مكتبة خالد حسين

مكتبة خالد حسين

الناقد خالد حسين

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


خالد حسين كاتب وناقد وأكاديمي من سوريا. مهتم بالمجال النقدي والثقافي. صدرت له مجموعة كتب: "شعرية المكان في الرواية الجديدة" 2007، "في نظرية العنوان" 2008، "شؤون العلامات" 2008، "اقترافات التأويل" 2014.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

على الأرجح أفتقد إلى إجابةٍ محددةٍ بخصوص ذلك، ولكن دعني أرتّب لك المشهد: في تلك القرية النائية في الجنوب الشرقي من القامشلي، حيث السّطوة للمكان كما لو أنّ الزمن متجمدٌ في طية جغرافية ما هناك! شيء "ما" كان يجذبني نحو عالم الكتب، الشيء ـ البداية. هل تمكن الإشارة إلى "غرفة المعلم" في مدرستنا الطينية. كان المعلمون القادمون من المدن السُّورية إلى هذا العالم الصغير ودرءًا للأغبرة التي تتساقط من الجدران يغطونها بأوراق الصُّحف والمجلات التي جلبوها معهم. سأستغل غياب المعلم؛ فأنتزع تلك الصحيفةً من الجدار، تغطية لمباراة محمد علي كلاي وجورج فريزر أو جورج فورمان لا أعرف بالضبط، كنت أخطط لذلك منذ أيام، سأخبّىء الصحيفة تحت كنزتي وأسلّم نفسي للريح. محمد علي (الذي أحبُّ عجرفته اللذيذة كثيرًا) واقفًا بقبضته الممتدة وجو المنطرح أرضًا. قرأت المقالة، مرةً، مرتين، ثلاثة.. وفي كل مرة كلمات عربية جديدة عليَّ. كنت في الصف الرابع الابتدائي. وفي كل مرة أتوقف متسائلًا: هل سيعرف المعلم بذلك؟ هل رآني أحدٌ..؟ لا أدري في الحقيقة ما الذي دحرجني إلى عالم الكتب؟ لكنني أتذكر أن صحيفة الحزب الشيوعي المحظورة آنئذ "نضال الشعب" كانت تحضر باستمرار إلى بيتنا، ترافقها مجلة "الطريق إلى الاشتراكية"، التي ما زلت أتذكر في غلافها الداخلي شذرة لينين المثيرة للغرابة الآن: "الماركسية كلية القدرة لأنها صحيحة". هل حقًا هي صحيحة؟ إلى حدّ بعيد سيدفع بي "الفكر الماركسي" بقوة إلى عالم الكتب لا بدَّ من الاعتراف بذلك.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

أعتقد بأنَّ الكتب لم تفارقني البتة، ثمة صداقة لامثيل لها بيننا؛ أستطيع القول إن  كتبًا كثيرة أثّرت في حياتي: كليلة ودمنة، كتب جبران، كتب النفّري، الحكايات الخرافية الكردية التي ترنُّ في داخلي، روايات أرنست همنغواي التي قرأتها في المرحلة الثانوية.. إلخ. يمكنك أن تقول إن كتاب "ذهنية التحريم" لصادق جلال العظم يمثّل مفصلًا في سياق قراءاتي، لكن مصنف "في علم الكتابة" لجاك دريدا هو الذي بعثرَ كلَّ شكل من أشكال الميتافيزيقا في ذهني، وعلّمني كيف أحيط بالنُّصوص مع صرامةٍ منهجية مقتدرة، كانت قراءته في الواقع بمثابة "قفزة في الظلام".

مكتبة فواز حداد

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

من الصعوبة بمكان تحديد الكاتب، أحبُّ الكتب وأُهمل الكتّاب، وإذا كان لا بدَّ من ذلك فلا يزال عبد الله بن المقفع بسرديته الفائقة "كليلة ودمنة" يثير إعجابي، كيف استطاع هذا الكاتب في القرن الثاني للهجرة أن "يطوّع العربية" للقص على هذا النّحو البارع! أيضًا المؤلف المجهول لـ"ألف ليلة وليلة" يثير الغرابة لديّ بعبقريته. هل يمكن الحديث عن مؤلّف لهذه السردية العالية؟ يمكن أضيف أيضاً إلى هذين المؤلِّفين حكّاءَ ملحمة "ممي آلان" الكردية؛ كيف هندس هذا الحكّاءُ أحداث هذه القصة بهذا الجمال؟ لا شكّ أنّ كتب مارتن هايدغر وجيل دولوز ودريدا ومحمود درويش وسليم بركات ورولان بارت لها حضور كثيف في قراءاتي.    

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

لا يخلو الأمر من "ملاحظات" كثيرة وكثيرة على هوامش صفحات الكتب التي أنوي معالجتها نقديًا، مثل النُّصوص الشّعرية والروائية والقصصية، وحتى الأصناف الأخرى فربما أعود إلى هذه الملاحظات في يوم ما. على أن الكتب الفلسفية تأخذ اهتمامًا كبيرًا لدي من هذه الناحية فربما أدرجت بعض الوريقات الصغيرة في متونها وسجلت ملاحظاتي وإشاراتي.

  •  هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

لا شكّ بذلك ولا سيما في الفترة الأولى من الاغتراب حيث اعتدت لبعض الوقت قراءة الكتب الإلكترونية على التابليت، لكن في الواقع: الكتاب الإلكتروني هو بكتاب وليس بكتاب، فهو في حوزتك وليس...، الكتاب الالكتروني صيغة عاهرة، داشرة، يفتقد إلى العلاقة الدافئة بين القارئ والكتاب الورقي. لذلك عدتُ الآن مرةً أخرى إلى اقتناء الكتب الورقية والتمتع بحضورها المادي، حيث أبعثرها حولي قبل النوم؛ لكَ أن تتخيّل الآن: كلُّ كتاب امرأة.

منصورة عز الدين

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

الألم يرافق الحديث دائمًا عن المكتبة، المكتبات ليست رفوفًا وخزائن، المكتبات تضمُّ في أنحائها عمرًا وآمالًا ومشاريعَ وأحاديثَ لما تنته. المكتبات لا تُنْتسى أبدًا. صديقٌ لي من دير الزور أخبرني قبل أيام عن مكتبته التي نُهبت. أخبرني عن عمر مكتبته والكتب والمجلات التي احتوتها، تركوا له الرفوف فارغة إلا من بعض المجلات وسرقوا الكتب الثمينة! أوّل مكتبة صغيرة لي أسستها في المرحلة الثانوية في تلك القرية، مكتبة صغيرة جدًا بكتب معدودة. وهكذا، في بلدة تربسبيه (قبور البيض) كانت لديَّ مكتبة لا بأس بها ضمّت كتبًا جيدة ولا سيما سلسلة عالم المعرفة. مصيرها كان بائسًا. أما مكتبتي في دمشق فأتمنى أن ألتقي بها يومًا لكي أحدّثك عنها. بين كتبها "الريش" خاصتك التي لم أعدها لك... يا صديقي!         

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

"الحيوان الحكّاء: كيف تجعل منا الحكايات بشرًا"، تأليف: جوناثان غوتشل، ترجمة: بثينة الإبراهيم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة عبد الزهرة زكي

مكتبة حسام الدين المحمد