25-ديسمبر-2017

الشاعر عصام السعدي

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


 عصام السعدي شاعر من فلسطين، من مواليد مدينة جنين. يحمل درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من "جامعة حلب". عضو رابطة الكتاب الأردنيين. ناشط نقابي. له من الإصدارات الشعرية: "لأمي، للخيل.. ولعينيها"، و"يَشرَقُ بالحنين" التي ترجمت إلى الفرنسية.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

الفشل في أن أكون رسامًا، أو موسيقيًا، وأبي والهجرات والفقر والمقاومة والأسئلة والبحث عن دور.. كل هذه العوامل ساهمت بطريقة ما في أن أجد نفسي قارئًا في البداية، ثمّ شاعرًا كاتبًا، غارقًا في الكتب فيما بعد.

ولدتُ في قرية وادعة على سفح جبل في الطرف الشمالي لمرج ابن عامر وعلى مرمى نظرة من بحر حيفا، كانت تلك البيئة الفلاحيّة الساحلية المليئة بالتفاصيل البصرية والصوتية أول ما رأيت، وتشربت عيناي وأذناي، ولما أمسكت بقلم، رحت أرسم ما أرى وأتخيل، غير أن حرب حزيران جاءت لنا بهجرة اقتلعتني من تلك البلاد ورمتني بعيدًا شرق النهر، مع لقب "لاجئ"، لقب سيبقى فيما بعد ملتصقًا بي.

من فضاء مفتوح وجدت نفسي محشورًا مع بقية أفراد عائلتي في غرفة واحدة محدودة الأفق، وآخر همّ من يسكنونها رغبة طفل في علبة ألوان ودفتر رسم، أما الموسيقى فكان شأنها أكثر صعوبة، الرسم والموسيقى هوايتان تحتاجان رعاية خاصة وتدريبًا وقدرة على توفير الأدوات، وصبرًا واستقرارًا... ضاعت فرصة أن أكون رسامًا، أو موسيقيًا، وراح أبي ينظم الشعر - في هذه الفترة- ويقرأ علينا ما يكتب، كنت مشدوها بذلك السحر الذي يجعل الكلمات غير الكلمات وصار سؤال الشعر محورا أدور حوله. ثم جاءت هجرة أخرى إلى سوريا، وفيها وجدت حواضن كثيرة وبدأت أعي معنى أن تكون فلسطينيًا، ووفر أبي لنا كل ما استطاع من سبل المعرفة. كان يأتينا كل أسبوع من بيروت بحقيبة فيها حلوى وكتب، كنا في البداية نتخاطف الحلوى ونؤجل الكتب، بعد حين صرنا نتخاطف الكتب ونزهد بالحلوى، وتورطنا كعائلة في طقوس القراءة، كان أبي يغضب لسبب واحد فقط، إذا لم نقرأ ما يأتي به من كتب. صار الكتاب تعويضًا عن كل ما فاتني من رغبات.

  • ما هو الكتاب أو الكتب الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

هي كتب كثيرة، تغطي كل اهتماماتي المتنوعة بين الأدب والسياسة والفلسفة والدين، تلك كانت أسئلة وكنت أسابق الزمن في محاولة لملمة أجوبة عليها. في الأدب والشعر كانت مدونة الشعر الفلسطيني، أو ما اصطلح عليه بأدب المقاومة، أو الأدب الملتزم زادًا يوميًا في البداية، ثم جاء الاهتمام بعد ذلك بالأدب العربي والعالمي، الشعر الجاهلي كان فتنتي، روايات غسان كنفاني ونجيب محفوظ، ثم أدب الواقعية الاشتراكية. في السياسة كتابات المفكر الفلسطيني منير شفيق خاصة كتابه "حول التناقض والممارسة في الثورة الفلسطينية"، هذا الكتاب ما زال يحكم حركتي ومواقفي من الثورة وفلسطين رغم ما مررت به من تحولات فكرية.. أما في الفلسفة فقد كانت كتب الماركسية ممرًا إجباريًا لجيلنا، خاصة مع وجود المركز الثقافي السوفييتي في دمشق، الذي كان لا يبخل علينا بتزويدنا بكل ما يُلبّي شغفنا للقراءة... فيما بعد سأنتبه إلى كتب التراث والترجمات والفكر الإسلامي، وسيكون للقرآن دورًا حاسمًا في تذوّق جماليات اللغة العربية في مستوياتها الدلالية والصوتية والأسلوبية.

  • من هو كاتبك المفضّل ولماذا أصبح كذلك؟

هذا سؤال يربكني دائمًا، ولست أدري مع كل ما عشته من تقلبات من هو الكاتب الأثير عندي وإلى أي حقل إبداعي أو معرفي سأنحاز حين أجيب على سؤال كهذا يحصرني في زاوية ضيقة... ولأنه لا بدّ من إجابة فلعلّ محمود درويش يبقى في مكانة عالية عندي من الناحية الإبداعية والنفسية، ربما لأنني رأيتُ فيه خلاصة الشعر العربي منذ امرؤ القيس وحتى مغادرته لنا قبل عقد من الزمان، وربما لأنه عاش حياته كما ينبغي لشاعر وأنجز ما لم يستطع غيره أن ينجزه فصار جزءًا من وجدان جيلنا.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

في البدايات كنت أفعل ذلك، وكان لدي دفتر للمختارات مما أقرأ... كان ذلك حين كنت أقرأ كل ما تصل إليه يداي من كتب، اليوم كففت عن هذا وصرت أنتقي ما أقرأ بناء على ترشيح صديق لكتاب ما، أو لرغبة في استكمال معرفة ناقصة، أو ذهابًا إلى مساحة جديدة من الدهشة. الكتب التي أقرأها الأن اعتبرها خلاصات بحدّ ذاتها، خصوصًا في المجال المعرفي والفكري، أما قراءة الأدب فأكتفي منها باللذة، واللذة يكفيني منها ما يعلق في جسدي وذاكرتي.

  • هل تغيرت علاقتك مع الكتب بعد زمن الكتاب الافتراضي؟

ما زلت ممن يقرؤون الكتاب الورقي وممن ينحازون له، لكنني بالتأكيد لست متعصبًا إلى درجة رفض الكتاب الافتراضي، فالتكنولوجيا تغير مفاهيمنا وعاداتنا وتتسلل إلى كل تفاصيل حياتنا... أقرأ أحيانًا بواسطة الكمبيوتر عندما لا أجد مفرًا من ذلك بسبب عدم توفر الكتاب الورقي أو بسبب منعه من قبل السلطات وأجهزتها الرقابية الغبية، وأدرك أن الكتاب الافتراضي سيُصبِح الخيار الأول للقراءة بعد حين، وأحاول التماشي مع ذلك.

  • حدثنا عن مكتبتك

أربع مكتبات لم يبق منهنّ إلا واحدة، الأولى هي أحب مكتباتي إليّ فهي مكتبة البدايات والشغف، تركتها في الحجر الأسود في ضواحي دمشق فاستشهدت ببرميل متفجر ألقته طائرة خائفة، الثانية في إربد شمال الأردن تبعثرت بفعل الغياب عنها، الثالثة في الرياض وكانت مكتبة تراثية غنيّة بأمهات الكتب، تركتها للأصدقاء، الرابعة هي ما تبقى لي حتى الآن في بيتي في عمّان وهي مكتبة تضم خليطًا من الكتب يعبر عن مزاجي واهتماماتي المتعددة... وهناك مكتبة علمية في مكتبي في مكان عملي الخاص، تضمّ كتبًا ومراجع ودوريات ومطبوعات تُعنى بالجانب الهندسي في حياتي، لم أعد حريصًا على اقتناء الكتب بفعل طبيعة عملي الذي جعلني كثير الترحال والسفر.

  • ما هو الكتاب الذي تقرأه الآن؟

رواية "الطريق إلى سحماتا" للدكتور ابراهيم السعافين، وهي رواية غنية بالتفاصيل والشخوص والأماكن، يمكن وصفها برواية الفلسطيني في الشتات في هجرته المعاكسة إلى فلسطين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة علي وجيه

مكتبة عدي الزعبي