مكتبة شربل داغر

مكتبة شربل داغر

الشاعر والناقد شربل داغر

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


شربل داغر شاعر وروائي وناقد من لبنان. من مجموعاته الشعرية: "وليمة قمر" و"فتات البيض" و"تخت شرقي" و"لا تبحث عن معنى لعلّه يلقاك". ومن دراساته النقدية في الشّعر والفن: "مذاهب الحُسْن: قراءة معجمية – تاريخية للفنون في العربية" و"العين واللوحة" و "الفن العربيّ الحديث: ظهور اللوحة". ومن رواياته: "وصية هابيل" و"شهوة الترجمان" و"بدل عن ضائع". آخر إصداراته كان مجموعة شعرية بعنوان: "يا حياة؛ أتوق إليك فتجيبيني: أتوق إليك".


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

لا أحسن جوابًا عن هذا السؤال. ولو كان لي أن أتدبر جوابًا، لقلتُ بأنه النظام الدراسي. فقد راعني، قبل سنوات قليلة، وقوع ابن أخي البكر على شهادتي المدرستي في صفي المدرسي الأول، حيث تبين أنني كنت الأول بالعربية كما بالفرنسية، في المجموع العام. هذا ما لم أكن أتوقعه... كنتُ قد حفظتُ في ذاكرتي أخبارًا وصورًا كريهة عن الأيام الأولى في المدرسة الأولى. هذا ما كتبتُه في رواية "وصية هابيل". هذا ما توسعتُ فيه في كتاب عن سيرة الطفولة انتهيت من كتابته في الصيف المنصرم. ما كانت أمي توصلني إلى المدرسة، حتى أكون قد هربتُ ووصلت قبلها إلى البيت.

عدي زعبي

يبدو أنني قبلت المدرسة على مضض. يبدو أنني قبلت بنظام القيمة الذي تقوم عليه. وهو نظام مبني على القراءة، فضلًا عن الاستظهار. وهو مبني بالتالي على الكتاب.

قد يكون كتاب "البؤساء"، الرواية الشهيرة لفيكتور هيغو، هو الكتاب الأول الذي اقتنيتُه: كان يستلقي فوق عربة خشبية متنقلة لبيع الخضار، إلا أنها كانت تحمل أكوامًا من الكتب في نهار الأحد ذاك الذي اتجهت فيه، وأنا في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمري، إلى "ساحة البرج"، إلى وسط بيروت... لا أعرف سبب انجذابي إلى ذلك الكتاب.

عدتُ إلى بيت الأهل، يومها، حاملًا الكتاب مثل هدية ثمينة منحتُها لنفسي. لم أعبأ يومها بما قاله والدي عن غيابي الذي أقلقهم، ولا باستدراك أمي ودعوتي لتناول الغداء معهم، حيث العائلة مجتمعة في يوم العطلة هذا.

اتجهت إلى غرفتي، وشرعت في قراءة الكتاب، وما توقفت عن ذلك إلا بعد ساعات.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرا في حياتك؟

أحببت الكتابة، والكتب، لكنني لم أحب كاتبًا بعينه، أو كتابًا بالتحديد، في مرحلة المراهقة. لم أحتفظ بصورة أحد من المشاهير فوق جدران الغرفة أو في حقيبتي المدرسية، على الرغم من وقوعي في البيت على مجلات فنية، مثل "الشبكة" أو "الموعد"، أو على جرائد مثل "النهار".

هذا قد يصدم البعض ممن يتذكرون، في مراهقاتهم، إعجابهم بمطرب، أو بممثلة، أو بكتاب... أما إقبالي على الكتب، فقد بدأ في عمر متقدم، إذا جاز القول، بعد التحاقي بجامعة السوربون الجديدة لتحصيل شهادة الدكتوراه. كان تحصيل الكتب مِما يستلزمه الدرس والبحث، ولم يكن يرسم غير علاقة نافعة بالكتب.

لهذا يسعني الحديث عن تأثري بكتب هامة في كتابتي البحثية، مثل: فردينان دو سوسور، وإميل بنفينيست، وجيرار جينيت، وميخائيل باختين وغيرهم. إلا أنني لا أستطيع القول نفسه مع الكتاب المبدعين.

ولو شئت التوقف عند أدباء، لكان ذلك مع ثلاثة: الشاعر رامبو، في مطالع الثمانينات، ثم مع روائيين آخرين: غوستاف فلوبير، ووليم فولكنر، وأنا في الخمسين من عمري.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

ليس لي – بكل أسف – كاتب مفضل. أحببت وأحب أدب كثيرين، وقرأت الكثير من الكتب، الشعرية والروائية والمسرحية، لكنني لم أجد في أساليب هذا أو ذاك نموذجًا للاحتذاء. هذا لا يمنع تأثري بهذا أو بذاك، في هذا الطور أو ذاك من كتابتي. وقد يكون مردُّ ذلك عائدًا إلى كوني انقدتُ في اتجاهَين في الكتابة الإبداعية: صوب التجربة نفسها (تجربة الحياة، وتجربة الكتابة، وفي تعالق بينهما)، وصوب النظام الثقافي والجمالي الحاضن للكتاب. فقراءة كتب أساسية في تعيين الحداثة، أو الذات في التاريخ أو مع الآخر، أعانتني وشدتني ووجهت مسارات كتابتي.

ذلك أن كتابتي الإبداعية، بين القصيدة والرواية، تعالقت مع انغماسي الوجودي في ما أعيش، من جهة، ومع خيارات جمالية وثقافية وأسلوبية نتجت أو تحصلت من تفكري في الكتابة، وفي ما لها أن تكون.

ولو شئتُ اختيار كاتب واحد لا ينقطع انجذابي له، لكان: رامبو، بطبيعة الحال،. فهذا "العابر الهائل بنعال من ريح"، كما أسميته في أحد كتبي عنه، لا يتوانى عن التوقف في خيالي، في  حاسوبي، مثل برق منير. هو هالة النعمة التي تظللني.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

كتبتُ وأكتب ملاحظات عما أقرأ... هذا ما أجبرت نفسي عليه في إعدادي للدكتوراه الأولى، وبخاصة الثانية. هذا ما كان يتم على قصاصات ورق، أحتفظ ببعضها في مكتبتي اليوم. أما اليوم، فقد بات الهاتف المحمول يتكفل بجانب من هذه الملاحظات. وهي ليست ملخصات مؤكدًا، وإنما هي أفكار متطايرة ابتداء أو تفاعلًا مع ما أقرأ.

وقد يحدث لي أن اكتب قصيدة ابتداء من بحث في علم الاجتماع أو غيره، أو عند قراءة مبحث فلسفي. ذلك أن الكلمات تفتح لي نوافذ لمصاحبتها، أو للتحليق من فتحتها.

طبعًا هناك "شواهد" أحتفظ بها، للبناء عليها في بحث أو كتاب. وهناك غيرها مما أحتفظ به، وأضمنه عددًا من كتبي الشعرية. فلو تعد إلى العديد من هذه الكتب أو من قصائدها ستجدها مسبوقة بشواهد تعود إلى قراءاتي المختلفة، في كتاب للجاحظ أو للفيلسوف لفيناس أو للإمام الجوزي وغيرهم.

وما قد يفسر سلوكي هذا، هو أنني انتسبت حزبيًا إلى تنظيم طلب التمايز عن خيارات وأحزاب يسارية أخرى. كما انقدت، مع شعراء-طلبة مثلي في الكلية ذاتها، إلى طلب التمايز بدلًا من اتباع هذا الشاعر أو تلك المدرسة الشعرية وغيرها. هذا ما تعزز في قناعاتي بعد وقت، وهو أن القصيدة بناء ثقافي قبل أن يكون حرفة كتابية أو تعبيرية بهذا المعنى أو ذاك.

  • هل تغيرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

بالطبع تغيرت، وهو ما كتبت عنه، وعبرت عنه أكثر من مرة. فقد أتاحت لي الشبكة الإلكترونية إمكانات في الاطلاع والقراءة، يسَّرَتْ لي وسرعت اتصالي بعالم الثقافة والكتاب. فقد كان علي، أثناء إقامتي الباريسية، أن أمضي أكثر من يوم قبل أن أحصل مقعدًا لي في صالة القراءة في "مكتبة فرنسا الوطنية"، وأن أنتظر أكثر من ساعة قبل الحصول على معجم هو من أوائل المعاجم الثنائية اللغة، بين العربية والفرنسية، على سبيل المثال.

تبدلت الصورة، اليوم، وتسارعَ انتقال الكتاب، بل باتت المكتبة غير مادية بمعنى من المعاني. باتت تعبرنا مثل صورة، وتتقافز أمام عيونننا بخفة مثيرة.

  • حدثنا عن مكتبتك؟

مكتبتي أشبه ببيتي. أعرفه ولا أعرفه. أسكن فيه، لكنه يسكنني أيضًا. مكتبتي باتت منتشرة في بيتي، تعدت منذ سنوات بعيدة مكتبي لتتوزع في غرف البيت الأخرى. انتهيت إلى تنظيمها في السنوات الأخيرة، حيث باتت تتوزع بين قسمين: الأدب والفن. فيما تحيط بها الموسوعات وأمهات الكتب والمعاجم في أكثر من لغة. تضيق مكتبتي بكتبها، لدرجة أنني أقدمت على توضيب أعداد من الكتب والمجلات والوثائق في مستوعبات خاصة، ما يحفظها من التلف. أبقيت، مع ذلك، على ما أسميه "مكتبتي النافعة"، أي التي أعود إليها. فأنا لست مثل بعضهم ممن يهوون اقتناء الكتب، بل ممن يعاشرون الكتاب في جلسة أنس ومتعة وفائدة. الكتاب شريكي، بهذا المعنى، فوق رفوف المكتبة، مثل دعوة مفتوحة دومًا للقاء فوق طاولة الشراكة. هذا ما جعلني أكتب أكثر من قصيدة عن مكتبتي.

أنظر إلى مكتبتي مثلما أنظر إلى لغتي: ساكنة، لكنها تعج بحيوات داخلية.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

أقرأ، في وقت متزامن، كتابين: "عمارة الرؤية" للتونسي خليل قويعة، و"النور والفراشة" لغوته، في ترجمته العربية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة خالد حسين

مكتبة عبد الزهرة زكي