مسلسل

مسلسل "سوق الحرير".. الشام المُتَخَيّلة مرة أخرى

من المسلسل

لا يخفي المخرج الدمشقي بسام الملا شغفه بالأعمال الشامية منذ باكورة أعماله "أيام شامية" التي قدمها للمتفرج المحلي في تسعينيات القرن الماضي. كان الرجل قد اشتغل ما بين أول عمل شامي في رصيده على العمل الاجتماعي "الخشخاس" الذي يتحدث عن الأرياف الدمشقية دون أن يخرج عن الإطار العام للمواريث الاجتماعية المتعارف عليها في أعماله الدرامية، ولاحقًا العمل التاريخي الوحيد في سجله "العبابيد" الذي يحاكي فترة حكم المكلة زنوبيا لمدينة تدمر، قبل أن يعود إلى شغفه الأول البيئة الشامية من بوابة "الخوالي" الذي تدور التخمينات بأنه الجزء الثاني لباكورة أعماله الشامية.

رسم بسام الملا خطًا ثابتًا لأعمال الفانتازيا الشامية بنى عليها قصصه الشعبية، باعتماده على حكايات جاءت قيل عن قال عن الأزقة الدمشقية القديمة

في هذا الجانب لا يجب تجاهل أن "أيام شامية" يبقى واحدًا من أهم كلاسيكيات الأعمال الدرامية السورية باعتباره عتبة أعمال البيئة الشامية التي أنتجت لاحقًا رغم ما يسجل عليه من سلبيات إخراجية، غير أن هذه السلبيات عوّضها الأداء المتميز لنجوم الدراما الراحلين، و نخص هنا "أنطونيو كوين العرب" خالد تاجا بدور "أبو عبدو" ورفيق سبيعي بدور "الزكرتي/القبضاي" اللذين يأتي ذكرهما في مقدمة أي نقاش عن أعمال البيئة الشامية.

اقرأ/ي أيضًا: Unorthodox.. دراما نتفليكس في خدمة "إسرائيل"

هكذا رسم "شيخ الكار" خطًا ثابتًا لأعمال الفانتازيا الشامية بنى عليها نسيج قصصه الشعبية باعتماده على حكايات جاءت قيل عن قال عن الأزقة الدمشقية القديمة، واللعب على وتر حياة الشوام قبل قرن كامل بتقديمه حبكات درامية بصور "شعبوية" عن الحياة الاجتماعية قبل أكثر من 70 عامًا لا يمكن ارتقائها لمستوى الترفيه التلفزيوني، بالأخص بعد تحوير سلسلة "باب الحارة" الشهيرة عن سرديات العنتريات الشهيرة المعتاد عليها في مثل هذه الفانتازيات الدرامية إلى دروس بالتوجيه السياسي والقانون والتنمية البشرية.

أمام موجة الانتقادات التي طالت صاحب "ليالي الصالحية" بعد مهزلة الأجزاء الأخيرة من "باب الحارة"، والخلاف الذي دخله مع "ابن المصلحة" أو "الحوت" محمد قبنّض – كما يصف نفسه بأحد المؤتمرات الصحفية – صاحب شركة قبنّض للإنتاج والتوزيع الفني على ملكية الجزئين الأخيريين من السلسلة الشامية الأخيرة، قرر الملا الغياب عن الموسم الرمضاني الفائت ليعود إلينا في هذا العام بعمل "سوق الحرير" من إخراج مشترك مع شقيقه مؤمن الملا، ونص يحمل فكرة صاحبنا "شيخ الكار" من كتابة السيناريست جيهان المهرجي في أول عمل درامي يحمل توقعيها.

لربما شاءت الصدف أن يدخل الملا في خلاف مع قبنّض مرةً أخرى على "سوق الحرير" بعدما كان مقررًا في البداية تسمية العمل بـ"سوق النسوان"، غير أن رجوع ملكية الاسم لـ"حوت" الدراما السورية حال دون ذلك ليظهر العمل بهذا العنوان؛ يختار الملا في عمله الجديد الابتعاد عن السرديات الشامية التي اتسمت بها أعماله السابقة، باختياره تصوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية عند طبقة التجار الشوام ما بين عامي 1950 – 1960، وهي واحدة من الفترات التي تعرف بالفترة الذهبية للحياة السياسية السورية، لما شهدته من صراع بين الأحزاب السياسية في الانتخابات البرلمانية تخللها أربعة انقلابات عسكرية على الأقل.

فعليًا، لم يخرج الملا في "سوق الحرير" عن السرديات التي كان يختلقها في الأعمال الشامية السابقة، باستنثاء انتقال الحياة الاجتماعية لخمسينيات القرن الماضي، يبدو واضحًا من أزياء الشخصيات بابتعاده عن الزي الشعبي مع ظهور متنوع للنسوة غير المقنبات والمتعلمات، وتناوله الحياة الاجتماعية لشخصيات تعمل في "سوق النساء" الواقع في نهاية سوق الحميدية قرب الجامع الأموي، تدور حبكتها الدرامية في إطار السرديات التي قدمها في أعماله السابقة، معظمهم تحولوا من سكان واحدة من الحارات الدمشقية المتخيّلة إلى تجار أقمشة يعيدون سرد القصص نفسها في "سوق الحرير".

في "سوق الحرير"، يختار بسام الملا في عمله الجديد الابتعاد عن السرديات الشامية التي اتسمت بها أعماله السابقة

يمكن لمتتبعي مسيرة الملا الإخراجية ملاحظة بطء تصاعد الأحداث الدرامية في جميع أعماله الشامية، وهذا الأمر ينطبق على الحلقات الـ18 الأولى من "سوق الحرير"، كما أن الحلقة الأولى لم تخرج عن الإطار العام لـ"دهاء النساء الشاميات" التي تبدأ مع إخفاء هوية طفل كريمة (نادين تحسين بيك) المولود حديثًا بسبب وفاة أمينة الزوجة الرابعة لعمران (بسام كوسا) أثناء الولادة، وقَسَم الداية (مولدة الأطفال) على القرآن بضغط من أم عمران لعدم كشف هوية طفل أمينة، بعدما فرضت على كريمة تربية الطفلين دون أن تخبرها بهوية طفلها الحقيقي.

اقرأ/ي أيضًا: المسلسل السعودي "مخرج 7".. لماذا كل هذا الحقد على فلسطين؟

يغيب عن العمل الترميز للأحداث السياسية التي كانت تعيشها دمشق في تلك الحقبة، في مقابل صعود مشاكل عمران مع زوجاته الثلاث، والتنافس بين طبقة تجار الأقمشة في "سوق النساء" للسيطرة على السوق، مع استعادة لمظلومية محمود الفوال في أيام شامية لكن بصورة شحادة (فادي صبيح) الذي سرق كيس طحين في صغره لإطعام والدته، وشخصية الشامي البخيل الحاضرة دائمًا في الأعمال الشامية، وغريب (سلوم حداد) الرجل الذي يبحث عن عائلته التي فقدها في صغره، زاد عليها قصة اتهامه بقتل زوجته التي قتلت أساسًا على يد أقاربها للحصول على ورثتها.

حتى في محاولات إظهار الفترة الذهبية لدمشق الخميسينيات بإدخال حضور النسوة لوحدهنّ أفلام عبد الحليم حافظ في صالات السينما كانت خجولة؛ في مشهد كان من المفترض تصويره لمحة عامة للحياة الثقافية لدمشق الخمسينيات تشاء الصدف لقاء زوجات عمران الثلاث بالطبيبة المصرية شمس التي وقع تاجر الأقمشة بغرامها، حيثُ أن الملا يعتمد في هذا العمل على نجوم من الدراما المصرية بتجسيدهم لحياة عائلة مصرية تنتقل للاستقرار في دمشق التي تبعث عبر حواراتها برسائل سياسية مبطنة عن مركزية القومية العربية خلال مرحلة ما قبل الوحدة بين سوريا ومصر.

قبل نهاية الحديث لا بد من الإشارة إلى أن عنوان العمل الرئيسي قبل استبداله بـ"سوق الحرير" حمل في مضمونه إشكالية من الواضح أن الملا غير مهتم بها، أو قد تكون مجموعة MBC التلفزيونية أرادت هذا العنوان كي تحظى بأكبر نسبة مشاهدة في الموسم الرمضاني بدون إثارة حنق النشطاء والصحافيين؛ فاختيار كلمة "نسوان" يحمل تأويلات مختلفة يجري استخدامها في سياقات إشكالية أساسًا، إذ إنها عادة ما تستخدم إما لتحجيم مكانة المرأة أو للتقليل من قيمة الرجل تقوم على مجتمعية منمطة.

ما يمكن جزمه في نهاية حديثنا عن "سوق الحرير" عدم توقعنا لأي نهاية صادمة أو خروج عن حكايا الأعمال السابقة المسجلة في سيرة بسام الملا

الإشكالية التي تحملها الكلمة رغم تأكيد صحتها في المعاجم اللغوية تبقى محط تساؤل مرتبط بفشل الأعمال الشامية تقديم صورة إيجابية عن المرأة بشكل عام لا الشامية تحديدًا، حتى عندما يقوم كتبة السيناريو برسم صورة إيجابية للمرأة في تلك الحقبة فإنهم يفشلون بذلك أكثر من فشلهم برسم ملامح الصورة التلقليدية، عبر ربط النساء غير المنقبات بالمسيحية أو الدراسة خارج سوريا أو بين العائلات الأرستقراطية دونًا عن غيرها.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "أم هارون".. مناعة القطيع والترويج للتطبيع

ما يمكن جزمه في نهاية حديثنا عن "سوق الحرير" عدم توقعنا لأي نهاية صادمة أو خروج عن حكايا الأعمال السابقة المسجلة في سيرة "شيخ الكار" الإخراجية، على الرغم من أن قصة العمل بُنيت على ثلاثة أجزاء مبدئية وفقًا لتصريحات كاريس بشار، ما يعني انتظار المتفرج العربي لجزئين آخرين من المتوقع أن يشطحا في السرد عند الحديث عن الوحدة السورية – المصرية بالصورة النمطية أو "الشعبوية" المتعارف عليها في أعمال الملا "شيخ الكار".

اقرأ/ي أيضًا:

الدراما السورية في 2020.. الجدار لا يزال مسدودًا

الدراما المشتركة 2020.. بين دراما محاصرة وأخرى ميتة سريريًّا