ملمّع الأحذية

ملمّع الأحذية

تشيهارو شيوتا/ اليابان

وفي طريق عودة الشاب المهندم من العمل إلى المنزل، كان يمر بشكل يومي على "ملمّع الأحذية" ذلك الرجل العجوز ذو القامة القصيرة، والظهر المحني، والأرجل المتشققة، والأكف الكبيرة مقارنة بحجم جسمه الضئيل، يرتدي جلبابًا مهترئًا لا يمكن تمييز لونه، اختفت ألوانه من فعل حرارة الشمس فأصبح منعدم اللون، ذقن خفيفة غير مهذبة ورأس صغير غزاه الصلع، حواجبه كثيفة تكاد تحجب عينيه، ساعداه نحيلان وأصابع غليظة متمرسة تعرف عملها جيدًا، اعتاد الشمس وأحبها فلم تعد تزعجه، تلونت بشرته بالسمرة اللامعة، ماتت الخلايا إثر الأشعة الضارة وتجعدت البشرة تلك التجاعيد الحبيبة إلى القلب التي تميز المجهدين عن المرفهين، أبناء الطين والأرض والخضرة عن أبناء المباني الإسمنتية والمصاعد الكهربائية والسيارات الفارهة، أكثر ما وقعت عيناه عليه طوال حياته كانت الأحذية، يرمق في يومه آلاف الأحذية التي تمر من أمامه، الأشخاص بالنسبة إليه مجرد أحذية تسير على الأرض، لا يهتم بما يحمله الحذاء، أنظاره لا تتجاوز تلك البوصلات القليلة ابتعادًا عن الأرض، يحب الأحذية الجلدية الكلاسيكية، يكره تلك "الموضة" الحديثة وما يسمونه حذاء رياضي، مريض بمتلازمة "تلمّع يا بيه، تورنش يا باشا" عندما يرى حذاءً مغبّرًا يمر من أمامه.

كان الشاب المهندم ينزعج من أشعة الشمس الساخنة ويحاول جاهدًا تفاديها أو السير مسرعًا عبر الشوارع القليلة التي يتطلب عبورها من أجل عودته للمنزل، وكان يحاول تفادي النظر إلى ملمّع الأحذية إلّا أن جملة "تلمّع يا بيه" كانت ترن في أذنه بمجرد مروره من أمامه، فكل جزمة تربعت الأتربة على سطحها هي أجر محتمل للملمّع إياه، وما أكثر الأتربة في شوارع مصر، لم يكن الشاب طبقيًا أو كارهًا للفقراء والضعفاء والمطحونين، فالرجل يبدو من هيئته كمشروع برجوازي صغير، وقد يكون كذلك بالفعل، فهو يعمل في أحد البنوك، يتقاضى أجرًا جيدًا مقارنة بمتوسط الأجور في بلده، قلّما تراه بغير البزة الكلاسيكية والحذاء الجلدي والذقن الحليق والشعر المهذب، غير أنه يستأجر مكان سكنه، ويعيش بالكاد ولا يوفر من أجره إلا الفتات.

طالما كره وظيفة "ملمّع الأحذية" إن جاز لنا تسميتها وظيفة، ويمكن فهم ذلك لأن والد الشاب كان ملمّعًا للأحذية حتى يوم وفاته، ومن تلك الأموال الضعيفة التي كسبها والده، استطاع أن يعلّم الفتى ويربيه ويجعله شابًا يافعًا عاملاً في أحد البنوك، ولم ينكر يومًا الفضل أو يتبرأ منه، ولكن ازداد تعاطفه وتضاعف للعاملين بتلك المهنة، فهم رجال ليس لهم من الأدوات والمواهب ما توفر لغيرهم، لا يستطيعون فعل شيء في الحياة سوى النظر إلى الأسفل، سوى تلميع الأحذية للسادة المارة، لا يتذكرون الوجوه بقدر ما يتذكرون الأحذية، تلك التغييرات الشكلية الغبية التي يفعلها الناس في وجوههم فلا يتعرف عليهم أقرب الناس إليهم أو يحتاجوا للحظات قبل أن يدركوا ويتعرفوا على الشكل الجديد، تلك الشكليات الساذجة لا يحتاجها ملمّعو الأحذية، فهم يعرفون الشخص من حذائه، بمجرد النظر إلي أسفل تعمل ذاكرتهم البصرية على استرجاع كل ما يخص صاحب الحذاء.

طالما مقت الفتى تلك الوظيفة التي تجبر أصحابها على النظر إلى الأسفل دومًا، وفي كل يوم أثناء مروره على ملمّع الأحذية العجوز، تتصارع في رأسه فكرتان لا تقل إحداهما قوة عن الأخرى، هل يتوقف من أجل تلميع الحذاء ويجعل العجوز يكسب قوت يومه؟ أم يستمر في المسير؟ ولكن لا لن يكون مثل هؤلاء المتعجرفين الذين يقفون أمام الرجل ويمدون أرجلهم ليلمع لهم الحذاء، لا يستطيع فعل ذلك، يفضّل تلميع حذائه بنفسه، لا يرضى بالمهانة لشخص آخر، ولكن الرجل بحاجة إلى النقود، أيلقي له بضع جنيهات ويذهب؟ كبرياء الرجل سيمنعه من أن يقبلها، هو يعرف ذلك النوع من الرجال حق معرفة، كل تلك الأفكار تتضارب في رأسه خلال ثوانِ قليلة، ويتردد بين الوقوف أو الاستمرار في المسير، في اللحظة التي يقرر فيها التوقف يرى وجه والده يتلبس الرجل العجوز، لا لا فليطرد تلك الفكرة من رأسه في الحال، سيستمر في السير ولن يتوقف ولن يفكر في ذلك مرة أخرى.

وفي اليوم التالي، يتكرر الوضع ذاته وتطارده الأفكار نفسها، لا يمكن التوقف أو منع نفسه من التفكير بهذا الشكل، ها هي بضع خطوات ويمر من أمام العجوز لتطارده جملة "تلمّع يا باشا" الاختبار اليومي الذي لا يستطيع اجتيازه رغم معرفته به مسبقًا، ها هي خطواته تتباطأ وترتبك، خطوة أخرى على الوصول، يدب حذاؤه أمام العجوز فيرمقه ويترجمه عقله ببضع جنيهات ويلفظ لسانه الجملة المعتادة "تلمّع يا بيه" يرتبك الشاب أكثر وتختلط الأفكار برأسه، ماذا يفعل الآن؟ ها هو يعبر من أمام العجوز ده أن يلقيه اهتمامًا أو هكذا يبدو للعجوز، ثم في اللحظة التي يرفع العجوز عينه من على الحذاء ليبحث عن حذاء آخر يرزق منه ببضع جنيهات، التف الفتى وعاد إلى العجوز، خلع الحذاء بيديه وجلس بجواره دون أن يعبأ بأن تتسخ بدلته الغامقة، لم يكترث بكلمات العجوز المعترضة على فعله، جلس بجواره وتناول الإسفنجه، لمّع الحذاء ووضع بضع جنيهات للعجوز وأكمل مسيره دون أن ينظر للوراء، وفي اليوم التالي، أثناء سيره إلى المنزل، مرّ على المكان نفسه، ولكن العجوز لم يعد موجودًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

دواء أحمر لجرح الليل

سيرة العاطل