرها، ثم فجأة التفتت صوبي، كأنها وعت للحظة أن هناك من يشاهدها، قلبت جسدها تجاه الأرض، واستلقت الآن على بطنها، رفعت رأسها ونظرت من النافذة في العمق المظلم، أبحرت في النظر ولم تلتقط حضوري الخفي، إلا أنها قامت منتفضة كمن لُسع بفكرة، لملمت بقايا طبختها، خلعت حذاءها وخلص يومي معها، فقد اكتمل عريها فانتشيت.

كان الفراغ في المدينة الجديدة يطرق نخاعي الشوكي بمفك فولاذي، كنت لا أحد، وصلت منفاي مسروقًا، كمن لا اعتبار له، بحضورٍ لا يحرض الفضول ولا يستدعي الأسئلة، كل ما فعلته هو الصمت، كان شيئًا مختلفًا أن أصمت، لكني الآن في جغرافيا مختلفة، نما الثلج فيها عملاقًا كإله قديم، كحارس على باب الحياة، لا يدخل ملكوته إلا من ملك مفتاح سر الوجود، عليك أن تنطق كي تدخل وهذا ما عجزت عن فعله، فاكتفيت بالتلصص وخرست، بذهول تحركت في منفاي الجديد، حيًّا لكني عارٍ، مثل رجل يمشي في مدينة جديدة بلا حذاء. بينما زينب تعيش عريها ووحدتها كاملين، كان عريها لغة ترسلها للكون وأنا عاجز عن النطق، أردتها أن تصبح غريبة مثلي، أردت سرقة أمكنتها ومألوفية بيتها وشارعها ومدينتها والبلاد، أردت سرقة حذائها منها لتمشي حافية، بلا أثر، بلا معنى، أردت أن أخرسها.

ثم في هذا المساء بالذات بعد أن نفتني المدينة كأجرب، عند الساعة السادسة، بينما دخلت زينب غرفة نومها، بجسدها العاري الممتلئ بالكلام، وبينما بدأت بترتيب ملابس الغد على علاّقة خشبية بقرب النافذة، أشعلتُ ضوء غرفتي لتتلألأ في عمق الظلام، وأعلنت عن وجودي دون وجل، رجل غريب، أربعيني، يراقب بيت جارته بمنظار مقرب، لمحتني من لم يكن اسمها زينب، لمحت المعتدي، انتفضت بخوف وقرف، وكمن وعى عريه فجأة، خلعت حذاءها، ركضت وأغلقت الستائر. وأنا ارتعشت، انتشيت كمن ضاجع حبه الأول، فها أنا أمنع زينب من ممارسة عريها علنًا، واتركها لتخرس هي أيضًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصمت أقصرُ الطرق للسلامة

الوقت وحكايا الأطفال