ميكروفون

ميكروفون

كونراد سمولينسكي/ بولند

زاره المُخبر صباحًا، وهمس في في خجل مصطنع: "معلش يا عم مختار، الباشا عايزك". اعتاد مختار مثل هذه الزيارات الروتينية، وبوصفه "عبد المأمور" نقده المعلوم.

في الصباح قابله نفس المخبر بملامح جامدة: "هات بطاقتك. اترمي هناك. الباشا زمانه جاي".

المكان شديد البرودة.

مرّت أكثر من ساعتين.

دخل الحمّام، بعد استئذانٍ جارح.

سأل المُخبر. زغده: "اقعد هناك. انت راجل غتيت".

كاد يبكي ولكنه ابتعد صامتًا.

أخيرًا هلّ الباشا الضابط.

يقترب من عمر أصغر أولاده، ناعم، حليق، فارع الطول، يكاد ينفجر صلفًا.

اندفع أحد العساكر إلى أُكرة باب المكتب صائحًا: "الباشا وصل". أعقبه آخر يحمل فنجان القهوة. أشار أحدهم للعجوز.

كانت الحجرة واسعة تشعّ بالدفء المصنوع، واستشعر بعض الراحة.

لم يرفع الباشا رأسه عن الأوراق، وأومأ إليه بإصبعه في عصبية ليجلس.

- "كنت بتشتغل إيه يا مختار في وزارة الصحة؟".

- "عامل يا ابني".

ارتفعت رأس الباشا بنظرة قاسية وغاضبة، وأحس مختار أن خطأ ما قد حدث.

استطرد الباشا بحدّة: "عال، كنت موظف حكومة. طب إحنا عايزين خدمة للحكومة اللي اتمرمغت في عزّها".

-"لو بإمكاني يا ا.. يا باشا".

-"من غير لف ولا دوران، عايزينك تكتبلنا أسماء السُنّيين اللي بيصلّوا عندك".

-"أنا كنت عامل لا بعرف أقرا ولا أكتب. وبعدين ده بيت ربنا أي حد يخش يقضي الفرض ويمشي".

ازدادت نظرته قسوة: "إنت راجل كدّاب. قوم فزّ".

انتفض واقفًا وبصوت أقرب للبكاء حاول الدفاع عن نفسه: "معرفش حدّ، وما بعرفش أقرا ولا أكتب".

قام الباشا بهدوء، ودار حوله دورة كاملة، ثم ضربه بيده فكاد مختار يسقط من طوله.

"أنا هعلّقك، وهجيب ولادك.. يا عطية يا صول عطية".

جاء عطية وامتدت يده بعُصابة قذرة لتغمية مختار، الذي سلّم أمره لله وتمتم: "حسبي الله ونعم الوكيل".

أشار الباشا إشارة ذات مغزى، فخرج الصول، وسمع مختار صوت صراخ مفزوع، فارتعب وتراجع ليستند على الجدار.

صرخ الباشا: "ما تسندش ع الحيطة يا ابن الكلب".

"الله يسامحك يا ابني".

"يسامحني إيه؟ أنا ابنك يا راجل يا مجنون؟ هتنطق ولّا ..".

ظل واقفًا، بسنواته التي تقترب من السبعين، ثلاث ساعات تملّكه فيها إحساس حاد بالمهانة وقلّة القيمة. تصلُّب الشرايين أشعل النار في ساقيه، فانفجر فجأة في البكاء وسقط مغشيا عليه.

وحين أفاق أخيرًا، كان الباشا قد ذهب وجاء آخر بابتسامة لزجة متشفّية: "إزيك يا عم مختار. مين اللي استدعاك؟ فيه ضدك بلاغات إزعاج من الجيران. بيقولوا بتشغّل الميكروفون قبل الفجر"، ثم قطع حديثه فجأة ومدّ يده: "معلش، مع السلامة. عايزين نشوفك يا مختار".

كان الليل قد انتصف حين اقترب من بيته. تجاوزه إلى المسجد. أدار الماكينة ثم بصوت غاضب: "آلو آلو.. إصحوا يا ولاد الكلب".

كرّرها عدة مرات ثم أغلق باب المسجد، وبأقصى قوته ألقى المفاتيح في الشارع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

موتى بعروقٍ متيبسةٍ وقلوبٍ متجعدة

سقوط شاهد آخر في اليرموك