مكتبة عبد الزهرة زكي

مكتبة عبد الزهرة زكي

الشاعر عبد الزهرة زكي

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


عبد الزهرة زكي شاعر وكاتب وصحافي من العراق. أصدر العديد من المجموعات الشعرية. من إصداراته: "كتاب اليوم وكتاب الساحر" (2001)، "طغراء النور والماء" (2009)، و"شريط صامت" (2011). وله دراسات حول الشعر بعنوان "طريق لا يسع إلا فردًا" (2017). آخر إصداراته الشعرية "الديوان الغربي للشاعر الشرقي" (2018).


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

كانت مشكلة فعلًا أن أجدني طفلًا وقد تعلم القراءة والكتابة قبل ذهابه للمدرسة، وكان هذا طفلًا يريد إظهار "موهبته" بالقراءة، كما الكبار، حتى باتت القراءة لعبته الطفولية الأشدّ إغراءً.

تضاعفت المشكلة مع كون هذا الطفل نشأ في بيت ليست فيه مكتبة ولا كتب. ليس سوى القرآن، وكتاب آخر عن واقعة عاشوراء، وآخر ثالث عن تفكيك وتركيب المسدس (كان والدي حينها ــ مطلع الستينات ــ معلمًا لدورات الجنود المستجدين في الجيش، وكان هذا الكتاب من مستلزمات مهنته). أظنّ أني أعدت قراءة كتاب المسدس أكثر من عشرين مرة، فيما قرأت القرآن، بصعوبة بفعل طبيعة حرفه، والمقتل بصعوبة أقل، حيث كنت أعرف معظم تفاصيله من مجالس العزاء الحسينية. كنت طفلًا يريد أن يقرأ لا لشيء سوى أن يقرأ.

بعد انتباه الوالد لهذه "المشكلة" فإنه صار يأتيني بكتب (كرّاسات لا يتجاوز الواحد منها الخمسين صفحة)، وكانت لقصص مستلّة من ألف ليلة وليلة وحكايات السندباد والزير سالم والأمير حمزة البهلوان وقيس وليلى، ومعها بعض كتب وحكايات من التاريخ العربي الإسلامي، وهي مما كانت تُطبع كطبعاتٍ شعبية على ورق أسمر بمطبعة الغري في النجف بالعراق. كانت كتبًا آسرة، تشدّ قارئًا طفلًا مثلي وتجتذبه لسحر القراءة. صادفت مرّةً في البيت وجودَ كتابٍ بلا غلاف ولا عنوان، لم أقرأ منه سوى أبيات من قصيدة المنخل اليشكري في المتجردة زوجة النعمان بن المنذر. حفظت الأبيات المختارة لرقّتها وأضعتُ الكتاب. كنت حينها في الثاني الابتدائي، وكانت أبيات المنخل أول ما حفظت من الشعر بعد نصوص الكتاب المدرسي الشعرية التي لم أستسغها كونها مكتوبة لأطفال، فيما كنت أريد التباري والتشبّه بالكبار. في هذه المرحلة الدراسية دخلتُ أولَ مكتبة عامة، ولم أكن أعرف ما معنى مكتبة عامة. كانت بناية مجاورة لمدرستي، قيل لي إن فيها كتبًا. تجرأت فدخلتها، فكنت موضوعًا لمزاح موظفاتها، خرجت من هذا المزاح باستعارة كتاب، اخترته من بين رفوف الكتب لضخامته فقط بما توقّعت أن يؤكد قدرتي على القراءة أمام فتيات المكتبة. لم أقرأ مجلات الأطفال حين كانت بين يديَّ، ومن ثم لم أشاهد أفلام كارتون، لم أحبها.

بعد سنوات، وما أن اجتزت الابتدائية حتى تكرّست القراءة كمشكلة فعلًا، إنما بوجه آخر، أو بوجوه أُخَر؛ بدءًا باختيار الكتاب وبكيفية الحصول عليه، وليس انتهاءً بما تجرّ إليه القراءة من معرفة وتطلع ومن نشوء حياة أخرى للعقل والوجدان كثيرًا ما تتعارض مع يوميات الحياة الجارية على أرض الواقع.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

معظم كتب النثر العربي القديم ساعدت في تكويني اللغوي أكثر مما ساعد الشعر العربي في ذلك، وما زالت قارئًا مواظبًا على التراثين الشعري والنثري. استفدت كثيرًا من الطاقة الوجدانية التعبيرية للشعر العربي، رصانة التعبير وبداهة الحكمة لدى المتنبي مثلًا، الدفق الروحي الهائل في شعر الثقافات الشرقية الأخرى، وحرية الشعر الغربي الحديث تقنيًا وتعبيريًا.

في كتب الأدب والفكر الأخرى أنا مدين لكتّاب كثيرين أشبعوا في وجداني النزعة الإنسانية التي لا تُحدّ؛ هيرمان هيسه، إرك فروم، ستيفان زفايج، جون ميل ستيوارت، لاوتسي، وسواهم كثيرون. أركز هنا على القيمة الإنسانية المتحصلة لي كقارئ ظل يسعى دائمًا عبر المعرفة، من أجل تحصين طبيعته الإنسانية وتنميتها.

  • ما هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

كتب كثيرة قرأتها، وأخرى قد أقرأها، أحببتها وأضاف كلٌّ منها شيئًا معينًا لي، أو غيّر شيئًا ما فيّ. من الصعب المفاضلة ما بينها. هل يمكن فصل مكوّن واحد أو اثنين من مكونات الهواء الذي نتنفس عن باقي المكونات وتستمر الحياة على الكوكب؟ المعرفة كلٌّ متكامل حتى بتعارضاتها مع بعض، بل هي تتكامل بهذا التعارض وتنمو وترتقي بنفسها وبنا نحن البشر.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

نعم، في بعض الحالات، أضع ملاحظات وتأشيرًا بقلم ملون، خصوصًا حين أكون أمام كتابٍ أنوي الكتابة عنه خلال عملي الصحفي.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

باستثناء الكتب الجديدة فإن معظم قراءاتي حاليًا هي عبر النسخ الإلكترونية. هذا يساعد في الأقل بتقليص الوقت المهدور بمواقع التواصل كلما كان المرء أمام الكمبيوتر. بعد التقنيات الإلكترونية والإنترنت تغيّر، أو سيتغير، كل شيء في ما يخص القراءة. قبل التفرغ للإجابة على هذه الأسئلة كنت أشاهد وأصغي إلى محاورة مهمة كان قد أجراها غونتر غراس عام 1964 مع حنا آرنت، كان هذا الحوار فيديو يضاهي بقيمته كتابًا مهمًا بالمجال نفسه، هذا شكل آخر للقراءة في عالمنا المعاصر.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

إنها مكتبة متغيرة دائمًا. لا أحتفظ طويلًا بكثير من الكتب التي أنتهي منها، دائمًا ثمة الأكثر الذي ينتظرنا. بعض الكتب التي لا تندرج في إطار اهتماماتي بالقراءة غالبًا ما أهديها، أو أقايضها. في سنوات الحصار التسعيني استغنيت للجامعة عن كتب كثيرة، كان طلبة الدراسات العليا والباحثون أحوج مني إليها.

تحتفظ المكتبة بكتب مهداة كثيرة، وبكتب أخرى، بمختلف التخصصات، لي معها ذكريات وتاريخ، تحتفظ أيضًا بطبعات الأعمال الشعرية الكاملة لبعض كبار الشعراء العراقيين والعرب وغير العرب. هذه ثوابت في مكتبة متغيرة.

حاليًا لديَّ أكثر من مكتبة سوى مكتبة الكتب الورقية. فلديَّ مكتبة إلكترونية بآلاف الكتب مخزونة في واحد من ثلاثة "لابتوبات" أعمل بها، كما أحفظها في هاردديسك منفصل، دائمًا أخشى الفقدان. ولدي مكتبة سينمائية لا بأس بها، وأخرى موسيقية وغنائية، على مئات الأقراص، ناهيك عما هو متاح بالمكتبة الكونية المشاعة على جوجل ويوتيوب.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

حاليًا، أقرأ الأعمال الشعرية الكاملة للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، لصدروها مؤخرًا بترجمة مريم العطار. أعيد في الوقت نفسه قراءة لعبة الكريات الزجاجية، بنسخة بي دي أف. ولكوني بصدد الكتابة عن مختارات واسعة من قصائد الشاعر الأمريكي مارك ستراند بترجمة الشاعر عبد الوهاب أبو زيد، فهي موضوع للقراءة والكتابة إضافة إلى البحث في كثيرٍ من المصادر المتاحة عبر النت، بالإنجليزية، عن الشاعر وتجربته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة حسام الدين المحمد

مكتبة يارا المصري