10-نوفمبر-2023
صمت لأجل غزة، محمود درويش

في عام 2008، عقب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بين 28 شباط/ فبراير و3 آذار/ مارس، كتب الشاعر الفسلطيني الراحل محمود درويش نصًّا نثريًا لا يزال بوسعه، بعد عقد ونصف، اختصار وتبسيط ما يحدث في غزة مع كل عدوان إسرائيلي جديد. فالنص أقرب إلى سيرة لهذه البقعة الجغرافية الصغيرة والمحاصرة التي: "خدشت وجه العدو وكسرت أحلامه".

وبينما يواصل العدو حربه الوحشية على غزة التي يقول درويش إنه يكرهها حتى القتل ويخافها حتى الجريمة ويسعى إلى إغراقها في البحر أو في الصحراء أو في الدم، نستعيد نصّه هذا الذي يقول الكثير عن غزة، أو يقول كل ما تريد ونتمنى قوله عنها.


صمت لأجل غزة

تحيط خاصرتها بالألغام.. وتنفجر. لا هو موت، ولا هو انتحار.

إنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة.

منذ أربع سنوات، ولحم غزة يتطاير شظايا قذائف.

لا هو سحر، ولا هو أعجوبة.

إنه سلاح غزة في الدفاع عن بقائها، وفي استنزاف العدو.

ومنذ أربع سنوات، والعدو مبتهج بأحلامه، مفتون بمغازلة الزمن.. إلاّ في غزة. لأن غزة بعيدة عن أقاربها ولصيقة بالأعداء، لأن غزة جزيرة. كلما انفجرت - وهي لا تكف عن الانفجار - خدشت وجه العدو، وكسرت أحلامه، وصدته عن الرضا بالزمن. لأن الزمن في غزة شيء آخر.. لأن الزمن في غزة ليس عنصرًا محايدًا. إنه لا يدفع الناس إلى برودة التأمل، ولكنه يدفعهم إلى الانفجار والارتطام بالحقيقة.

الزمن هناك يأخذ الأطفال توًا من الطفولة إلى الشيخوخة، ولكنه يجعلهم رجالًا في أول لقاء مع العدو. ليس الزمن في غزة استرخاء، ولكنه اقتحام الظهيرة المشتعلة. لأن القيم في غزة تختلف.. تختلف.. تختلف.. القيمة الوحيدة للإنسان المحتل هي مدى مقاومته للاحتلال. هذه هي المنافسة الوحيدة هناك. وغزة أدمنت معرفة هذه القيمة النبيلة القاسية. لم تتعلمها من الكتب ولا من الدورات الدراسية العاجلة ولا من أبواق الدعاية العالية الصوت ولا من الأناشيد. لقد تعلمتها بالتجربة وحدها. وبالعمل الذي لا يكون من أجل الإعلان والصورة.

إن غزة لا تتباهى بأسلحتها وثوريتها وميزانيتها. إنها تقدم لحمها المر، وتتصرف بإرادتها، وتسكب دمها.

وغزة لا تتقن الخطابة. ليس لغزة حنجرة… مسام جلدها هي التي تتكلم عرقاً ودماً وحرائق.

من هنا، يكرهها العدو حتى القتل. ويخافها حتى الجريمة.. ويسعى إلى إغراقها في البحر أو في الصحراء أو في الدم.

من هنا، يحبها أقاربها وأصدقاؤها على استيحاء يصل إلى الغيرة والخوف أحيانًا. لأن غزة هي الدرس الوحشي والنموذج المشرق للأعداء والأصدقاء على السواء.

ليست غزة أجمل المدن..

ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية الأخرى..

وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض.

وليست غزة أغنى المدن..

(سمك وبرتقال ورمال وخيام تخذلها الريح، وبضائع مهربة، وسواعد تباع للشاري).

وليست أرقى المدن. وليست أكبر المدن. ولكنها تعادل تاريخ أمة. لأنها أشدنا قبحاً في عيون الأعداء، وفقرًا وبؤسًا وشراسة.. لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته. لأنها كابوسه. لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بدون طفولة، وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات. لأنها كذلك - فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب.

نظلمها حين نبحث عن أشعارها. فلا نشوهن جمال غزة. أجمل ما فيها أنها خالية من الشعر، في وقت حاولنا أن ننتصر فيه على العدو بالقصائد.. فصدقنا أنفسنا، وابتهجنا حين رأينا العدو يتركنا نغني.. وتركناه ينتصر. ثم جففنا القصائد عن شفاهنا، فرأينا العدو وقد أتمَّ بناء المدن والحصون والشوارع.

ونظلم غزة حين نحولها إلى أسطورة، لأننا سنكرهها حين نكتشف أنها ليست أكثر من مدينة فقيرة صغيرة تقاوم. وحين نتساءل: ما الذي جعلها أسطورة؟ سنحطم كل مرايانا ونبكي لو كانت فينا كرامة. أو نلعنها لو رفضنا أن نثور على أنفسنا.

ونظلم غزة لو مجّدناها. لأن الافتنان بها سيأخذنا إلى حدّ انتظارها. وغزة لا تجيء إلينا. غزة لا تحررنا. ليست لغزة خيول ولا طائرات ولا عصي سحرية ولا مكاتب في العواصم. إن غزة تحرر نفسها من صفاتنا ولغتنا ومن غزاتها في وقت واحد. وحين نلتقي بها - ذات حلم - ربما لن تعرفنا. لأن غزة من مواليد النار ونحن من مواليد الانتظار والبكاء على الديار.

صحيح أن لغزة ظروفاً خاصة وتقاليد ثورية خاصة.

(نقول ذلك لا لنحلل، وإنما لنتحلل).

ولكن سرها ليس لغزًا: مقاومتها شعبية متلاحمة تعرف ماذا تريد (تريد طرد العدو من ثيابها)، وعلاقة المقاومة فيها بالجماهير وهي علاقة الجلد بالعظم، وليست علاقة المدرس بالطلبة.

لم تتحول المقاومة في غزة إلى وظيفة.

ولم تتحول المقاومة في غزة إلى مؤسسة.

لم تقبل وصاية أحد، ولم تعلق مصيرها على توقيع أحد أو بصمة أحد.

ولا يهمها كثيرًا أن نعرف اسمها وصورتها وفصاحتها. لم تصدق أنها مادة إعلامية وأنها فوتوجنيك. لم تتأهب لعدسات التصوير، ولم تضع معجون الابتسام على وجهها.

لا هي تريد.. ولا نحن نريد.

ولم يتحول جرح غزة إلى منبر للخطابة. من جمال غزة أننا لا نتحدث عنها كثيرًا، ولا نعطر دخان أحلامها بعبير أغانينا النسائي.

من هنا - تكون غزة تجارة خاسرة للسماسرة. ومن هنا - تكون كنزًا معنويًا وأخلاقيًا لا يقدر لكل العرب.

ومن جمال غزة، أن أصواتنا لا تصل إليها، لا شيء يشغلها. لا شيء يدير قبضتها عن وجه العدو. لا شكل الحكم في الدولة الفلسطينية التي سننشئها على الجانب الشرقي من القمر، أو على الجانب الغربي من المريخ حين يتم اكتشافه، ولا طريقة توزيع المقاعد في المجلس الوطني. لا شيء يشغلها. إنها منكبة على الرفض.. الجوع والرفض. العطش والرفض. التشرد والرفض. التعذيب والرفض. الحصار والرفض. والموت والرفض.

قد ينتصر الأعداء على غزة. (قد ينتصر البحر الهائج على جزيرة صغيرة).

قد يقطعون كل أشجارها.

قد يكسرون عظامها..

قد يوزعون الدبابات في أحشاء أطفالها ونسائها. وقد يرمونها في البحر أو الرمل أو الدم.

ولكنها:

لن تكرر الأكاذيب.

ولن تقول للغزاة: نعم.

وستستمر في الانفجار.

لا هو موت، ولا هو انتحار. ولكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة.